| الماركسية كتاب مفتوح ضد الممانعة
|
العدد 99 / 2008 - 01 - 01
|
عجيب أمر الفرع
«العلماني» من كشافة الممانعة. عنينا به الفرع الذي ما عاد يتميز عن الفرع الجدي
أو الأصولي للممانعة، الا من حيث ايثاره معاقرة الخمرة أو التميّز في الزيّ أو
اعتماد معايير مقلوبة للحلال والحرام في «الحياة الشخصية». وربما كان الصياح
الكلامي المتزايد للفرع «العلماني» من كشافة الممانعة من قبيل «الكفارة» التي
يؤدّيها رفعاً للحرج. صحيح أن غاية هذه «الكفارة» تلميع صورة الفرع «الغيبي» من
دائرة الممانعة، الا أن مؤدى «الكفارة» نفسه يبيّن أن الفرع «العلماني» من هذه
الدائرة هو أحوج ما يكون الى تلميع صورته هو. ولأجل ذلك لن يكفي التمايز الطيفي
لهذا الفرع عن شقيقه الأصولي الأكبر، الذي بالكاد يعترف به، لأن هذا التمايز
الطيفي يساق إما من فرط الضجر وإما على سبيل تقديم النصح للشقيق الأصولي الأكبر
الذي لا ينتظر نصحاً الا من السماء، وإما لأجل طلب الاحتضان واستدرار العاطفة
وربما الشفاعة، في هذه الدار وفي الآخرة.
يتشدّق هذا الرهط
«العلماني» من الممانعة بجمل يساروية يراد منها تصوير الحركات الجهادية على أنها
حركات تحرّر وطني متمّمة لشروطها، أو تصوير الرفض البدائي لاقتصادات السوق وثقافة
السوق الاستهلاكية على أنه شكل من أشكال النضال الطبقي التقدّمي.
كل ذلك يقدم عليه هذا
الرهط بسبب من قلّة حظّه في قراءة موزونة وسياقية للتراث الماركسي. فأوّل ما يحاول
قراءة هذا التراث يأنف من طابعه «المركزي الأوروبي»، وإذ يتابع القراءة فعلى أساس
التبرؤ من هذا الطابع، وقد فاته أن هذه «المركزية الأوروبية» هي مركز الثقل في
الفكر الماركسي، لا سقطة أقدم عليها رواد هذا الفكر الكلاسيكيون نظراً لجهلهم
بالحضارات الأخرى. وبالاستطراد هنا يمكن الملاحظة أن أغلب ناقدي الاستشراق الغربي،
بصرف النظر عن تفاوتهم في هذا الأمر، هم أقل دراية بالمستشرقين الغربيين أنفسهم،
بأسس ومزايا الثقافات التي من خارج القيد الغربي.
لم يشيّد التراث الماركسي
عمارته على أساس التخلي عن الحداثة الغربية، أو لأجل تخلي هذه الحداثة عن قبلتها
الغربية. انه تراث بني لأجل أن يصير الغرب هو كل العالم، بدلاً من أن يصير اقليماً
يخضع له العالم الآخر. لكنه لأجل ذلك، تراث تنبه منذ البدء لضرورة الجمع بين
محاربة ما يتهدّد هذه الحداثة من داخلها، وما يتربّص لها من خارجها. وهو تراث
يستمد مشروعيته من التأليف بين أفضل ما انتجته ألمانيا (الفلسفة المثالية) وفرنسا
(السياسة كمصنع لليوتوبيا) وبريطانيا (الاقتصاد السياسي)، ومن دون أن يكون الباب
مفتوحاً لأي مكوّن رابع، سلافي أو آسيوي. المكونات الأخرى هي للتذوّق الجمالي أو
الأخلاقي وليس للانصهار في البراكسيس التأليفي بين المصادر الألمانية والفرنسية
والانكليزية للحداثة. ان أي اقحام لمكوّن رابع في هذه العمارة سيجلب وابلا من
الشطحات العدمية والصوفية، وضروبا من مشايعة الاستبداد الآسيوي.
