زيارة بوش للمنطفة : ستضع اللمسات الاخيرة لتشكيل خريطة الشرق الاوسط الكبير العدد 99 / 2008 - 01 - 01

 

ابراهيم الداقوقي

 

سألني الشاعر والاعلامي الاردني عادل محمود ، رئيس تحرير صفحة ( حارات الكترونية ) في جريدة العرب اليوم الغراء ، عن رأيي حول موضوعة (جولة بوش للشرق الاوسط ..اغلاق ملفات أم اشعال نيران؟! فاجبته بما يلي :
ان اغتيال الزعيمة فريدة ( بي نظير ) بوتو ، من قبل الاطراف التي يهمها خلط الاوراق في المنطقة - رغم تناقض سياساتها الظاهرية - هو تكريس للهيمنة واشنطن واعوانها على المنطقة . ولذلك فقد اصبح الحادث ،  مفتاح نشر نظرية  ( الفوضى الخلاقة ) في الباكستان التي ذهبت بوتو ضحية لها ، من اجل خلق الاضطرابات الطائفية أو المناطقية أو/ و الحزبية فيها ، لضرب وحدة باكستان الجغرافية والمذهبية والاجتماعية التي تفرضها ( الفوضى الخلاقة ) لكي تقوم قوات الحلف الاطلسي بالتدخل في الباكستان - من خلال افغانستان - بحجة السيطرة على المنشآت النووية الباكستانية ، خوفا من استخدامها من قبل الارهابيين . وهي مثل حجة امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل ، وقيام القوات الحليفة بقيادة واشنطن بالتدخل في العراق ، اعتمادا على نبوءة الرئيس بوش الخرافية " من ان الرب قد حمـّله مسؤولية تغيير العالم ونشر الديموقراطية في الشرق الاوسط الكبير "  لفتح الفضاء الجيوسياسي - الإستراتيجي في مركز المنطقة ( باكستان ) لكي تحتضن بذراعيها مناطق البترول والغاز للهيمنة على الطاقة والتي هي سر بقاء  واستمرار الامبراطورية الامريكية واعوانها من الانكليكانية الصهيونية ، التي تعارضها الفاتيكان( ينظر مقالنا : غزو واشنطن للعراق ـ بداية نهوض الامبراطورية الامريكية وسقوطها ، مجلة الغد - العدد الاول - فيينا ، مايو / ايار 2003 ) ولكي تمد واشنطن ذراعها الشمالى من خلال  الهند صعودا الى آسيا الوسطى - لكي تحادد روسيا والصين -  ونزولا الى ايران  - التي كان اغتيال بوتو من مصلحتها ايضالكي تصبح الايديولوجية السياسية المسيطرة في المنطقة بعد تدمير باكستان مثل العراق - ثم الى الخليج العربي فصعودا الى سوريا - اذا تم فصل سياستها عن ايران او الاحتواء او المراضاة - فلبنان ، وصولا الى اسرائيل  . ومن جهة اخرى لتمد واشنطن ذراعها الجنوبي من دياغو غارسيا الى البحر العربي والصعود شمالا عن طريق البحر الاحمر - بشاطئيه - وصولا للصومال وصعودا نحو السودان ومصر واسرائيل ، لتلتقي الذراعان الفولاذيان في تل ابيب العاصمة لكي تفرض اوامرها، وتحرس مصالح الامبراطورية الامريكية في هذه المنطقة الحيوية من العالم . فتصبح القضية - عند ذاك - مرعبة جدا لايران وسوريا وحزب الله في لبنان  ، عندما تكون المنطقة من حدود الصين وافغانستان  والهند مرورا بالخليج والعراق وانتهاءا ببيروت  تحت إمرة ونفوذ المُتشدّدين من المحافظين الجُدد والعسكرتاريا الصهيونية العدوانية ، وإحكام طوقهما على العرب بشدة .
غير ان سوريا وحزب الله - المؤتمر باوامرها مع اوامر ايران في لبنان تساندهما الصين الشعبية وروسيا التي بدأت بالانزعاج من تجاوز واشنطن لحدودها وعقدت مشروع شنغهاي وتنوي الاتحاد مع بيلوروسيا وهو ما يرعب واشنطن- يقفان ضد المخطط الامريكي ، ومعهما كل الجماهير العربية التي ترفض الهيمنة الامريكية - الاسرائيلية على المنطقة ، ضد مشروع اقامة النظام الشرق الاوسط الكبير ، لنهب ثرواتها واستعبادها من خلال العولمة الامبريالية المتوحشة . وقد ساندت قوى التحرر والاشتراكية والشخصيات العلمية الموضوعية ،  المتمثلة ب
المنتدى الاجتماعي العالمي ، حركة الرفض العربي - التي تقودها سوريا - للهيمنة الامريكية  الاسرائيلية على المنطقة . اما طهران فانها تتعامل مع واشنطن بلغة " العين بالعين والسن بالسن " ، بمعنى : اذا لانت واشنطن ... لانت طهران ، واذا تغطرست او اشتدت عدوانيتها ، تمارس طهران اساليب عدوانية اكثر تأثيرا في الخليج والعراق ولبنان . ولذلك فان لعبة الفار والقط الايرانية - الامريكية ، يمكن ان تسفر عن تلاقى المصالح  - في الفرصة السانحة - بسكوت طهران او غضها النظر عن هذا المخطط مقابل اطلاق يدها ، يد ايران ، في المنطقة من العراق الى افغانستان شرقا وسوريا ولبنان غربا ، مع وقف نشاطاتها النووية وتهديداتها لاسرائيل وفك ارتباطاتها السياسية بسوريا ، لكي تضغط واشنطن عليها - اقصد سوريا - للتصالح مع اسرائيل .

