قراءة فى التحولات الفكرية للجماعة الاسلامية

قراءة فى التحولات الفكرية للجماعة الاسلامية

منتصر الزيات – محام مصري – القاهرة

تعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي وقعت من العام الماضي في نيويورك وواشنطن علامة فارقة في منهجية التعاطي الغربي مع ملف ” الحركات الإسلامية ” وفيما كانت تتنادى كثير من الدول العربية من ضرورة الاتفاق على مصطلح محدد متفق عليه حول جرائم الإرهاب وفق ما كانت تعانيه تلك الدول في عقدي الثمانينات والتسعينات من مشاكل داخلية ناجمة عن احتدام الصراع بينها وبين بعض فصائل العمل الإسلامي الجهادى مع وجود عدد من قادة رموز بعض تلك الفصائل داخل دول أوربية 0

وإذا كانت بعض الحكومات العربية قد تجاوزت مرحلة انتظار استجابة الغرب لإيجاد صيغة موحدة في علاج الظاهرة فقد اتجهت نحو استخدام الوسائل الإقليمية والمحلية من أجل العمل على الوصول لحلول داخلية , وفى هذا الإطار توالت مؤتمرات وزراء الداخلية العرب تحت سقف جامعة الدول العربية واستصدرت اتفاقيات مشتركة عربيا لاحتواء أزمة العنف المتأججة داخلها واستئصال الجماعات الإسلامية ذات المرجعية الجهادية 0 وتراوحت الإجراءات التي تتخذها كل دولة وأختها بين تدابير أمنية استثنائية لتعويق حركة وطبيعة انتشار تلك الجماعات وتقييد حرية عناصرها النشطة ورموزها الفاعلة وشهدت الدول العربية تعاونا وثيقا فى تبادل تسلم وتسليم كثير من عناصر ورموز الإسلاميين النشطة بين بعضها البعض , مرورا بتعديل مفردات العمل السياسي والتدخل فى قواعد وقوانين اللعبة السياسية لتجفيف منابع تلك الجماعات مما انعكس سلبا على الحياة السياسية بصورة عامة داخل كثير من الدول العربية مثل مصر والجزائر بالمصادرة ومنع أدوات الخطاب السياسي الإسلامي وصولا إلى الولغ في ممارسة العنف بأبشع صوره بالتوسع في القتل خارج نطاق القانون وعدم الاحتراز عند تنفيذ كثير من الضبطيات القضائية فيما عرف بمقاومة السلطات 0 ومن خلال هذا السياق المتأزم والمحتقن وفدت بارقة أمل تمثلت فى بيان تلاه ” محمد الأمين عبد العليم “0- كان يقضى في ليمان طره فترة العقوبة بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما في قضية أحداث الشغب بالسويس وأحيل للمحاكمة مجددا في القضية التي أعلن البيان خلالها – يوم الخامس من يوليو عام 1997 قبيل انعقاد أولى جلسات المحكمة العسكرية لإحدى مجموعات الجماعة الإسلامية ” بوقف كل العمليات المسلحة داخل مصر وخارجها وأيضا وقف البيانات الإعلامية المحرضة عليها ” وحمل هذا البيان وسط مفردات ألفاظه الوجيزة معان أخرى كثيرة ألمحت إلى تغيير طرأ داخل دائرة صنع القرار بالجماعة الإسلامية وهى ما تعرف بالمجلس التأسيسى الذي يضم بين صفوفه نخبة من شيوخ الجماعة الإسلامية الذين أسسوها ووضعوا لبناتها الأولى وصاغوا أد بياتها الفكرية والشرعية لأكثر من ثلاثين عاما سابقة مع محاولات سابقة قام بها بعض الإسلاميين أعوام 93 و 96 لم يتحقق لها ذات الأثر لكونها جاءت بعيدة عن دائرة صنع القرار وأسباب أخرى متفاوتة الأهمية وسط صراع محتدم بين المؤسسة الأمنية والجناح العسكري للجماعة الإسلامية 0
وبينما انشغل فريق من الباحثين والخبراء والمهتمين بملف ” الجماعات الإسلامية ” بتفسير هذا ” البيان ” أو ذلك ” الإعلان ” بين مصدق له ومتشكك فيه وهذا الخصوص انعقدت ندوات تخصصية لقراءة الحدث في مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية بالاهرام وفى مركز القاهرة لحقوق الانسان صالون بن رشد وفى مقر جريدة الرأي العام الكويتية وفى مقر حزب الوفد بالدقى واستمر شيوخ الجماعة الإسلامية في إطلاق إشارات أخرى إضافية تساعد الباحثين وأصحاب الشأن في مهمتهم المترقبة على مدار جلسات المحاكمة المشار إليها وفى هذا الصدد جاء بيان موقف الجماعة من قانون الايجارات الزراعية ليكشف عن رغبة فى التجاوب تجاه بحث أزمات داخلية اقتصادية ثم جاء بيان التحالف مع كافة القوى الوطنية والاتجاهات السياسية فى الموقف من دعم الانتفاضة الفلسطينية ليكشف عن تكريس لنهج جديد يحرص شيوخ الجماعة على تأكيده واستمراره وتمريرة , وكان اللافت فى إعادة صياغة كثير من مفردات الخطاب العلني للجماعة الإسلامية هو ما جاء في بيان عبر عن معالجة مختلفة لموقفهم من الأقباط والتأكيد على الرغبة في الاحترام المتبادل ووقف حالة التوتر الناجمة عن صياغات أدبية سابقة صادرة في كثير من النشرات والبيانات المعبرة عن الجماعة الإسلامية قبل يوليو 97 .