بهذا المعنى، تكون
الماركسية رأس حربة للحداثة الغربية ضد كل همجية من الداخل أو الخارج، ولأجل ذلك
فقط كان بالامكان التعويل على انتشار الماركسية خارج الدائرة الغربية. وهنا يمكن
لحظ الفارق بين اسهامين. ثمة من جهة، الاسهام الروسي في اغناء التراث الماركسي
الكلاسيكي مع بليخانوف ولوناتشارسكي ولينين (خصوصاً لينين الشاب في كتابيه «تطور
الرأسمالية في روسيا» و«من هم أصدقاء الشعب»، اذ يقدم فيهما دليل شرح وعمل لعملية
نقض مدرسة الممانعة الشعبوية عندنا). هذا الاسهام وضع نفسه تحت سقف «المصادر
المكونة الثلاثة» الغربية المحض، والحصرية. أسس عليها، من دون زغل بزيادة مصدر
ثالث، من نوع «المسيحانية الروحية» السلافية. ثمة من جهة أخرى، اسهامات آسيا
وأميركا اللاتينية التي يمكن القول الآن في نظرة اجمالية إنها كانت في نهاية الأمر
بلا فائدة جمّة، خصوصاً حين حاولت أن تقحم مصدرا رابعاً، كونفوشياً أو يهومسيحياً
أو اسلامياً.
ليس يعني ذلك أن
الماركسية تبقى نظاماً مقفلاً. لكن فتحاتها الثلاث تجد ضالتها في مصادرها المكوّنة
الثلاثة. فبالاحالة الى المثالية الألمانية واليوتوبيا الفرنسية والاقتصاد السياسي
البريطاني، يمكن للماركسية أن تتفاعل دون تخليط أو تدليس مع الأضلع الفكرية الأخرى
في الحداثة الغربية، لا سيما مع الفكر الليبرالي، خصوصاً أن في هذا التفاعل ضمانة
للتراث الماركسي بأن لا ينسى «المركزية الأوروبية» وهو يتمدّد بعيداً عن القارة
الأم للحداثة، وبأن لا ينساق وراء مواقع الاستبداد الشرقية.
الماركسية هي المركزية
الأوروبية بكل ما للكلمة من معنى. الى حد كبير يمكن مقارنة ما قام به ماركس وانجلز
وكاوتسكي من توحيد بين مكونات أوروبية قارية وأخرى انغلوساكسونية، بما هو مطروح
على جدول الفلسفة منذ عقود، من تأليف بين تقليدي «الفلسفة القارية»، المشغولة
بثنائية الفكر والوجود وبين «الفلسفة التحليلية» الانغلوساكسونية، المشغولة
بثنائية الرمز والمعنى. بل ندّعي أنه يمكن التأسيس على هكذا تشبيه لاعادة قراءة
الفكر الماركسي بشكل عصري، مع الحفاظ على كلاسيته، التي ان تسقط سقط، شكلاً
ومضموناً، وأضحى عملة سائبة لأولئك الممانعين، الذين يردّدون في النهاية أفكار
الأصوليين، من أن الغرب أفلــس وحضـارته استهلاكية وجيوشه جبانة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق - 1: عمرو عبد الرحمن
|
|
الزميل
العزيز حسام والزملاء
شكرا على مناقشتك الواعية لأفكار المقال. سأحاول سريعا-وباختزال شديد
فى الحقيقة على أمل أن تتاح لى فرصة أخرىلنقاش معمق- أن أحدد نقاط الإتفاق مع وجهة
النظرالمذكورة فى المقال ونقاط التمايز أو القصور إن صح التعبير فى هذا
الطرح.
وسام سعادة لايدافع عن الغرب كموقع جغرافى فى هذا
المقال
ولا يخلط بين اليمين واليسار لمجرد صدورهم من منبع فكرى واحد. مايدافع
عنه "سعادة" بلغة متطرفة هو محورية الحداثة داخل البناء النظرى للنقد
الماركسى الهادف
لتجاوز الرأسمالية. الحداثة بمعناها الفلسفى من حيث هى نظام للمعنى
يدور حول مركز واحد وتتفرع عنه حجج وأطروحات ونظريات تصب فى مجملها
باتجاه تشكيل رؤية لحركة التاريخ وغايته. قد يختلف المركز من نسق
فكرى
لآخر ولكن بنية خطاب الحداثة الفلسفى واحدة.
