| تبكي الأرض... يضحك
زحل"
|
العدد 99 / 2008 - 01 - 01
|
عبد العزيز الفارسي
يفكك الذات/ الهوية العمانية
محمد العباس
في مقدمة كتاب "الرد بالكتابة" يُرجع مؤلفوه (بيل اشكروفت - غاريث
غريفيث - هيلين تيفن) سر الاهتمام بالمكان في الآداب ما بعد الكولونيالية كنتيجة
لوجود أزمة تتعلق بالهوية، مقابل رغبة لتطوير أو استعادة علاقة فعالة بين الذات
والمكان لتحديد الهوية. ويتأتى هذا الإلحاح لترميم الضعف الذي قد يكون لحق بالشعور
السليم والنشط بالذات عبر النزوح من المكان، أو ربما يكون التدمير قد لحق بذلك
الشعور عبر التشويه الثقافي والقمع الواعي أو غير الواعي للشخصية والثقافة
الأصيلتين. ومن هنا جاء التركيز على القرية - مثلاً - التي قد لا تمتلك الكثافة
التي تتميز بها المدينة، ولكن قابليتها للانسراد كموضوع روائي تظل على درجة من
الجاذبية، لدرجة أنها أصبحت من أهم الوسائط المؤهلة لإضاءة الآنات الحاضرة، على
اعتبار أنها ظاهرة وثيقة الارتباط بالذات الإنسانية.
القرية إذاً، ليست مكاناً مفارقاً لعالم المدينة وحسب، ولكنها مساحة مغرية
للتخرصات الروائية، فالجدلية الأنطولوجية القائمة بين الفضاءين المديني والريفي،
تقابلها علاقة شاعرية راسخة بين الروائي والقرية، حيث الحنين إلى الطفولة، والتماس
الغريزي بالذكرى، والتوق إلى المكوّن الشعري الذي يختصر جانباً من سحرية الوجود
كما يستعيده الروائيون بشكل استذكاري في القرية بكل اتساعها لحمولات تأخذ في
الغالب شكل ومعنى الوطن، وهو الأمر الذي يقاربه عبد العزيز الفارسي في روايته
"تبكي الأرض... يضحك زحل" الصادرة حديثاً عن مؤسسة الانتشار العربي، حيث
يستقرئ المديات الممكنة لوطنه من خلال الاحتكام إلى محدودية قريته، كما يتأكد من
صراخ ساردها الأول خالد بخيت الذي أوقظ القرية بهلوسات شاعره الزحلي "في
النفس . قريتي والقطب المتجمد الجليدي وجهان لنفس الوطن".
على نبرة النعي تلك يواصل رثائيته لذاته/ قريته "وحيداً كنت يا وطني..
وأنت معي، تسافر فيّ.. تسكنني". على اعتبار أنه الذات الأكثر وعياً بالزمن من
بين شخصيات الرواية، الأمر الذي يجعله بتحليل بويون، عرضة للمشاعر المقلقة،
والإحساس الدائم بالفراغ وعدم القدرة على الاكتمال، حيث يتموضع على الدوام في مدار
متمرد وساخط نتيجة تحميله القرية وناسها جريرة سلب حقه في الامتلاء الوجودي، وهكذا
يجعل من القرية عنصراً حكائياً في المقام الأول، برسم المحسوس من علاماتها
ومعالمها المادية، وحملها على فضاء دلالي تؤسسه المشاعر والأحداث والشخصيات، بما
هي مكان واقعي يموج بالحركة ويتسع للرغبة في التغيير، ولكنه لا يخلو من طبيعة
مجازية باعتبارها شكلاً من أشكال الامتداد المادي والروحي للإنسان، وعليه حاول
توظيفها كقناع لتفكيك مفهوم ومعنى وواقع الوطن، وهذا هو الجانب الأهم من دلالة الرواية
عند التحليل كفضاء روائي.