وكان الحسم واضحا في اختيار ” شيوخ الجماعة الإسلامية ” لأدوات العمل السلمي بديلا عن وسائل العمل العنيف فى الرسالة التي بعثوا بها إلى رؤساء الأحزاب السياسية وكافة النخب الثقافية والفكرية من أجل 000000000
كان ضروريا استرجاع بدايات انطلاقة مبادرة وقف العنف في يوليو 97 لنقف على معطيات صحيحة في اتجاه الوصول الى نتيجة مؤكدة , وعلى هذا فالربط بين مبادرة الجماعة الإسلامية وأحداث الحادي عشر من سبتمبر شكلا وموضوعا فيه كثير من التزيد والعسف وسوء الفهم 00 ليس من خلال نفى تداعيات تلك الأحداث على طبيعة اتخاذ شيوخ الجماعة للقرار وإنما أيضا فى منهجية التعامل الأمني أو الرسمي مع تلك المبادرة .
فلقد أغرق كثير من الذين كتبوا عن حوارات الأستاذ مكرم محمد أحمد والتي نشرها في مجلة المصور مع شيوخ الجماعة الإسلامية وبعض قياداتها الأخرى من الصف الثاني في الربط بين الموقف شبه الرسمي المتمثل في نشر مؤسسة صحافية قومية يترأسها صحفي بارز ونقيب سابق للصحفيين لدورات عديدة وبين نتائج وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر الدامي 00 ولقد سار التعاطي الرسمي أو الأمني مع مبادرة الجماعة الإسلامية في اتجاه التجاهل وعدم الاكتراث ومن ثم التشكيك فى جديتها وفى هذا الخصوص خرجت إشارات كثيرة عبر مؤسسات صحفية قومية تحمل ذات المعنى 00
ومن هذا ما جاء في صحيفة الأهرام الصادرة يوم 11/8/ 97 في الخبر التالي : تحت عنوان ” مبادرات الجماعات الارهابية لوقف العنف تثير ريبة الأمن ” ” محام من هيئة الدفاع عن المتهمين اتفق مع قيادات الجماعات على توزيع الادوار بين الرفض والموافقة ” المبادرات التى أطلقتها قيادات تنظيمى الجهاد والجماعة الاسلامية الذين يقضون عقوبات بالسجن بليمان طره لوقف العنف داخل مصر وخارجها تثير القلاقل والهواجس لدى جهاز رجال الأمن الذى ينظر لهذه المبادرات نظرة مريبة وشك نظرا لسابق طرحهم خمس مبادرات بدأت منذ سبتمبر 91 وعلم مندوب الاهرام أن منتصر الزيات عضو هيئة الدفاع عن المتهمين فى قضايا الارهاب وراء المبادرة التى أعلنت يوم 5 يوليو الماضى بوقف العنف وجرى الاتفاق مع قيادات الجهاد والجماعة الهاربين فى أوربا عند زيارته إلى لندن فى شهر مارس الماضى وتوزيع الادوار فيما بينهم بإعلان مجموعات تأييد المبادرة وأخرين يرفضونها وهو نفس السيناريو الذى أمكن التوصل إلى تفاصيله , كما علمت أن الزيات أجرى اتصالا بمحامى الشيخ عمر عبد الرحمن وأملى عليه صيغة البيان الذى صدر عن مفتى الجماعة يعلن فيه تأييده للمبادرة التى أطلقها قادة ليمان طره وتتوجس الدولة المخاوف من هذه المبادرة ” وتعكس هذه المعالجة من صحيفة قومية شبه ناطقة رسميا بلسان الحكومة المصرية طبيعة تفكير المؤسسة الأمنية وتوجسها من مبادرة شيوخ الجماعة وقف العنف فى تلك المرحلة , واستمرت مثل هذه الاشارات السلبية من داخل دوائر السلطة أو المؤسسة الأمنية لفترة طويلة ففى عدد الاهرام الصادر فى 18/8/97 جاءت الرسالة التالية:
” مبادرة وقف العنف جاءت بعد قطع خطوط التمويل بين الارهابيين فى الداخل والخارج , وقد دفعت الضربات الأمنية التى نفذها رجال أمن الدولة لجوء الجماعات إلى إطلاق مبادرة وقف العنف بعد قطع السبل أمامهم بين الداخل والخارج وخلف أسوار السجون , وما زال الجهاز يواصل عملياته دون التفات للمبادرة حتى ظهور النيات الحسنة وحدها الأدنى تسليم الارهابيين الهاربين لاسلحتهم ”
وجاءت كلمة الاهرام فى ذات العدد بعنوان ” لا تعطوهم عهدا أبدا ” وقالت الاعلانات المتكررة من جانب بعض قيادات جماعات الارهاب عن وقف عمليات العنف فى مصر يجب ألا تدفعنا إلى التراخى أو التواكل أمام هذا الداء الوبيل ”

