| قبل أن تضيع الفرصة التاريخية لليسار
|
العدد 99 / 2008 - 01 - 01
|
أحمد بهاء شعبان
من وجهة نظري فإن
بناء هذه الجبهة سيتحقق، فقط في لحظة نمو قوي التغيير المتحركة علي أرض الواقع، استجابة لتطوراته
الموضوعية الضاغطة، بشكل كبير يشعر كل القوي المترددة في بناء هذه الجبهة أنها ستفقد
كل شيء، لو لم تخرج عن
ترددها
،
وتحسم مراوحاتها للأمور، وتنضم إلي قطار التغيير المندفع للأمام، وبمعني آخر فإن تطور
الواقع المصري،الذي نري مقدماته الواعدة في تنامي حركة الاحتجاج السياسي والاجتماعي
الواسع بعد مظاهرات «كفاية»
الأولي
في أواخر عام 2004 وبروز قيادات سياسية واجتماعية جديدة في مواقع الانتفاضات العمالية والشعبية (عمال - فلاحين - موظفين -
أساتذة جامعات - قضاة - حركات احتجاجية شعبية....)، وتحرك هذه المواقع النضالية
والقيادات الجديدة للعمل المشترك والتنسيق المستمر، سيشعر قيادات الأحزاب والقوي
التقليدية بأنها مجبرة علي تجاوز خلافاتها، والاتفاق علي برنامج مشترك للحركة، والانتقال
إلي ساحة الفعل، وإلا سيتم
عزلها،
موضوعيًا، وتهميشها، وبناء جبهة تغيير جديدة تتجاوزها، وتتحرك بدونها وبدون مؤسساتها، وهو وضع سيفرض عليها: إما التحرك السريع
والمخلص للتعاون بعيدًا عن
المماحكات
الفارغة و«التلاكيك» التافهة، أو الخروج نهائيًا من السباق، والتحلل الموضوعي، وبروز قوة أخري (أو قوي) جديدة تزيحها
تمامًا، من صدارة المشهد، وتحتل مكانها.
وأذكّر
هنا أن هذا هو واقع ما حدث في مصر، مع تآكل العهد الملكي، في حقبة الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن
الماضي، فمع عجز الأحزاب القائمة - وعلي رأسها حزب الوفد، بجلالة قدره وتاريخه - عن
الالتقاء والتساند للإطاحة بالملك وتغيير النظام، أو ترددها في العمل لإنجاز هذه المهمة
الملحة، تجاوزتها حركة الواقع شديد الديناميكية آنذاك: أولاً: بتشكيل «اللجنة الوطنية
العليا للطلبة والعمال»، كقيادة شعبية جديدة، غير مرتبطة بسقف هذه الأحزاب، ولا
مناوراتها، ولا حساباتها، ثم
ثانيًا
بالتدخل العسكري للجيش، الذي حسم الأمور، واقتنص السلطة ثم سرعان ما وجه لهذه الأحزاب التقليدية المترددة ضربات صاعقة في
الصميم!
ü العودة إلي «المربع
واحد»!:
وقضية
أخري، أود أن أطرحها، في هذا السياق، لأهيمتها، ومحوريتها.
هذه القضية هي باختصار دور اليسار في بناء هذه الجبهة
وحمايتها وتوفير شروط بقائها
ونجاحها
في تحقيق غاياتها.
ذلك
أن كل المحاولات السابقة لبناء هذه الجبهة افتقدت القاطرة التي تدفعها للحركة والإنجاز. فغياب اليسار عن
الصورة، وضعفه وتشتت أدواره
وهزال
منظماته ومحدودية تأثيرها [وهذه هي الحقيقة الواقعية رغم أي ادعاءات أو أوهام أو تمنيات] يمنع فرص بنائها وتطوير مكوناتها،
ويجعل هدف التغيير نائمًا ومساره غامضًا.
وضعف
اليسار المزمن يلقي بظلاله علي جميع قضايا بناء الجبهة، ويعرقل جهود العناصر المخلصة في هذا التيار أو الحزب أو
القوة أو الحركة، أو ذاك، عن أن تؤتي ثمارها؛ باعتبار أن اليسار هو الأكثر جدية في طلب
التغيير، لتعبيره عن مصالح
طبقات
شعبية يسحقها الواقع الراهن ويدفعها لتتمرد في مواجهة ضغوطه الهائلة!
ü فرصة اليسار التاريخية:
بالتالي
فها نحن نعود إلي «المربع رقم واحد مرة» أخري.. فما لم نحل معضلات اليسار المصري المزمنة، (حتي ليظن
المرء أنها جزء عضوي من
مكوناته
الجينية!)، وما لم يخرج من إهاب انقساميته التاريخية، وذاتية بعض رموزه وقياداته... وما لم يجدد خطابه وآليات عمله، ويدرك
جيدًا أنه أمام فرصة تاريخية
- دون مبالغة أو تهويل - لإعادة بناء ذاته واكتشاف نفسه، وسط حركة الجماهير
العاملة والفقيرة، التي
تلفت الأنظار وتدعو للتفاؤل، تكون الفرصة التاريخية لكليهما: لليسار وللجبهة قد ضاعت، والقطار تحرك، والأمل تبدد!، وهو
ما لا نتمني حدوثه تحت أي ظرف من الظروف .