إذاً، هي خميرة روايته، أو هي الفضاء الحيوي الذي يمد السرد بنفحة عاطفية
ولكنها مقرونة بسطوة قدرية، فالقرية كما سردها، ليست فضاء انتقال وتحول، بل هي
مقام ثبات وإقامة، أشبه ما تكون بالسجن القامع لتطلعات الشخصيات/الناس، حيث
المراوحة الدورانية بين ( المسجد - مجلس المحيان بن خلف - الوادي - السوق ) لدرجة
تبدو معها أنها عالم إقامة إجباري تستحيل مغادرته أو زحزحة صرامة بناه، الأمر الذي
يولد الإحساس عند الشخوص بالعجز وافتقاد الحرية، وهو ما يفسر أيضاً حدة الصرخة
المبطنة بنداء أنثوي، التي أطلقتها عايدة في وجه خديم السيل لإغرائه على الهرب
معها "لا أريد البقاء يوماً واحداً في هذه القرية سأرحل عنها برفقتك ... بلاد
الله واسعة. لماذا تتخيل أنه لا توجد حياة إلا في هذه القرية " وإن كان هذا
الأسر الفني، المتمثل في حبس الشخصيات داخل ذلك الحيز الضيق قد أتاح له فرصة
التعمق في الحياة الداخلية لها ورسم معالمها التفصيلية عن قرب.
ويبدو أن تعطل الشعرية المكانية جاء نتيجة لذلك الانحباس، وزيادة جرعة الوصف
الموضوعي للقرية، والتركيز على الضرورات الداخلية التي يخضع لها التنظيم المكاني
لهذا الفضاء، لدرجة أنه بقدر ما شكل ضرورة للسرد، لم يرفد بعناصر زمانية ومكانية،
لتحريره من انغلاقيته، وعليه أصبح عنصراً متحكماً بشكل استئثاري في الوظيفة
الحكائية، كما يتبين من خلال زخّات عباراتية للتغني بغبطة المكان وشعرنته مثل
"الفجر هو أسطورة هذه القرية". ولكن مقابل تلك الشعرية السردية تطل حالة
من حالات تلفيظ الوطن كقوله "آه يا ذاكرتي العزيزة، يا وطني المزروع عينين
داخل الروح. يا أجمل القصائد".
وربما طغت تلك اللغة المحقونة بمزيج من نبرات النعي والرفض والتودد، لأن
الرواية مكتوبة أصلاً عن أرض رجراجة، ومن خلال ذات ثقافية ممزقة، ونازحة نفسياً عن
المكان أو ساخطة على مظهر من مظاهره، وتعاني في عمقها الروحي من الانفصام قبالة متوالية
( الأرض/ القرية/ الوطن ) فمنذ أول سطور الرواية يقول ابن السليمي "سيأمر
الله أحد ملائكته يوم القيامة وسيأخذ هذه القرية بمن فيها ويلقي بها مباشرة في
النار" كما يؤكد ذلك المصير البائس المحيان بن خلف بعبارته "لا وجود لأي
حقيقة على تراب هذه القرية". أو من خلال عبارة الشاعر الزحلي "رويدك يا
قرية العجائب. يا بنت جهنم".
(2)
هكذا يجهد من خلال
ذوات محمولة على اللغة رسم ملامح القرية الروحية والمادية من عمران، وملبوسات،
وطقوس، وعادات بكل ما فيها من بساطة وتدافع، فهي كفضاء روائي لا تنوجد إلا من خلال
اللغة، إي من خلال طبيعة الألفاظ، ومدلول المفردات، ودال الحوارات، وبالتالي فهي
موضوع أسسه عبد العزيز الفارسي كمحل للتفكير، بكل ما يتضمنه من مشاعر وأحاسيس
واستيهامات، بدون انئسار لما يسميه جان جاك روسو عفة ريفية، فشعرية السرد مقموعة
بسطوة الموضوع، وحرارة السجالات، حتى عرض فضاء القرية بهذا الشكل السردي المؤسس
على وجهات نظر متقطعة ومتباينة، المتناوب عليه بجملة من الساردين يشير إلى دلالة
التفكك، وكأنه يحاول التأريخ لما يمكن أن يندثر، ولكن دون موضعتها على إيقاع زفرات
الحنين، أو هجاء المدينة الجارفة.
وكروائي هدمي بنائي، يضع في أولوياته تدمير متوالية النقاء والطهورية التي
غالباً ما تختزنها القرية كمقومات اعتباطية، من خلال شخصية المرأة التي تستدعى
عادة في مثل هذه السرود كمعادل موضوعي وجمالي لجماليات القرية الملعونة بالاتكاء
على "فريدة" التي هام بها بخيت زاهر بخيت وابنتها "عايدة"
التي تولّه بها خالد بخيت قبل أن يكتشف أنها أخته نتيجة تواطؤ كل القرية على طمر
حقيقة علاقة والده بأمها، بعد أن زوّجها زاهر بخيت من "أحمد" المعدم
السكير ليبعدها عن ابنه، وها هو يحاول أن يكرر الخديعة مرة أخرى ليبعد حفيده عن
عايدة بتوريطها في علاقة مع علم الدين الذي استجلبه من بلاد البنغال لهذا الغرض
بذريعة حاجة القرية إلى إمام يخلف الإمام راشد.