0 كان جريئا أن يصدر شيوخ الجماعة الإسلامية قرارهم أو مبادرتهم بعبارة من طرف واحد فهو قرار أحادى الجانب صادر لكوادرهم أو توصية لمجلس شورى الخارج وعناصر الجناح العسكري 00 وبالتالي كان انتقاء الألفاظ يتم بعناية وحرصت للتأكيد على صدقية توجه ” الجماعة ” ورغبتها في حقن الدماء فالأمر لا يعنى السلطة بقدر ما هو موقف حاسم اتخذه ” شيوخ الجماعة ” من أجل وقف حالة الاستنزاف والعودة مرة أخرى إلى خيار العمل السلمي والدعوى العلني دون شروط مسبقة 00 وكان من الطبيعي أيضا أن تترقب السلطات وأن تستخدم كل ما لديها من أدوات وتقنيات من أجل التأكد من جدية التحولات أو صدقية القرار وكان عنصر الوقت أحد أهم العناصر التي استخدمتها المؤسسة الأمنية من أجل تفريغ المبادرة من مضمونها وبالتالي الوصول إلى فشلها و إقناع النخب بعدم صدق الذين أطلقوها أو الوصول إلى قناعة بجدية هذه التحولات ومن ثم صدقية من أطلقوها مما يعزز منهجية مختلفة في التعامل , راحت المؤسسة الأمنية ودوائر السلطة المختلفة تراقب عن كثب العديد من المؤثرات أو المحكات :-

حادث الأقصر الدامي في نوفمبر 97 :

