العولمة وزحف الثقافة الاستهلاكية‏!‏ العدد 99 / 2008 - 01 - 01

بقلم : السيد يسين

 

لابأس من أن نؤكد في بداية حديثنا المقولة التي كررناها عديدا من المرات في كتاباتنا المتعددة عن العولمة‏,‏ ونعني أن العولمة عملية تاريخية‏,‏ وهي بهذا الوصف الدقيق ليست مجرد مفهوم أو مصطلح‏,‏ ولكنها كظاهرة نتاج تفاعلات شتي‏,‏ وتراكمات عميقة تمت عبر مئات السنين‏,‏ وهي تفاعلات سياسية ودولية واقتصادية وثقافية‏.‏

بعيدا عن هذه التعريفات الإيديولوجية فضلناـ كما يفعل الباحثون العلميون الاجتماعيون ـ صياغة تعريف إجرائي للعولمة‏,‏ باعتبارها سرعة تدفق السلع والخدمات والأموال والأفكار والبشر بين بلاد العالم بغير حدود ولا قيود‏.‏ وميزة هذا التعريف أنه يركز علي طبيعة الظاهرة ويفكك مكوناتها‏,‏ وإن كان يسمح من بعد بالتحليل النقدي لها‏,‏ خصوصا من حيث آثارها علي الاستقرار السياسي للدول‏,‏ وعلي البنية الاجتماعية للمجتمعات المختلفة‏,‏ وعلي التوجهات الرئيسية للثقافات العالمية المتنوعة‏.‏

وأيا ما كان الأمر‏,‏ فيمكن القول إن للعولمة تجليات مختلفة سياسية واقتصادية واتصالية وثقافية‏.‏

التجليات السياسية للعولمة تتمثل في الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان‏.‏ والتجليات الاقتصادية تتمثل في قيام منظمة التجارة العالمية التي قامت لكي تحرس وتراقب مبدأ حرية التجارة والمعاملات الاقتصادية‏.‏ والتجليات الاتصالية للعولمة تبدو في كون العالم كله أصبح متصلا بفضل الثورة الاتصالية الكبري وفي مقدمتها شبكة الإنترنت‏,‏ مما أدي إلي نتائج بالغة الأهمية في إشاعة مقولات الديمقراطية وحقوق الإنسان‏,‏ ونشأة المجتمع المدني العالمي‏,‏ وقدرة الجماعات السياسية المعارضة علي عرض برامجها علي شبكة الإنترنت‏,‏ وتعميق الاتصال الحضاري بين البشر علي كل المستويات‏.‏

ونصل أخيرا إلي التجليات الثقافية للعولمة والتي تنزع إلي صياغة ثقافة كونية‏
Global,‏ تقوم علي أساس نسق عالمي من القيم يؤثر علي اتجاهات البشر وسلوكياتهم بشكل متشابه في كل مكان‏.‏ وكأن الغرض من هذه الثقافة الكونية إعادة تشكيل الشخصية الإنسانية علي هدي قيم مغايرة للبنية التي توارثتها عبر القرون حتي الآن‏.‏

وهنا نصل إلي صلب مشكلة العولمة‏.‏ ذلك أنه يمكن قبول شعاراتها السياسية ويمكن التفاعل الخلاق مع تجلياتها الاقتصادية‏,‏ ومن السهل التوافق مع إبداعاتها الاتصالية‏,‏ إلا أن الثقافة الكونية باعتبارها إعادة تشكيل للشخصية الإنسانية قد تصطدم بالضرورة مع الخصوصية الثقافية للمجتمعات المتعددة‏.‏ ومعني ذلك أنه لو حاولت العولمة أن تقنن القيم وتوحد ضروب السلوك وفق معايير عالمية‏(‏ وقد تكون مجرد معايير غربية منغلقة علي ذاتها‏)‏ فمعني ذلك أنها ستدخل في معارك شتي مع الخصوصيات الثقافية المتعددة‏.‏

وتبدو المشكلة في العقول المهيمنة علي عملية العولمة والقيم التي تصدر عنها‏.‏ وإذا كانت هذه العقول هي نفسها المعبرة عن الرأسمالية المعلوماتية التي تهيمن عليها الشركات الاحتكارية العالمية الكبري‏,‏ فإننا سنواجه مشكلة كبري‏.‏