والماركسية بالتالى هى إحدى تجليات الحداثة التى تسعى لتجاوز
نمط الإنتاج الراسمالى وفقا لنظام معنى خاص بها.
ما يحاجج به وسام سعادة هو بالظبط ماذكره الزميل حسام من ان الشيوعية هى سعى
لتجاوز الرأسمالية من داخلها. تحت هذا الشعار العام يتبلور الموقفان
الشهيران داخل التراث الإشتراكى وهو الموقف الذى يدعى باستحالة القفز للإشتراكية بدون
المرور بمرحلة نمو رأسمالى ناجز والآخر القائل بإمكانية الإنتقال المباشر
للإشتراكية إذ أن
علاقات الإنتاج الرأسمالية على الصعيد العالمى قد استنفذت
إمكانياتها التاريخية وهو مايعنى أن الطبقة العاملة وحلفائها هم وحدهم القادرين
على التصدى لمهمات
التنمية وبناء الإشتراكية فى آن واحد.
كلا الموقفين كما ترى ينطلقان من تأويلات مختلفة لطبيعة النمو الرأسمالى
وأشكال كل من الهيمنة الطبقية والصراع الطبقى فى ظرف تاريخى محدد. هى
تأويلات لم تشذ عن حدود البنية الماركسية الحداثية حتى لو تناقضت أو
تحاربت.وهذه
المواقف لاتعبر عن مركزية أوروبية أو غيره إذ أن نفس الجدل قد عرفته
حركات التحر الوطنى جميعها والتى كان عليها الإختيار مابين إحدى
الطريقين فى سبيل إنجازمهمات بناء الحداثة. اللغة السجالية وحدها هنا هى التى دفعت سعادة إلى إقران
الماركسية بالمركزية الأوروبية.
ولكن المشكلة أن نقد الملمح الحداثى
للماركسية عادة
مايتم تحت شعار السعى لتخليص الماركسية من مركزيتها الأوروبية. مجرد
رفع الشعار السابق فى أوساط فكرية وسياسية همهاالرئيسى إنجاز مهمات
التحرر الوطنى ومواجهة الهجمات الإمبريالية المتكررة على المنطقة
كفيل بأن تحوز
هذه الإنتقادات الإعجاب. ولكنها فى الحقيقة
محاولة
لتقويض أكثر الجوانب الملهمة فى الفكر الماركسى وهو ملمحه الحداثى القادر
على توليد رؤية كلية للعالم والتغيير. نزع الطابع الحداثى عن الماركسية
يحولها إلى
نصوص مبعثرة نتصارع على تفسيرها وكأنه لاينظمها أى منطق.
المنطق الناظم وفقالهذه الرؤية هنا أوروبى، كولونيالى، ملعون من حيث هومنطقا حداثيا.
تأتى هذه الإنتقادات عادة من جهتين (أعلم أن الإختزال هنا نخل): اتجاه
مابعد حداثى وآخر هوياتى. لكن أركز على الإتجاه الأول لضعف صلته بالموضوع.
مايعنيناهوالإتجاه
الثانى الذائع الصيت فى عالمنا العربى والمنتشر كالموضة.
يدعى هذا التيار بأن هناك إمكانية لتجاوز الرأسمالية بمشروع فكرى
وسياسى غير صادر عن الأدب النظرى الماركسى الموصوم بالمركزية الأوروبية. وفقا لهذا
الرأى يصبح من
المستحيل أن يتم تجاوز الرأسمالية عن طريق التوسل بأيديولوجية
تشاركها نفس منطلقاتها الفكرية((المادية أو (العلمانية
الشاملة
وعبد الوهاب المسيرى بالطبع من مشاهير القائلين بهذه الفرضية.
