التغيير في مصر .. الدولة الشمولية واليسار العدد 99 / 2008 - 01 - 01

 

صلاح الدين زين (*)

 

اليسار لم يحكم في الماضي وأغلب الظن أنه لن يحكم في المستقبل المنظور ، شأنه في ذلك شأن الإسلام السياسي . اليسار والإسلام السياسي كانا مجرد أوراق ضغط يستخدمها عبد الناصر وقتما يشاء ويهددها عندما يريد وفق شروط تحددها مصالح دولته "التقدمية" والتي يلعب فيها الدور الرئيسي وربما الوحيد طبقة البيروقراطية المصرية . البيروقراطية والتي كان تعدادها حوالي 350 ألفاً من الموظفين غداة ثورة 52 صار تعدادهم يدور حول السبعة مليون وهي حالة نادرة وحيدة في كل العالم . هذا التضخم السرطاني يجعل من حقنا تطبيق قانون الكثرة العددية "التغيرات الكمية والتغيرات الكيفية " وكيف تحولت البيروقراطية من أداة طبقية إلى طبقة واضحة المعالم والمصالح وكاملة التبلور وهي طبقة رأسية عكس الطبقات ذات الطبيعة الأفقية كطبقتي الإقطاع والبرجوازية وبالتالي فهي تضم من الوزير إلى الغفير .

منذ عقد أو عقدين من الزمان تحاول الشرائح العليا من هذه الطبقة الفرار منها والانسلاخ عنها واللحاق بطبقة اقتصاد السوق ، تفعل ذلك بطريقة محمومة وربما بطرق غير مشروعة وهو الأمر الذي يهدد الحزب الحاكم بالانقسام على نفسه . هذا الانقسام يتجلى في إعلان سياسات مختلفة ومتعارضة مثل الموقف حيال الدعم بين راغب في استمرار الدعم العيني ومنهم الرئيس مبارك شخصياً ، وراغب في استبدال الدعم العيني بآخر نقدي دون توضيح هل سيتم صرف نفس المبلغ المدفوع في الدعم العيني إلى الناس المستحقين أم لا ؟ ، وإن كانت كل الشواهد تؤكد أن هذا لن يحدث .

الحزب الحاكم وبالتحديد الجزء القديم منه هو من يعبر عن البيروقراطية ويحافظ على الجمود ويقاوم أي تغيرات تجاه المستقبل الديمقراطي . ولأن الإسلام السياسي يعبر عن ذات الطبقة فكان من الطبيعي التشابه الواضح بين برنامج الأحوال الاقتصادية والبرنامج الاقتصادي للحزب الوطني في شكله التقليدي القديم، واختلاف مع القسم الفار من الحزب القديم لأن هذا القسم لن يكون أمامه سوى الاندماج في السوق العالمية ، الكويز مثلاً ، والتعامل مع إسرائيل وهو ما ترفضه الجماعة وموقفها من السياحة يؤكد هذا القول .

دعونا نحتكم إلى الأرقام لكي نؤكد هذا الكلام الإنشائي ، البرلمان المصري 2005 يضم بين أعضائه 53% ينتمون إلى البيروقراطية وعدد 68 عضواً بالتحديد ينتمون إلى رجال الأعمال بنسبة 15% في حين أن عدد نواب الجماعة الـ 88 نائباً بينهم فقط نائبان ينتميان إلى رجال الأعمال والباقي بيروقرطية وحتى بيروقراطية رثة ، إذا جاز التعبير ، منهم 9 نواب من مؤدي الشعائر في المساجد ، وإن كان على الجانب الآخر فإن عدد الحاصلين على درجة الدكتوراه من بين نواب الجماعة تأتي نسبتهم أعلى من المتوسط العام للمجلس . لكن في النهاية الكل بيروقراطي ومحافظ على الجمود .

سيادة البيروقراطية يعني في التحليل البسيط تعميق دور الدولة وشموليتها الاقتصادية ومن ثم السياسية دون أدنى خطوة في اتجاه الحريات . ويعني في الحقيقة تعميق دور السلطة التنفيذية وسيطرتها على السلطتين التشريعية والقضائية ذلك أن السلطة التنفيذية هي التي تقوم بإدارة ممتلكات الدولة وفي النهاية تحل هذه السلطة محل الدولة التي تتلاشى في الواقع ولا يبقى سوى رأس السلطة التنفيذية والذي يتحول تلقائياً إلى دكتاتور كلي السلطات . (انظر سامر سليمان في كتابة نظام قوي ودولة ضعيفة) .

من حقي الآن أن استنتج أن الدولة البيروقراطية هي الدولة الشمولية المعادية للحريات الآن وفي المستقبل وأن تجربة خمسين عاماً كافية وزيادة للخلاص من هذه الحالة . الغريب أن العكس تماماً هو ما يحدث والكل تقريباً يحارب من أجل بقاء هذه الدولة وتعميق دورها ويقف في المقدمة قوى اليسار والقوى القومية . سامر سليمان ومعه آخرون يسعون لتجاوز هذه الحالة والقضاء على القوى الرأسمالية لصالح جماعة المنتجين الأحرار والمتحدون في جماعة . هو مثل غيره ، إبراهيم العسوي مثلاً ، لا يقدم أبداً المعادل السياسي لهذا الشكل الاقتصادي وهل سينتهي بنا المطاف إلى سيطرة الحزب الواحد المعبر عن طبقة البلوريتاريا الثورية إلى الأبد وكل هذه الأشياء التي صارت خارج التاريخ .

اليسار المصري اليوم وهو يراهن على الاضطرابات العمالية وغيرها لم يسأل نفسه ما هو الشعار السياسي خلف هذه الاضطرابات بجانب المطالب الاقتصادية الفئوية . الواضح أن المطلب السياسي لكل هذه الاضطرابات هو الإصرار على تعظيم دور الدولة ، الدولة بشكلها الشمولي المسئول عن كافة كل شيء في حياة الناس .

اليسار المصري بكل أطيافه وهو يدافع عن بقاء الدولة الشمولية ، من خلال التنظير أو من خلال تبني مواقف عملية داعمة للاضرابات العمالية أو غيرها ، يصنع ذلك للدفاع عن نفسه لأن حالة الجمود الحالية هي الحالية الوحيدة التي تناسبه لو تجاوز المجتمع المصري هذه الحالة سيجد اليسار نفسه في حيرة وحرج وتخبط مع من وضد من سيقف ، مع الليبرالية أو مع الإخوان أو مع الحزب الواحد الفاشستي بالضرورة وهي البدائل الثلاثة المحتملة .

لا يزال اليسار المصري كما كان دائماً لا يعي دوره الحقيقي ويراهن على الجانب الخسران لأنه يقرأ الكتب ولا يقرأ الواقع .

في النهاية أتمنى أن تتاح أمامي الفرصة لشرح كل ما جاء في هذا المقال بالتفصيل في أعداد لاحقة من هذه الجريدة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أستاذ الكيمياء العضوية - معهد بحوث البترول / عضو مؤسس في الحزب المصري الليبرالي .

 

ارسل الصفحة الى صديق العودة الى صفحة المرصد للاتصال بنا اطبع هذه الصفحة