بينما الجميع منشغل بتقييم مبادرة الجماعة الإسلامية والوقوف على حقيقة النوايا وحجم التغيير والإجابة عن أسئلة تناثرت هنا وهناك تتعلق بقياس ” النية ” وإفرازها عن ” التقية ” تكتيك أم هدنة أم صفقة ؟! جاء حادث الأقصر الذي وقع في معبد حتشبسوت وارتكبته مجموعة وضح حسبما أعلن من معلومات حول شخصيات الجناة أنهم ينتسبون للجماعة الإسلامية 00 وجاء تبنى ” رفاعى طه ” قيادي الجماعة الإسلامية ومسئول مجلس شورى الخارج في ذلك الوقت للحادث فى بيان بثته وكالات الأنباء العالمية ليضع مبادرة الجماعة وقدرات شيوخها فى محك الاختبار , وجاء تصدى ” أسامة رشدي ” قيادي الجماعة الإسلامية البارز المقيم في هولندا والذي كان يضطلع حتى وقتها مهمة الناطق الإعلامي للجماعة ” لرفاعى طه ” حيث أصدر بيان نفى فيه صلة الجماعة الإسلامية بالحادث ودانه ونفى علم ” طه ” 00 أصلا بأي خلفيات تنظيمية حول الحادث , وجاءت عبارات البيان الذى بثه رشدى مصاغة بعناية ووضح ألقيا مؤشرات أفادت بتحول مؤثر فى موقف قيادات الخارج حيث قال ” تدعونى أمانة الكلمة وشجاعة الرأى لأعلن عن عميق أسفى وحزنى لما وقع فى الأقصر وسقوط هذا العدد الضخم من الضحايا الابرياء ومهما كانت الدوافع والمبررات فإنه لا يوجد مبرر يدعو لهذا القتل العشوائى الذى يعد سابقة لا مثيل لها ويتناقض تماما مع الادبيات الشرعية والسياسية للجماعة الاسلامية التى كانت تستهدف صناعة السياحة وليس السياح الاجانب ” واللافت أن رشدى لم يكتف بادانة الحادث وانما كشف عن موقف يتماشى مع أجواء المبادرة وتؤكد تحول كبير فى مواقف قيادات الخارج بقوله ” وأوجه ندائى إلى كل من تصله هذه الكلمات خصوصا الاسلاميين وأبناء الجماعة الاسلامية عليكم بضبط النفس ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب ” وكشفت أجهزة الأمن النقاب عن ورقة تم العثور عليها في جيب أحد الجناة جاء فيها :” نعتذر لقيادتنا عن عدم تمكننا من تنفيذ المهمة الأولى ” فوضح أن تكليفا سابقا صادرا من مصطفى حمزة مسئول الجناح العسكرى بمهمة أخرى كان توقيتها سابقا على اطلاق مبادرة وقف العنف وربما اشارت بعض التكهنات أو المعلومات بتعلق تلك العملية بأوبرا عايدة التى انعقدت فى مدينة الأقصر واختطاف بعض السياح والمقايضة بهم بعض المعتقلين والسجناء ولكن استحال تنفيذ العملية نظرا للاستحكمات الأمنية المشددة فبادروا لتنفيذ العملية البديلة فى معبد حتشبسوت على عاتقهم ودون أمر قيادى جديد كرسه حالة الانقطاع وعدم التواصل فى تلك الفترة بين قيادات الداخل والخارج .
وحسمت تلك الورقة الجدل حول علاقة الجماعة الإسلامية بالحادث وأن تبنى الشيخ رفاعى طه له كان على سبيل قطع الطريق على المبادرة وكانت نقطة تسجل في خانة صدقية الجماعة وشيوخها ومبادرتهم , واستدل عليها اسامة رشدى أيضا فى بيانه السالف الاشارة إليه واستخلص منها ” أن هؤلاء الاخوة قاموا بعملهم هذا من تلقاء أنفسهم ” كان حادث الأقصر تحد كبير أمام صلاحيات شيوخ الجماعة الاسلامية وقدرتهم على النفاذ عبر قضبان سجونهم إلى رحاب أوسع خارج مصر وتأثيرهم فى طريقة اتخاذ قيادات الخارج للقرار بما لديهم من امكانيات واتصالات بعناصر مسلحة , وجاءت معالجة الشيوخ السجناء على قدر كبير من الجدية والمسئولية والحرص على المضى قدما فى طريق المراجعات الفكرية والحركية ويكفى أن نشير هنا إلى نتيجة ومحصلة جهودهم فى قرار أصدره مجلس شورى التنظيم بالخارج فى الثامن من شهر ديسمبر 97 بوقف كل العمليات التى تستهدف السياح الاجانب وخلص البيان إلى ” أنه فى اطار التحقيقات التى أجرتها الجماعة الاسلامية حول ظروف حادث الاقصر المأسوى وملابساته يطيب لنا أن نعلن لاخواننا ومحبينا وشعبنا فى مصر وسائر الرأى العام الدولى ما توصل إليه التحقيق من نتائج , ولقد فوجىء قادة الجماعة فى الخارج بما حدث فى الاقصر وهالهم ما حدث والعدد الكبير من الضحايا وما ذكر من حدوث تمثيل ببعض القتلى ما يتنافى مع المنطلقات الشرعية والانسانية والسياسية للجماعة الاسلامية فى مصر ” ثم صدرت دراسة مهمة للشيخ محمد مصطفى المقرىء أحد أبرز قيادات الجماعة وفقهائها ومقيم بلندن تنتهى إلى عدم جواز الاعتداء على المدنيين بصفة عامة وتناول من خلالها مفاهيم جديدة ماكانت لتطرح لولا المناخ الذى صنعته مبادرة وقف العنف وتبنى شيوخ الجماعة السجناء لحركة مراجعات قوية لافكار وأساليب سادت لفترة طويلة أفرزها مناخ العنف آنذاك . ومن نافلة القول هنا أن حادث الأقصر بقدر ما تسبب من آلام للمجتمع المصري وعائلات الضحايا فإن تداعياته انعكست إيجابا لصالح أجواء\وقف العنف بعد الإطاحة بوزير الداخلية السابق اللواء حسن الألفي وكثير من فريق معاونيه الذين كانوا يبدون تشددا غير منهجي في ملف المبادرة مما شكل تغيرا جديدا دفع الأمور للإمام تجاه اتباع نهج جديد يعتمد أسلوب تنقية أوضاع المعتقلين وفق أطر قانونية وتحسن أوضاع السجناء وأعلن وقتها عن لجنة عليا برئاسة رئيس الوزراء لمراجعة السياسات الأمنية فتضافرت المراجعات الفكرية التي أعلن عنها شيوخ الجماعة مع تلك المراجعات الأمنية فحقق قوة دفع قوية لمبادرة وقف العنف 0
موقف الجماعة الإسلامية من الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين مارس 98 : كان موقف شيوخ الجماعة الإسلامية بالاعتراض على وثيقة تأسيس الجبهة الإسلامية العالمية التي أعلن عنها في مارس 98 أحد عناصر التحليل في قياس مدى جدية وحقيقة نواياهم في المراجعات الفكرية التي يقومون بها عن كثب فقد شهدت وثيقة الإعلان عن تأسيس الجبهة برئاسة الشيخ أسامة بن لادن توقيع القيادي المصري البارز رفاعى طه مسئول مجلس شورى الجماعة الإسلامية وحدث أن أرسل في طلبي الشيخ كرم زهدي زعيم الجماعة الإسلامية السجين في طره آنذاك وحملني رسالة إلى طه تطلب منه بحسم الإعلان فورا عن الانسحاب من تلك الجبهة أو توضيح حقيقة توقيعه وكانت لهجة زهدي قوية وحاسمة مما دفع طه إلى الإعلان عبر موقع ” المرابطون ” الناطق باسم الجماعة على شبكة الإنترنت توضيحا على صفحتها الأولى مفاده نفى الانضمام إلى جبهة بن لادن وأن الأمر لم يعدو التوقيع على بيان يندد بقصف الولايات المتحدة للعراق وفهم على غير الحقيقة انضمام الجماعة لتلك الجبهة . وكان هذا الموقف نقطة إيجابية دعمت فرص شيوخ الجماعة وقدرتهم على السيطرة على مقاليد الأمور داخل تنظيمهم ومن ثم القدرة على دفع المراجعات الفكرية في أوساطها 0 0 قرار مجلس شورى الجماعة بالخارج الاستجابة للمبادرة ووقف كل العمليات المسلحة داخل مصر وخارجها فى مارس 99 :
عندما صدر هذا القرار تأكد كثير من الباحثين من قدرة شيوخ الجماعة الإسلامية على الإمساك بخيوط كثيرة بأيديهم وأن مكانتهم في نفوس إخوانهم وكوادرهم لم تزل تنتج كثير من المواقف الحاسمة والقدرة على تغيير دفة العمل داخلها وأيضا كان مثل هذا التأكد قد تم رصده من السلطات التي تراقب ما يجرى عن كثب 0