المشكلة هنا فى هذا الطرح أن مواجهة نمط الإنتاج الرأسمالى
المتعين فى مؤسسات وأفكار وبنى إجتماعية يحال إلى مجال الرمز أوالمعنى أو التمثيل. أى أن
معركة تجاوز
القيم الرأسمالية المادية المبتذلة- وهى أوصاف سأرجع لها فيما بعد- تتحول
إلى معركة وجودية الطابع داخل الذهن كما لو أن هذه الأفكار والرؤى تكسب
هيمنتها بالإقناع المجرد أو بمحض فعل التدليس الأيديولوجى. من هنا
نفهم تركيز
المسيرى الواصل لحد الهوس على الإعلام والسينما والموضة بوصفها مجالات
إنتاج الهيمنة الرأسمالية ويهمل المدرسة والمصنع والسوق والدولة والقانون
والأحزاب. وبتركيزه
المبتسر هذا على مجالات إنتاج المعنى يقفز إلى أن الرأسمالية هنا
انحطت إلى نزعة مادية ناتجة عن العلمانية الشاملة أى فصل الإنسان عن أى قيم
كبرى.
ولكن تأمل عمل باقى الأبنية التى تشكل مجتمعاتنا الراسمالية
المعاصرة يشير سريعا إلى أن الرأسمالية لم تعمل يوما وفقا لمنطق واحد أو قالب
يعاد إنتاجه على
مستوى المعانى المجردة. المدارس والمحاكم مثلا
أنتجت
نزعات انضباطية كفؤة سهلت الطريق لاستعادة الرأسمالية بريقها وحياتها
مع بداية القرن العشرين. وهذه النزعة الإنضباطية نفسها فى
مجالاتها الإبداعية كانت تنفر من الجشع الطفيلى وتشجع قيم العمل والإنتاج. فى
الحقيقة
كانت تعمل النزعة الإنضباطية تلك على إعادة إنتاج- والتمويه على-
نظام من السيطروة الطبقية بورجوازى الطابع. والأمر لم يتم هنا عبر
تدليس أو دجل إعلامى مطلق يمارس فى مجال المعنى أو الرمز. بل تم عبر مؤسسات متعينة على أرض الواقع
المادى.
الأهم أن هذه المؤسسات التعليمية المحافظة بجانب
الجيش
والقانون وأشكال الإدارة الحديثة كانت جميعها علمانية الطابع بالمعنى
الصافى للكلمة. وهى مؤسسات علمانية بجلت الأسرة والحب وامتدحتهما
وأعادت المكانة للفن "الرفيع" إن جاز التعبير.
إذن مايدعوه المسيرى
بالعلمانية الشاملة هو مادعته تلك الفلسفات بالنزعة
المادية.
وهنا يطرح علينا المسيرى تسمية محملة
بالانحيازات
المسبقة دونما ذكر سبب وجيه يعضد به رأيه. بل
والأنكى
أنه لايشير ولو من طرف خفى إى أى أدبيات غربية انتقدت هذه المادية
وفندتها. المدهش أن المسيرى أستاذ الأدب الإنجليزى لايكلف خاطره بتعريف القارئ العربى
على الشعر
الإنجليزى فى القرن التاسع عشر المتشبع بالروح المثالية الرومانسية
والمفرط فى علمانيته فى ذات الوقت. كما انه لايعرج إطلاقاً على الثورة الأدبية التى
رافقت الثورة
الفرنسية والتى احتفت فى الرواية والشعر كما فى
الخطابة
علنا بمقولات مثل موت الإله ونهاية الدين ونزع المقدس من الحياة
الإنسانية إلى الأبد. على أنها أحلت هذه المراكز بمراكز جديدة ونظم أخرى للمعنى
متحررة وثورية وملهمة للخيال والإبداع الإنسانى. نزع المركز
الإلهى
من الإبداع إذن لم يكن أبدا قرين الضياع
والتشتت والإمبريالية النفسية على قول المسيرى. ولكنه فى الحقيقة كان
عملا
تحريريا للروح الإنساية بكل معانى الكلمة. أما
النزعة
المادية المتشككة فى قدرة الجنس البشرى على التحرر فظلت فى مرمى نيران
النقد الغربى على طول الخط.