بل إننا نواجه فعلا هذه المشكلة في العالم الثالث‏,‏ حيث تتمثل العولمة في جوانبها الاقتصادية في فتح أسواق البلاد النامية أمام الإنتاج الغزير والمتنوع لهذه الشركات‏,‏ من خلال عمليات إعلانية وتسويقية جذابة‏,‏ من شأنها إعادة صياغة شخصيات الأفراد في هذه المجتمعات لكي تدفعها للدخول في مجال الاستهلاك والاستهلاك المتواصل‏,‏ حتي ولو كان في هذا السلوك تجاوز للقدرات الاقتصادية والمالية المتواضعة لأعضاء الطبقات المتوسطة والفقيرة‏

بعبارة أخري تمارس العولمة في الوقت الراهن زحفها الاستهلاكي من خلال إعادة صياغة القيم السائدة في العالم عموما وفي العالم الثالث خصوصا‏,‏ حتي ينظر الفرد لنفسه باعتباره مستهلكا في المقام الأول وليس منتجا‏.‏ ولذلك آثار وخيمة علي الاقتصادات القومية وعلي التوازن الطبقي‏,‏ وعلي الاستقرار النفسي للأفراد والمجتمعات‏.‏

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو‏:‏ ماتأثير الزحف الاستهلاكي الذي أدت إليه العولمة علي الاتجاهات والقيم والسلوك في مجتمع كالمجتع المصري؟ المجتمع المصري في الوقت الراهن يتميز بوجود فجوة طبقية كبري بين من يملكون ومن لا يملكون‏!‏ وكأننا عدنا للموقف الطبقي الذي ساد المجتمع المصري قبل ثورة يوليو‏1952.‏

كان الموقف الطبقي يتمثل في احتكار طبقة بالغة الضيق من كبار الملاك الثروة القومية‏,‏ في حين انتشر الفقر بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة‏,‏ وانسد باب الأمل أمام أعضائها في الترقي الاجتماعي‏.‏ ومن هنا الأهمية التاريخية لثورة يوليو‏1952‏ التي طبقت برنامجا لتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تحديد الملكية الزراعية‏,‏ وتعميم مجانية التعليم‏,‏ وفك الحصار أمام الطبقة الوسطي والطبقات الفقيرة وإحداث حراك اجتماعي صاعد عن طريق التعليم وتكافؤ الفرص والعمل في القطاع العام‏.‏

غير أنه يمكن القول أنه منذ تحولت مصر إلي الرأسمالية من جديد في عصر الانفتاح الاقتصادي الذي دشنه الرئيس الراحل أنور السادات بدأت عملية التدهور الطبقي في الاتساع والتعمق حقبة بعد حقبة‏.‏ ونقصد بالتدهور الطبقي علي وجه التحديد الاتساع الضخم في الفجوة بين الأغنياء والفقراء‏,‏ وبروز آليات اقتصادية تسمح للأغنياء بأن يزدادوا غني‏,‏ وتدفع بالفقراء لكي يزدادوا فقرا‏.‏

وأخطر من ذلك يأتي الزحف الاستهلاكي لكي يدفع بأعضاء الطبقات الفقيرة والمتوسطة لكي ينفقوا ما يفوق طاقتهم في مجالات الاستهلاك الكمالي‏,‏ مما أحدث خللا واضحا في ميزانية الأسر‏.‏ ويكفي أن نعرف أن المصريين ينفقون أكثر من‏16‏ مليار جنيه سنويا علي مكالمات التليفون المحمول‏,‏ الذي أصبح يستخدم للوجاهة الاجتماعية وليس لتلبية الحاجات الضرورية للاتصال‏.‏

هذا مثال بارز علي السفه الاستهلاكي الذي تغذيه الشركات الكبري حتي يعتقد الناس أن الحاجات الكمالية أصبحت حاجات ضرورية‏,‏ وذلك في مجتمع يعجز الآن عن سد الحاجات الضرورية لملايين البشر‏!‏ هذه هي مفارقة العولمة والزحف الاستهلاكي‏!‏

ارسل الصفحة الى صديق العودة الى صفحة المرصد للاتصال بنا اطبع هذه الصفحة