الان ثمة دولتان مستقلتان في المنطقة ، هما ايران وسوريا اللتان تلعبان بدقة ومهارة على التناقضات السياسية الغربية ، وتستخدمان حزب الله في لبنان لافشال المخطط الامريكي - الصيوني في الهيمنة والاستغلال والاستعباد ، اضافة الى ان ايران لديها موارد غنية وموقع استراتيجي على شريان النفط الذي يغذي عجلات التقدم الغربي ، باعتبارها جزءا من النظام العالمي الرئيسي للطاقة ولذلك فانها تستطيع ان تتحدى الولايات المتحدة . اما سوريا ، فانها ايضا تتحدى واشنطن - من خلال سياسة خد وعين البراغماتية - اعتمادا على موقعها الاستراتيجي واتفاقياتها الامنية مع ايران ومساندة بعض الدول المعارضة للغطرسة الامريكية -  الصهيونية وبعض الدول العربية ومعظم الجماهير العربية لها ، نظرا لمقت جميعها لسياسة واشنطن الممالئة للصهيونية العدوانية . رغم محاولة الرئيس بوش إظهار حياديته في هذه الزيارة الشرق اوسطية ، بعدم وضع اكليل من الزهور على ضريح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ، وبعدم القاء خطاب في الكنيست الاسرائيلي ، تحسينا لصورة امريكا في المنطقة ، ولاجبار اسرائيل على اصدار اعلان بوقف الاستيطان في الاراضي المحتلة ، مع تحريك سياسي ناشط للمفاوضات - وربما بمشاركة وزراء خارجية قطر ومصر وتركيا ، بعد زيارة الرئيس بوش للسعودية - توطئة لوضع خارطة الطريق على السكة ، إضفاءا للرتوش الاخيرة على مخطط الشرق الاوسط الكبير ، من اجل دمج اسرائيل في المنطقة ، توطئة لاختيارها عضوا في مجلس الامن .