السؤال هو لماذا إذن تكتسب هذه الإنتقادات المثالية للرأسمالية هذا
القدر من الشعبية؟ فرضيتى أن المسيرى وغيره من النقاد الإسلاميين
للرأسمالية يقومان بدور شديد الشبه بما قام به مفكرو البورجوازية المحافظون
الذين
مجدوا الأسرة والمدرسة والإنضباط والكفاءة كسبل
لبناء
إنسان جديد أكثر خضوعا وقبولاً بانظمة القهر الطبقى المستبطنة فى
بنية الرأسمالية. وما إدعاء هذه المدارس- والمسيرى من وراءها- بأنها
فوق الطبقات وأنها تقدم مبادئ أخلاقية عامة تستهدف استعادة الإنسان لمكانته
إلا تمويه
على موقعها الطبقى ذاته.
مايعنينى هنا أنالنزعة المادية الطفيلية كانت
موضوعا
لنقد مثالى ولكن من طبيعة مغايرة للنقد البورجوازى المحافظ. بل فى
الحقيقة أن النقد الماركسى للنزعة المادية داخل الحضارة الغربية
كان أكثر نجاعة وإبداعا وألمعية بكثير ما قدمه دعاة النزعات المحافظة. هل لى
أن أذكركم
بمدرسة فرانكفورت مثلا والتى كانت الأولى فى التنبه لخطورة الفاشية وقتما كان
منظرو البورجوازية
المحافظين يهللون للمعجزة الألمانية التى قام بها
هتلر.
كل مايمكن أن يقوله المسيرى فى نقده لعلمانيته
الشاملة
المزعومة لا يزن واحد على الألف مماكتبه أدورنو أو والتر بنيامين فى نقد
العقل الأداتى البورجوازى. النزعة المادية هنا أحد الخطابات التى
تشتغل داخل نمط الإنتاج الرأسمالى ولكنها ليست بالوحيدة. الخطاب المثالى الإنضباطى نفسه
هو أحد الخطابات الأيديولوجية الكبرى التى تشرعن الرأسمالية عبره
سيطرتها وهو ما انتقدته مدرسة فرانكفورت أيضا وغيرها ببراعة ووضعته على
المحك فى
عدد هائل من المؤلفات.
إذن ساحة بلورة بدائل للرأسمالية توجد فى كل موقع يعاد عبره إنتاج نمط
هيمنتها الطبقية. والممارسة الوحيد التى يمكن أن تقدم بديلاً لعلاقات
الإنتاج الرأسمالى هى الممارسة السياسية لا الممارسة الفكرية
المحضة أو
الدعائية. السياسة من حيث كونها تجميعا وتركيبا لمصالح محددة بدقة فى
شكل مطالب واضحة وشعارات محددة فى مواقف بعينهافى المصنع والنقابة والحى.
وماكينة إنتاج البديل- أو نظام معناه- بالتالى حداثية الطابع ولا يمكن أن تتنازل عن
ملمحها ذاك وإلا ستنحدر إلى هوة العدمية وفقدان الموقف السياسى أو العداء
الغريزى للرأسمالية
الغير مؤسس على أى معايير مثل الهوس الشعبوى
للجمهرة
التى تشكل عصب الحركات الفاشية من ألمانيا النازية إلى حزب الله فى
لبنان.
وعداء الرأسمالية فى هذه الحالات يصدر عن امتعاض
أخلاقى
من أحد تجلياتها فى مستوى المعانى والرموز ويربط بينه وبين أوضاع الإفقار
والبؤس التى تولدها على الأرض فيخرج بمزاوجات من عينة الغرب الإمبريالى
الكافر وهلم جرا.
وهى حركات وإن استبسلت فى النضال ضد الرأسمالية إلا أنها محكومة بحكم
منطقها أن تعود لتنخرط فى عملية تأسيس نظام للهيمنة البورجوازية انضباطى وكفؤ
و"محترم" فى نهاية المطاف.