نزع فتيل الانفعال وتفادى ردود الفعل وكبح جماح الغاضبين :

تكررت جملة من المواقف التي يمكن وصفها بالعصيبة والتي كانت محكا جيدا لاختبار حقيقة تحولات قادة الجماعة من داخل دوائر المؤسسة الأمنية نتيجة إجراءات قضائية أو أمنية تعين تنفيذها ومنها على سبيل المثال تنفيذ أحكام بالإعدام كانت قد صدرت من محاكم أمن دولة أو محاكم عسكرية بحق بعض عناصر الجماعة مثل محمد فوزي وحسام خميس وغيرهم وكذلك قتل بعض العناصر الأخرى الهاربة في مداهمات قامت بها قوات الأمن أفضت إلى ذلك مثل فريد كدواني وإخوانه في منطقة العمرانية بالجيزة وعلاء عبد الرازق وأخر فى منطقة المحمودية بأسوان , كانت مثل هذه الحوادث والإجراءات مما يستخدمها نفر من الرافضين للمبادرة والمعترضين على طريقة إدارتها وكانوا قلة أبرزهم الأخ رفاعى طه أو يراقبها بعض الكتاب والمحللين , لكن استطاع شيوخ الجماعة الإسلامية السجناء السيطرة على كافة المفاتيح التى تسعى إلى استغلال مثل هذه المواقف أو الإجراءات للإسقاط على المبادرة أو موقف الحكومة منها وراح هؤلاء الشيوخ يؤكدون دوما أن مبادرتهم غير مرتبطة بمقايضة أو مشروطة بمطالب وبالتالي لا يسوغ الاحتجاج على السلطات بشيء من ذلك وأن المقاصد من إطلاق مبادرتهم شرعية في المقام الأول تهدف إلى الإصلاح والتغيير في طبيعة الوسائل والآليات وكرر كرم زهدي مقولته غير مرة أن القتال ليس غاية فى حد ذاته وإذا ثبت فشله فى تحقيق الأهداف تعين العدول عنه إلى غيره من الوسائل 0 كانت قدرة شيوخ الجماعة على امتصاص ردود الأفعال لمثل تلك الإجراءات محل تقدير واحترام كل المعنيين بملف ” العنف ” والمتابعين ” للمبادرة ” وكانت عنصرا إضافيا هاما من عناصر التأكد من جديتهم وصدقيتهم0