ورغم التحديات الكبرى التي يواجها الرئيس بوش ، داخليا وخارجيا : مساندة 75% من السكان في الولايات المتحدة الامريكية لتحسين العلاقات مع ايران، بدلا من التهديدات ، وفوز الديموقراطيين على الجمهوريين في الانتخابات التكميلية نهاية العام الماضي واحتمالات فوزهم في الانتخابات العامة الامريكية القابلة ، ومحاولة المارد الروسي نفض غبار الإذلال والعزلة بمحاولته العودة الى الساحة الدولية لتلعب دور القطبية الثانية من اجل اعادة التوازن الى السياسة الدولية ، والتقدم الاقتصادي والنمو المظطرد لليبرالة الديموقراطية في الصين الشعبية ....التي تستدعي - جميعا - ان يقوم الرئيس بوش بعمل لتحسين صورة الجمهوريين ، قبل الانتخابات الرئاسية القابلة . فماذا سيعمل بوش ، امام التحدي الايراني ، الذي بدأ من ايام مصدق للاستعمار والاستغلال الغربي ؟ هل ستغزو واشنطن ، ايران لتغرق في مستنقعها الاغمق والاخطر ؟ وهل يحتمل وضعها الامني في الخليج وتداعيات اغتيال بوتو والفوضى الخلاقة التي ضربت الباكستان ، توطئة لسحب واشنطن الى المستنقع الباكستاني الجديد ، الامر الذي صفقت له ايران ، مثل هذا التدخل الجديد في المنطقة ؟ ام انه سيشعل الضوء الاخضر لاسرائيل لضرب مفاعل بوشهر النووي الايراني ، بعد اخذ موافقة السعودية - عند زيارته لها - ومصر على العدوان الاسرائيلي الجديد  ، تحقيقا لنبوءة هرمجديون الانجليكانية الصهيونية ، في عودة السيد المسيح ثانية الى العالم ؟ !!! .

ان الاعتقاد السائد لدى مختلف المعلقين السياسييبن الغربيين ، ان بوش وطهران ستتفقان على القواسم الدنيا السياسية من خلال اطلاق يد ايران في المنطقة ،  مقابل قيام بوش - في هذه الزيارة - بوضع اللمسات الاخيرة لتشكيل خريطة الشرق الاوسط الكبير ، من اجل حل النزاع العربي - الاسرائيلي باحراز التقدم في الجبهة الفلسطينية ... لان  ادارة بوش المنكوبة، كما يقول اولئك المحللون الغربيون ، تحتاج لبعض الانتصارات ، وخلال هذه الزيارة بالذات . اللهم الا اذا حدثت  مفاجآت دراماتيكية في المنطقة : مثل اختطاف الارهابيين للعلامة عبد القدير خان ، ابو القنبلة الذرية الباكستانية ، او لجوئه اختياريا ، الى ايران او سوريا او لبنان - حزب الله -  فتنقلب الاوضاع القائمة في المنطقة ، رأسا على عقب وتمهّد الطريق لتحقيق نبوءة بوش الثانية في ( هولوكست نووي) بالمنطقة ، من خلال اندلاع حرب ( هرمجديون ) في الثلث الأخير من هذا العام؟.

ان مأساة العالم العربي ، امام تحديات لعبة الامم الجارية في المنطقة ، تكمن في انفصال قادته عن شعوبهم - نتيجة عدم الثقة المتبادلة بينهما الذي يبث معظمها الاحتكار الاعلامي الغربي - والاستبداد والفساد السياسي والاداري المستشريان فيه ، اضافة الى عدم وجود الأحزاب السياسية المطلبية في المنطقة على النمط الغربي، الممثلة لتقسيمات المجتمع الطبقي، وفق برنامج سياسي يغطي تطلعات الجماهير العربية لتحقيق ادنى المستويات من الحياة الحرة الكريمة والديموقراطية التي تتيح لها تنفس الهواء النقي للعمل والانتاج والابداع . فالى متى - يا سادة يا كرام - تمثلون موقف النعامة من هذه التحديات التي ستقضي على عروشكم ، قبل تدمير شعوبكم والمنطقة ؟ !!! .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مدير مركز الدراسات الاعلامية وتواصل الثقافات - فيينا

ارسل الصفحة الى صديق العودة الى صفحة المرصد للاتصال بنا اطبع هذه الصفحة