اتمنى أن يكون الرد واضح. وأتمنى أن أنتهى من الدراسة سريعا كذلك إذ
أنها ستأتى أكثر تفصيلا. ولكن إلى هذا الحين أود أن أذكر بأننا بذلنا
مجهودا ضئيلا جدا فى
محاولة التأصيل النظرى لنضالات اليسار السياسية. بل
إننا
لم نبذل مجهودا على الإطلاق فى تعريف بعضنا البعض على الأدبيات
الماركسية المعاصرة التى تسعى لتقديم تأصيل فلسفى للنضالات الإجتماعية فى عالمنا.
بصراحة أكثر،
العكس تماما هو الحادث. فمثلا، احتلت أدبيات "الحركات الإجتماعية
الجديدة" الخفيفة حجماأكثر من حجمها الطبيعى فى ترجماتنا. بل إن مترجمينا
الأكفاء انكبوا على ترجمة أدبيات مابعد الحداثة- والتى تناصب الماركسية
والتقاليد
الثورية بالمجمل عداءا واضحا- بنهم يثير الدهشة.
العالم ملئ بالفلاسفة الماركسيين وأدبياتهم يمكن أن تلهم رؤانا وتضفى
عليها اتساقا وقواما. سأذكر القائمة التالية على سبيل المثال وليكن ذلك بمثابة دعوة
للزملاء للعكوف
على ترجمة وتقديم والتعليق على أعمال هؤلاء الفلاسفة بدلا من استيراد
المسيرى لينتقد لنا عمل الرأسمالية:
آلان باديو Alan Badiou الفيلسوف الماركسى الفرنسى الذى يحاول بدأب أن يحيى اللينينية ليس
فقط كنظريةفى السياسة ولكن كتقليد فلسفى يقدم إطارا نظريا لفهم العالم. وهو يعمل
على إعادة تعريف
فكرة الثورة فى عالمنا المعاصر. يوجد كم معتبر من النصوص الإنجليزية لهذا
الفيلسوف الفذ يمكن للمتكمنين من الإنجليزية الإطلاع عليها بسهولة
على الموقع المرفق
بنهاية الرسالة. كذلك ممكن أن يساهم اصدقاء مثل سهى أو أحمد رجب أو
سامر سليمان بالترجمة عن الفرتسية.
سلافوى زيزك، Slavoj Zizek فيلسوف سلوفينى ماركسى يعتبر من
أشدالفلاسفة
المدافعين عن المادية الجدلية وأكثرهم حدة
للذهن فى عصرنا. له
أعمال هائلة عن مفهوم السياسة فى المجتمعات البورجوازيةالمعاصرة.
Ernesto Laclau إرنستو لاكلو وهو فيلسوف أرجنتينى يكتب
بالإنجليزية. يلقبه نقاده بالفيلسوف المابعد ماركسى. وهو
بالإشتراك مع رفيقة دربه شانتال موف
Shantal Moffe يكب على محاولة تأسيس نظرية سياسية راديكالية تلائم نضالات عصرنا
بالإعتمادعلى أدبيات الفيلسوف الإيطالى أنطونيو جرامشى. وله كتاب تأسيسى فى
هذا المجال اسمه
الهيمنة والبديل الإشتراكى ينتظر من يترجمه
للعربية دون
جدوى.
جون وجين كوماروف Jean and John
Comaroff وهما فلاسفة أمريكان أنتجا أعمالا مدهشة عن منطق عمل الرأسمالية
المعاصرة. لهما سفر عملاق باسم رأسمالية الألفية الثالثة، تعرفت عليه عرضا
وأنا أنتهى من رسالة
الماجيستير. يمكن بمنتهى الإرتياح أن أقول أن هذا العمل لاغنى عنه لأى
جهد يسعى لتجاوز الرأسمالية فى عصرنا.
بل إن فيلسوفا مثل أليكس كلاينكوس Alex
Calinicoss لم نعرف عنه أكثر من كتاباته الدعائية المباشرة والتى ترجمها الرفاق
فى جماعة الإشتراكين الثوريين. أما أعماله الفكرية المؤسسة فلاتزال مجهولة.
