عيد ميلاد مظلم في فلسطين العدد 99 / 2008 - 01 - 01

 

للدكتور الياس عاقلة

 

بينما كنت أسير في ضواحي مدينة "لوس أنجيلوس" أشاهد الأضواء البراقة التي تزين البيوت والأشجار احتفالاً بعيد ميلاد المعلم يسوع المسيح لم أستطع إلا أن أتساءل عن كيفية احتفال مسيحيي فلسطين بهذا العيد، هذا إذا كان باستطاعتهم الاحتفال بأي عيد بعد.

 

اتصلت بشقيق زوجتي، وهو قسيس في مدينة بيت لحم، أسأله عن احتفالات عيد الميلاد في مدينة ميلاد يسوع المسيح. فأجابني: "إنه أقتم عيد ميلاد مرت به المدينة"، شارحاً أن مسيحي فلسطين قد فقدوا الطاقة الروحية للاحتفال، فكل بيتٍ يعاني من مأساةٍ سببها الاحتلال الإسرائيلي والحصار الإقتصادي والمالي الذي فرضته السياسة الصهيوأميركية. فهذا بيتٌ قد فقد طفله الصغير الذي اغتالته رصاصات قناصٍ إسرائيلي. أما البيت المجاور فقد داهمه الجنود الإسرائيليون في أولى ساعات الصباح واختطفوا أخوين من أسرتهم لا يعلم أهلهم للآن في أي سجنٍ إسرائيلي يقبعون ويعانون من شتى أنواع التعذيب. وفي البيت الثالث تقطن عائلةٌ قد فصلها جدار العزل السجان عن حقل أشجار الزيتون الذي كان مصدراً رئيسياً لرزقهم. أما أفراد العائلة المجاورة فإنهم يعيشون على رزمة الطعام الصغيرة التي تقدمها لهم جمعيات الإحسان بعد أن فقد رب العائلة عمله منذ سنتين. أما أصحاب الأعمال الصغيرة والمحلات التجارية فلا يجنون أية أرباح بسبب توقف حركة التجارة بعد أن أحاط الجدار العازل مدينة بيت لحم وفصلها هي وسكانها عن بقية المدن الفلسطينية وعن اخوتهم الفلسطينيين.

 

عدا عن أضواء ساحة كنيسة المهد فإن الظلام يخيم عل جميع مدينة بيت لحم، فسكانها ينامون باكراً في بداية الليل في محاولة لتوفير المصاريف الكهربائية. أما ساحة كنيسة المهد فتحرص سلطة الرئيس عباس على إضاءتها ليوهموا بقية العالم أن الفلسطينيين لا يزالون يحتفلون بعيد الميلاد.

 

لا أزال أتذكر احتفالات عيد الميلاد في الماضي عندما كنت لا أزال طفلاً صغيراً. كان الشارع الرئيسي الواصل سوق مدينة بيت لحم الرئيسي بساحة كنيسة المهد مزيناً بأضواء العيد ويعج بالناس وبالباعة طوال ساعات النهار والليل. أما الآن فالشارع مظلمٌ وفارغ لا تقابل فيه أحداً غير أفراد الحرس الرئاسي الكثيرين الذين جاءوا ليحرسوا الرئيس الفلسطيني عباس وموكبه السياسي أثناء حضروهم قداس منتصف الليل. كما تم دعوة بعض الشخصيات الهامة التي يمثل ظهورها على شاشة التلفزيون انطباعاً جيداً.

 

لم يُسمح لمسيحيي مدن الضفة الغربية (القدس، رام الله، بيت حنينا وغيرها) الحضور الى بيت لحم للصلاة وللاحتفال بعيد الميلاد. ولم يُسمح لمسيحيي المدن الفلسطينية التي احتلت عام 1948 (الناصرة، حيفا، يافا، المجدل، طبريا وغيرها) الحضور الى بيت لحم للصلاة وللاحتفال بعيد الميلاد. وكذلك لم يُسمح لمسيحي قطاع غزة الحضور الى بيت لحم للصلاة وللاحتفال بعيد الميلاد. فقد وقف في طريق هؤلاء المسيحيين الفلسطينيين كلٌ من الحكومة الإسرائيلية، و 500 نقطة تفتيش عسكرية إسرائيلية تقطع الطرق ما بين المدن الفلسطينية، وجنودٌ إسرائيليون مدججون بالسلاح، والجدار العازل حول مدينة بيت لحم.