سلسلة تصحيح المفاهيم :

يغرق البعض عند الحديث عن كتب المراجعات التي صدرت عن شيوخ الجماعة في وصفها بأوصاف متباينة ويحملها آخرون أكثر مما تحتمل ويهمني في هذا الصدد أن أشير إلى مقابلة أجريتها مع الأخ عبود الزمر مؤخرا منذ شهرين في سجن طره واستعير توصيفه لكتب تصحيح المفاهيم حيث أطلعني على أنه شارك في صياغة الكتاب الأول المعنون مبادرة الجماعة الإسلامية ولكن لظروف نقله إلى سجن أبى زعبل لم يشارك في الأبحاث أو الكتب الأخرى وتابع وهو في أبى زعبل جدلا محتدما حولها وحينما عاد إلى طره وتمكن من الاطلاع عليها وقرأها بعناية وجد أنها لا تخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة وأنه موافق عليها تماما , ونسوق هذا المعنى في هذا السياق لنؤكد رؤيتنا أن مبادرة الجماعة الإسلامية وأد بياتها المرتبطة بتلك المبادرة من بيانات تليت في المحكمة في الفترة الأولى ثم سلسلة تصحيح المفاهيم كلها تعنى الرجوع إلى الجذور الأولى والأصيلة للجماعة في الدعوة العلنية أو العمل الدعوى السلمي وتجاوز مرحلة العنف التي فرضتها ظروف تاريخية معينة مع تصحيح بعض المفاهيم التي علقت بأدبياتهم القديمة وضخمها مناخ العنف الذي سيطر على البلاد طوال عقد ونصف من الزمان , لذلك لا ينبغي مجاراة ” البعض ” ممن يتسقطون سطرا من هنا وسطرا من هناك من داخل كتب وأبحاث قديمة لقادة وشيوخ الجماعة حيث لا ينبغي إخراجها عن السياق أو المناخ العام , فالرؤية النقدية للجماعات الجهادية تميز بوضوح في مسائل فقهية واختلافات جوهرية بين الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في قضية” العذر بالجهل ” فبينما تتوسع الجماعة في العذر تضيق جماعة الجهاد منه وفق ضوابط تراها , ولا أجافى الحقيقة إذا قلت حتى في فترات العنف وحينما قاتلت الجماعة الإسلامية الحكومة المصرية قاتلتها إما ثأرا أو ردا لعنف مارسته السلطات ضدها أو لامتناع النظام عن تطبيق شريعة من شعائر الإسلام .
بحث قتال الطائفة الممتنعة عن شعيرة من شعائر الإسلام :
وهذا مناط مختلف عن الذي انطلقت منه جماعة الجهاد وهو ردة النظام الحاكم , وحينما نسوق ذلك وفق رؤيتنا لأساس ومنطلقات الجماعة الإسلامية والتمايز بينها وبين الجهاد لا نتبنى هذا المنطلق أو ذاك بقدر ما هي محاولة للقراءة الهادئة المحايدة للأحداث والواقعات فالجماعة مثلا استندت في كل أعمالها السابقة التي واجهت بها حملة النظام في مواجهتها استندت فيها إلى قاعدة دفع الصائل وظلت تردد طوال فترات المواجهة أنها تدفع عن نفسها , وهنا يحسن أن نشير أيضا إلى الخلط المعيب بين سلسلة تصحيح المفاهيم وسلسلة حوارات المصور التي أجراها الأستاذ مكرم محمد أحمد حيث ينبغي التفرقة بينهما إذ أن كتب المراجعات وكل بيانات المبادرة كانت تصدر بقرار مسئول للجماعة الإسلامية بعد دراسة وتمحيص وصياغة تراعى كل هذه الأبعاد وكل كتاب منها صاغ أفكاره أحد هؤلاء القادة وراجعه باقي أعضاء المجلس أو جمهرة منهم وحتى ما ورد في حوارات المصور في الحلقتين الأوليتين على لسان شيوخ الجماعة جاء متناغما مع كتب المراجعات مرددا لها عكس المقابلة الثالثة التي وردت مع بعض قيادات الصف الثاني عدا الأخ حمدي عبد الرحمن وحسنا وصفها لى الشيخ عبود الزمر فى مقابلته الأخيرة معي ” أفكار أفراد ” وأكد بقوله ” وأفكار الأفراد تستوعبها الجماعة الواحدة ” وتابع الزمر بقوله في تلك المقابلة ” ونصحيتى لكل الاخوة في الخارج الذين انزعجوا من مثل هذه الأفكار أن يتناولوها بروح التقريب والتسديد امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” قاربوا وسددوا ”
ولعل أهم ما أثار قلق قيادات الجماعة المقيمين في الخارج أمثال أسامة رشدي وعبد الآخر حماد وغيرهم هو خلو حوارات المصور وربما كتب المراجعات مما يشير لمسئولية الدولة عن قدر كبير من أزمة العنف وبالجملة خلوها من المضامين المعارضة لسياسات خاطئة للحكومة المصرية وأن التسليم بأخطاء وقعت لا يعنى بالضرورة التسليم بممارسات السلطة وأجهزتها المختلفة مما أضعف قيمة هذه السلسة أو تلك الحوارات , هذا الخلاف في بعض وجهات النظر حول صياغات أو أفكار بين قيادات الجماعة في الخارج وبعض قياداتها في الداخل لا ينال من اتفاق هؤلاء وأولئك حول مبادرة وقف العنف وتحولات العمل السياسي والدعوى السلمي ودعمها .