كل تلك الإشارات مهمتها التقويض والفضح، وتدل على أن منظومة قيم القرية
مؤسسة أصلاً على النفاق والتكاذب، وهو الأمر الذي دفع عايدة إلى الهرب مع خديم ولد
السيل، الذي أخذ اسمه من ظاهرة طبيعية ولم تهبه القبيلة نسبها، حيث خاطبته بدلال
أنثوي لا يقاوم، في لحظة من لحظات الانعتاق "لأنك الرجل الحقيقي الوحيد هنا.
كلهم مزيفون ومهجنّون. أنت الوحيد الذي لا ينتمي في أصله لهذه القرية ويختلف عنهم
وعن كل نفاقهم. كل أهل القرية تشبعوا بالنفاق والغدر والخيانة. لقد ورثوا الزيف
والأعراف البائسة. أنت لست منهم. أنت ابن الطبيعة والذي لا يعرف الخيانة، ولا يمكن
أن يشترك في مؤامرة كبرى ضد إنسان أعزل". وهكذا قررت بنت الخطيئة، واللا
منتمي إلى القرية الفرار قبل أن يتمكن منهما رجال القرية ويرديانهما في الوادي.
ولأنه أميل إلى التأكيد على قيم التدافع والتزاحم والتبدل عوضاً عن تقديم
سجل وثائقي سكوني أو متحفي للمكان، أكد على ضرورة أن يفرض الصراع طبيعته على
الرواية، حيث تختزن طبوغرافيتها عناوين التجابه بين الحداثة والقدامة، وانفصام
الشخوص بين زمنين يعبرانها، بعد أن صارت القرية على حافة التبدل بفعل القيم
العاطفية والمعرفية والجمالية الجديدة التي يعتنقها بعض من تمكنوا من رؤية ما وراء
سورها، وعليه حاولوا تمرير جانباً من تلك المكتسبات للآخرين، الأمر الذي يوّلد
الصراعات أو يهيئ الفرصة لصعودها من تحت الرماد، فالمعرفة، حسب التصور الفوكوي، لا
تجد فرصتها في حيز التغيير إلا بوجود سلطة أو فكرة مضادة يختلف على تداعياتها.
القرية التي وجدها الناس وعاشوها كهبة ربانية، كما أحسّها ولد السليمي
ونعاها بعبارة ذات دلالة "سبحانك اللهم وهبت هذه القرية خير ما في الطبيعة
وحرمتها خيار الناس" تتعرض إلى عبث بعض البشر المجبولين على التناحر والإفساد
المنظم، والمسكونين بشر أنطولوجي، الذين يريدون أخذها من سلطة المركز المتوافق على
القهر والتمايز، إلى فوضى التعدد وحق التشارك، كما حشّدهم في حلقة التآمر التي تضم
سهيل (الجمرة الخبيثة) وسعيد الضبعة وولد شمشوم وحمدان تجريب وأبو عايدة، حيث يفضح
تحالفهم أكذوبة خلو القرية من التباين الاجتماعي، أو قابلية سكان القرية للتعاطي
المرن مع حقيقة التمايز الطبقي.
في المقابل تبدو عفة القرية المنغلقة على ذاتها، والفارضة سلطة الانغلاق على
ناسها، عرضة لحداثة مرفوضة اجتماعيا. وقد اختصر هذا العناد سعيد الضبعة كرد على
محاولات خالد بخيت التحديثية بقوله "التطور يذهب المحبة بيننا ويجعلنا كأبناء
المدن لا نريده" أو هكذا يجسد دراما الوجود الإنساني، بالمعنى الأرسطي، الذي
لا يتحقق إلا بتجابه الشخصيات في مكان استثنائي ذي طبيعة جغرافية واجتماعية، يكشف
عن حقيقة التضاد والانسجام بين الطبيعة الأنثروبولوجية للقرية مقابل مزاج وطبائع
الشخصيات، فالقرية كفضاء روائي مشيد بوعي عبد العزيز الفارسي، نشأ كما يبدو كنتيجة
لتعدد وتباين وجهات النظر، التي تلعب دوراً مركزياً في تشكيل خطابه الروائي، وإقامة
الصلات والروابط بين مختلف الأجزاء والمظاهر التي تتضمنها الرواية.