الرابط التالى يحتوى على بعض من المقالات
القصيرة التى
يمكن ترجمتها بسهولة للفلاسفة السابق ذكرهم
http://anselmocarranco.tripod.com/index.html
التصفح السريع لهذه المقالات سيلفت
الإنتباه للتنوع
المدهش ، بل والتناقض، فى مقولات هؤلاء الفلاسفة
والتى
تشكل كلها ثروة معرفية هائلة متاحة لمن يريد الإستزادة.
جميع هؤلاء الفلاسفة أحياء يرزقون وفى منتصف الستينيات من أعمارهم
وتلاميذهم بالعشرات. فهل يمكن أن نفكر فى دعوة أحدهم مثلا لمؤتمر أو ورشة عمل بدلا
من دعوة كتائب
نشطاء مناهضة العولمة أو مناهضى الحرب الذين لا يفيدونا بفكرة واحدة
جديدة أو ملهمة. ولا أفهم أليس قراءة مايكتبه هؤلاء "النشطاء"
على شبكة الإنترنت أوفر للنفقات. بوضوح، هل يمكن فى ضوء
إمكانياتنا
المتاحة التكفل بتغطية النفقات المادية
لدعوة أى من هؤلاء
الفلاسفة العمالقة أو ترجمة أعمالهم؟؟؟ أتذكر إلى الآن كيف تم حشد
المثقفين المصريين للإحتفاء بجاك دريدا عندا زار مصر فى
منتصف التسعينيات بدعوة من وزارةالثقافة.
وقتها تكلقت إقامة الرجل ورحلاته! مبالغ طائلة.
أظن أن
دعوة أى من الفلاسفة السابق ذكرهم لن تكلفنا واحد بالمائة مما
أنفقته الدولة على دريدا.
أتمنى أن يكون هذا النقاش فاتحة خير لجهة حفز الجهد الفكرى والنظرى
المشترك والذى احتجب طويلا عن حوارت اليسار.
آسف على هذه الرسالة التى طالت أكثر من اللازم ولكن عشمى فى التفاعل مع
هذه الدعوة كبير
تعليق - 2 : حسام يوسف
ان الفكر
انسانى لا شرق فيه ولا غرب > ان الشيوعية هى فكر تالى للراسمالية ومتجاوز لها فالتقسيم ليس غرب وشرق ليتكلم
الكاتب عن الشيوعية
كتعميم
للمركز الاوروبى وانما انماط فكرية فى خط تطور ان الشيوعية هى منتج فكرى يتجاوز النمط الراسمالى و بالتالى صحيح انها منتج للفكر حيث نضجت الراسمالية وهو بالتالى فترض انجازالمرحلة الراسمالية فى
المناطق
المتخلفة وهذا هو ما يعرف فى الادبيات الشيوعية بانجازالتحول الوطنى الديمقراطى فالشيوعية تعمم التطور الفكرى و التطور بانماط الانتاج وليس المركزية الاوروبية كما موه
الكاتب
لتمرير
هدف اخر من
مقاله ان الشيوعية بتجاوزها للمركزية
الراسمالية تفكك
المركزة هى نعم نتاج للمركزية الراسمالية و لكن لتجاوزها وليس لتكريسها كما يهدف كاتب المقال للتمرير ونقلها للتطور للاطراف يهدف لمساواة الاطراف بالمركز وتجاوز المركزية وليس الاشتراك فى شبكة المركز الراسمالى والتسليم به ان الشيوعية ليست منتج غربى
وانما منتج
للبيئة الراسمالية الانتاجية وبهدف تجاوزها
ان صاحب المقال يعتبر الفكر منتج جغرافى فيقسم الفكر لغربى وشرقى وليخلص الى ان لماركسية فكر غربى ومن هنا الاشارة الخفية لانه كله غرب فلم المواجهة مع السيطرة الراسمالية و الفكر
المستغل العالمى فهو
ايضا غربى وعلينا كدول طرف ان نكون تابعين على كل حال !!!