أي أن اتفاقا عاما يسود كل الدوائر التي تناولت تلك الصياغات أو الأفكار خاصة ما تعلق ” بالاعتذار ” بالنقد أو التحليل حول ضرورة ” المبادرة السلمية ” وأن كل مستويات الجماعة اتفقت على إصدارها كما أن ثلة كبيرة من الباحثين والمهتمين بالشأن الأصولي باركوها أيضا , وأن زمام المبادأة دائما كان للقيادات التاريخية في كل تلك المواقف والقرارات .
وقد تلاحظ لدينا إفراط الذين علقوا على مسألة المراجعات الفكرية لمنهج تيار سائد في أوساط الجماعات الإسلامية في إبراز أخطاء بعض هذه الجماعات ولم تخل عباراتهم من معاني ” التعيير ” ‘ ولا شك أن هذا السلوك يحمل قدرا من عدم المسئولية تجاه دفع عجلة مثل هذه المراجعات في اتجاهها الصحيح وفق نظرة ثاقبة تستشرف آفاق المستقبل وتحيط بمخاطر جمة تحدق بأمتنا العربية والإسلامية ولكن اللافت في الحوارات التي أجراها الأستاذ مكرم محمد أحمد ما حملته من أفكار حول المستقبل السياسي للجماعة الإسلامية ودراسة شكل وأسلوب ممارستها لنشاطاتها وتمرير قبول فكرة العمل الحزبي أو بمعنى أدق عدم تصادم الجماعة معها وعدم التحريض ضدها وتكفير المتخذين لها كآلية ضرورية من آليات العمل الدعوى والسياسي ووسيلة للتغيير بعد عقود طويلة من الرفض والفتاوى الشرعية المتعاقبة بعدم جواز العمل الحزبي أو دخول المجلس التشريعي والإشارة إلى إمكانية تأسيس جمعية اجتماعية وتطرق الدراسات الجارية حاليا داخل دوائر الجماعة , وفى هذا نرى ضرورة حسم مستقبل توجه الجماعة للعمل العلني والدعوى والطريق الذي ستنتهجه في سبيل ذلك , إن شيوخ الجماعة مطالبون بالإجابة على سؤال ملح يتعلق بأوجه التمايز بينها وبين الإخوان المسلمين بعد سقوط كثير من أوجه التقاطع بينهما , وإذا كان وجه الشبه عاليا بين منطلقات الإخوان والجماعة الإسلامية منذ قيامها وتأسيسها في منتصف السبعينات من حيث العمل العلني وممارسة الدعوة العلنية والاشتباك بقوة مع دوائر شعبية متوسطة وداخل الجامعات المصرية لكن أهم أوجه التمايز ارتكزت في قضية الاعتراف بالمشروعية للنظام الحاكم والعمل من داخله وتبنى أدبيات ثورية في الخطاب الشرعي والإعلامي وقضية العمل الحزبي فيبقى بعد ذوبان مكامن الخلاف حول هاتين القضيتين أن تجيب الجماعة أو شيوخها عما يميزها عن الإخوان ولعل أهم الإشارات في هذا الصدد سيرد حال تولى الجماعة الإسلامية مضامين دعوية ذات دلالة اجتماعية وتكريس قدرا كبيرا من حركتها في اتجاه نشر تعاليم الفضيلة والأخلاق بطريقة روحية تتوافق مع طبيعتها كجماعة تسعى إلى نشر التعاليم الإسلامية أكثر من حرصها على العمل السياسي المجرد.