 

بسبب نشر وسائل الإعلام المتحيزة معلوماتٍ خاطئة يعتقد الكثير من مسيحي العالم الغربي وخاصة مسيحيي الولايات الأميركية أن سكان فلسطين (أو البلاد المقدسة كما يحلو لهم أن يلقبونها) هم مسلمون فقط. ويغيب عن أذهانهم أن فلسطين هي مكان ميلاد المعلم يسوع المسيح والمنبع الرئيسي لانتشار المسيحية الى بقية العالم. ولذلك فمن النتائج الطبيعية لذلك أن يسكنها عربٌ فلسطينيون مسيحيون. ومن الطريف أن يندهش كثير من رفاقي في العمل الأميركيين عندما يعلمون أنني عربي فلسطيني مسيحي، إذ تحاول إسرائيل والمحافل الصهيونية عن طرق وسائل الإعلام الغربية المتحيزة تهميش الوجود المسيحي في فلسطين خاصة وفي الدول العربية عامة، كما يحاولون إقناع العالم الغربي بوجود إسرائيل يهودية قبل مسيحية تحاول الدفاع عن هبة الله لهم (أرض الله الموعودة) ضد بحر من مسلمين إرهابيين من أجل اكتساب عطف وتمويل اليمين المسيحي الغربي.

 

يخشى الإسرائيليون أن يعطل وجود المسيحيين الفلسطينيين مشروع تطهيرهم العرقي للفلسطينيين،  ولهذا السبب يحاولون طرد المسيحيين بطرق خفية حيث يعاني مسيحيوا فلسطين من أقسى أنواع الاضطهاد الصهيوني لطردهم من مدنهم الفلسطينية وخاصة من مدينة القدس، إذ يُعرض عليهم مبالغ طائلة من أجل بيع بيوتهم وممتلكاتهم لإطرافٍ إسرائيلية. كما يقوم موظفو الضرائب الإسرائيليون برفقة جنودٍ مسلحين بعمليات دهم روتينية لمتاجر المسيحيين في القدس ولأماكن أعمالهم، ويقومون بفرض ضرائب باهظة تعجيزية عليهم على أمل أن يعجز صاحب العمل عن دفعها فتقوم الحكومة الإسرائيلية بإقفال هذه المحلات وبمصادرة محتوياتها ثم بيعها في مزادات علنية لمستثمرين صهيونيين. كما قام عددٌ من المتطرفين الصهيونيين باحتلال وبالإقامة في ممتلكات وبيوت بعض المسيحيين في مدينة القدس مدعين شراء هذه الممتلكات وحاملين وثائق بيع مزورة. وهناك عمليات ترحيل الأجيال الجديدة  من المسيحيين عن طريق عرض حق اللجوء السياسي لهم وتسهيل عمليات السفر الى بلدان أوروبية والى كندا.  

 

ويظهر اضطهاد مسيحي القدس بوضوح عن طريق اختلاس الحكومة الإسرائيلية لأراض تابعة لكنيسة الروم الأورذكس ومحاولة ابتزاز مطران الروم الجديد بعدم الاعتراف به رسمياً إلا بعد التنازل عى القضية التي رفعتها الكنيسة ضد الحكومة الإسرائيلية.  

 

لقد جاء المعلم يسوع المسيح الى فلسطين ليعلم ولينشر ثقافة السلام على الأرض، بينما جاء من لقبوا أنفسهم بشعب الله المختار الى فلسطين مصطحبين جميع أنواع الأسلحة لينشروا الحرب والإرهاب والدمار.

 

 لقد علمنا المعلم يسوع وبقية الأنبياء أن نحب بعضنا بعضاَ، أما الإسرائيليون فأنهم يدسون كراهية جميع الآخرين "جوييم" في الحليب الذي يرضعه أطفالهم، ويثيرون الكراهية بين الأخوة وبين أقليات وشعوب العالم العربي.

 

 علمنا المعلم يسوع وكذلك الوصايا العشر أن لا نقتل، ورغم ذلك يستمتع القناصة الإسرائيليون باصطياد أطفال فلسطين وبإطلاق النار على رؤوسهم وأطرافهم العليا، بينما يقوم الجيش الإسرائيلي بقصف المدن الفلسطينية مدمراً بيوتهم وقاتلاً نساءهم وأطفالهم.

 

 علمنا المعلم يسوع أن لا نشتهي ولا نسرق ممتلكات الآخرين، بينما قام الإسرائيليون بسرقة فلسطين كاملةً من أصحابها الشرعيين وبسرقة بيوتهم وحقولهم وحتى أرواحهم.

 

 لقد علمنا المعلم يسوع قائلاً "إذا كان لديك قميصان فاعط أخيك أحدهما" بينما نجد إسرائيل تخصص مليارات دولارات الضرائب الأميركية لجهودهم التوسعية العسكرية لقتل المزيد من الفلسطينيين ولسرقة المزيد من أراضيهم ولإقامة المزيد من المستعمرات ليقطنها متطرفون صهيونيون.

 

أيها المعلم يسوع، بينما يحتفل العالم كله بعيد ميلادك بالأضواء وبالترانيم، قام الاحتلال الإسرائيلي بتخريس الترانيم وبتعتيم الأضواء في مسقط رأسك فلسطين.

 

ارسل الصفحة الى صديق العودة الى صفحة المرصد للاتصال بنا اطبع هذه الصفحة