وبالقدر نفسه تبقى أهمية كبيرة حول دور الدولة في منح حركة المراجعات قوة دفع فيما لو أرادت فعلا عدم قطع الطريق على أصحاب المشروع الإسلامي والسماح لهم بحقهم في العمل السياسي المشروع .إن استمرار ذات النهج المعيب للحكومة المصرية في إقصاء المخالفين لسياساتها و إبقاء القوى التي درج على تسميتها ” المحجوبة عن الشرعية ” في خندق عدم المشروعية حتى يسهل استئصالها واتخاذ إجراءات أمنية استثنائية تجاههم وكلها للأسف من شرائح الحركة الإسلامية وفصائلها معتد ليهم قبل متشدد يهم لا يدعم حركة المراجعات ولا يوفر لها أسبابا قوية للاستمرار والانتشار .
إن الاعتراف السياسي بالتيار الديني سيساهم حتما في الاستفادة من طاقات الأمة الشابة والمتمثلة في شباب الحركات الإسلامية .. إن الحديث عن مكافحة الأفكار المتشددة وبالتالي مواجهة العنف لا يمكن فصله كما أسلفنا عن المناخ العام ولا يمكن تحميل طرف دون الآخر هذه المسئولية ، ولا يمكن في ظل تغييب شرع الله تعالى وكثرة الأخطاء التي توجد في كل المؤسسات اليوم لا يمكن اعتبار أن فصيلا ما متشددا في أفكاره وأن هذا التشدد هو الذي يقود إلى العنف ..
كما إن الاعتراف السياسي بالتيار الديني سيساهم بشكل مباشر في إدماج تلك التيارات السياسية في الحركة الديمقراطية للمجتمع إذا ما اتفق على تعريف عام للديمقراطية في ظل منطلقاتنا وحضارتنا وقيمنا وسلوكياتنا ..
على الحكومة المصرية أن تبذل جهودا أكبر في مجال دمج الجماعات في المجتمع على نحو يتعامل فيه أبناء الجماعات داخل المجتمع كمواطنين لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات وإفساح المجال للدعوة السلمية حتى وان كانت تمثل معارضة شديدة للنظام والحكومة طالما أنها سلمية وفى حالة الخلاف نلجأ الى الحوار وليس إلى سياسة العنف
ومن نافلة القول التذكير مرة أخرى إننا في جميع ما نبدي لا نتصيد الأخطاء أو نعدد المثالب بقدر ما نحرص على تقديم النصح لتجاوز مرحلة كئيبة من الصراع والعنف والدماء ودفع الحكومة المصرية الى اتخاذ قرارات وتدابير تؤدى الى صنع مناخ أفضل يتيح لكل المصريين أن يعبروا عن آرائهم ومعتقداتهم بصورة سلمية
وفى النهاية يجرنا هذا إلى الحديث عن موقف الأطراف الأخرى المعنية ‘ فنحن جميعا أبناء هذا الوطن نحصد ثمار نهضته وندفع ثمن تخلفه ‘ فالمثقفون المصريون من التيارات السياسية والفكرية كافة مطالبون بالتعاطي على نحو إيجابي مع هذه التغيرات والدولة كذلك مطالبة بتفهم مختلف يكون أساسا لسلوك مختلف ‘ فالمستقبل كما ينذر بمخاطر كبيرة فهو أيضا محمل ببشارات إن بدأنا العمل لأجله من الآن .

 

هيام جمال

كاتب ومحرر صحفي يكتب في صحيفة المرصد الإعلامي الحر الالكترونية.