تحليل مشاكل التنمية من منظور " اقتصاديات التنمية "

 إعــــــداد: - البروفيسور: محمد يعقوبي.

 - الأستاذ: الأخضر عزي.

 - جامعة محمد بوضياف- المسيلة- الجزائر.

 

 

 

الكلمات المحورية :استراتيجيات التنمية والنمو، التيارات الفكرية المفسرة، التحليل التجريبي، نموذج الصناعات المصنعة، استراتيجيات النمو في آسيا، البنيوية، الماركسية، النيوكلاسيكية، فروع الاقتصاد، الفقر، الشراكة، العولمة

 

تمهيد :

إن المتمعن في استراتيجيات التنمية المتبعة من طرف البلدان السائرة في طريق النمو وكذلك تحليل الخيارات التي تتوفر حاليا لهذه البلدان، على الأقل فيما يخص بعض المسائل وهذا في الإطار النظري لـ" اقتصاد التنمية " هذا ما يقودنا إلى محاولة توضيح المقصود بهذا المفهوم. في المقابل، فإن فروع العلوم الاقتصادية الأخرى مثل" اقتصاد التنمية" لم يظهر إلا في نهاية الحرب العالمية الثانية، إن هذا المفهوم كان محل  نزاع  وخلاف بين المنظرين والمفكرين  الاقتصاديين.

يبدو للمتفحص للجانب الفكري في الاقتصاد أن تحليل مشاكل التنمية...لا يزال في مرحلة أولية، أي مرحلة طفولية وحتى جنينية ولا نزال بعد  لم  نحز نظاما اقتصاديا للتنمية جديرا بهذا الاسم،  وحسب ما يؤكد  ذلك،  نجد أن (عبد القادر، سيد أحمد، 1981) يستقرئ الأمر وهو أن  هذا النظام  لا يمكن  أن  يولد إلا بمجابهة النظرية الاقتصادية التقليدية والتجربة التطبيقية  للتنمية.

من جهة أخرى، فإن مفهوم التنمية الاقتصادية لا يزال بعيدا من حيث   التعريف  بطريقة وفاقية، هذا ما يدل على أن  الكثير من  الاقتصاديين  قد اهتموا  بالمشاكل المرتبطة  بالتنمية الاقتصادية للبلدان السائرة في طريق النمو، علما أن  الدراسات الجزئية أو الكلية  التجريبية منها " الامبريقية" لا تنقص في هذا  الميدان. هدفنا من هذه الدراسة هو القيام بتحليل التيارات الكبرى للفكر والتي اهتمت باقتصاد التنمية ومع ذلك يجب أن نخصص من الآن وأن نعترف كذلك أن هذا التحليل لا يمكن أن يكون إلا مبسطا، غير كاف، والأدهى من ذلك أكثر تلقائية.

لأجل هذا التقديم، قمنا بتبني طرح من نوع ترتيب للنظرية الاقتصادية للتنمية في ثلاث تيارات " مذاهب كبرى" والتي تمت بلورتها  عن طريق (H, CHENERY, 1975  ): - 

1-التيار النيو كلاسكي (Néoclassique)

2-التيار الجذري " أو  الماركسي radical

3-التيار البنيوي " التركيبي structuraliste

1-التيار النيوكلاسيكيcourant Néoclassique:

يبدو وأن هذا التيار هو الأكثر صيتا  وانتشارا في مجال التنمية رغم انه كان  محل انتقادات كثيرة، يظهر هذا التيار وأنه أكثر تعقيدا من جانب الاقتراح للاقتصاديات الأقل نموا من ناحية التوازن العام عبر تعديل بعض من فرضياته التي تسمح بظهور واقعية اقل أو بتعبير أخر يتعلق الأمر بكل بساطة بتمديد وتوسيع في النظرية النيوكلاسيكية الحديثة للنمو تماما مثل ما اقترحها   R.SOLOW,1956) ) وكذلك الأمر بالنسبة لـ MEADE, 1962))، والتي تم إثراؤها بواسطة التحليل النيو كلاسيكي للتخصصية والتجارة الخارجية، ولفهم ذلك يراجع: (نظرية: HECKECHER- OHLIN-

MUELSON)، فما هي إذن المميزات الأساسية التي يمكن أن نجدها ضمنيا وبوضوح في نماذج التنمية النيوكلاسيكية؟.للإجابة عن هذا السؤال، نجد في المقام الأول الفرضية التالية: يقوم الأعوان الاقتصاديون بإجراء اختيارات بغية تعظيم رفاهيتهم في وضعيات معينة أين يكونون رهيني تكاليف وأعباء ومدعمين بصفة تفاؤلية بالمكاسب الإيجابية على شكل أرباح.

يوجد في هذا المحيط الاقتصادي مفهوم كامل عن الإحلال substitution وهناك تشاركية مصطلحية في إدماج ذلك مع مفهوم المرونة élasticité وهذا المفهوم يفترض أن كل تعديل في الأسعار يستلزم بالضرورة تغيير على الكميات، هناك عنصر آخر مهم يتمثل في الفرضية التي تنص على أن:

تقود آلية الأسعار إلى الأمثلية الاقتصادية المستهدفة، فهي إذن تقود إلى وضعية متوازنة بحيث نلمح أن الأسعار في هذه النظرية تعتبر كوسيلة ضبط وتعديل، هذا يعني أن المسائل المتعلقة بالتوزيع والتخصيص اللامتكافىء للفقر واللامساواة في التنمية بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة وكذلك بعض المفاهيم الأخرى الخاصة بالحقيقة الاقتصادية في البلدان السائرة في طريق النمو والتي لم تعالج إلا جزئيا.

يبدو وببداهة أن التوصيات المستنبطة من هذه النظرية من الجانب المنطقي تبلور ذلك في عبارة من الشكل: إن التخصيص الفعال للموارد عبر إقامة المنافسة الحرة وحقيقة الأسعار وكذلك تقليص دور الدولة لا تأخذ بعين الاعتبار المفاهيم الاجتماعية للتنمية، ويبدو بالدلالات أن الكاتب الممثل لهذا التيار الفكري على مستوى السياسة الاقتصادية هو(BAUER, 1971)، ويمكن كذلك إضافة الكاتب والمنظر الاقتصادي(T,SHULTZ, 1964)، هذا الكاتب حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1979، بداهة فإن التيارات والمذاهب المعارضة والمنتقدة للنظرية الاقتصادية لا تنقص في الكتابات العلمية المنهجية; وهناك الكثير من الكتاب الذين حاولوا إثبات أن الفرضيات المشكلة والمبلورة وكذلك النتائج المستهدفة لا علاقة لها مع الحقيقة الاقتصادية مثلما يمكن أن نلاحظها، هناك تيار أخر انتقد بصفة هجومية هذه النظرية بكونها غير قادرة على شرح أسباب التنمية، وما يمكن قوله عن كل اقتصاد التنمية ومنذ الحرب العالمية الثانية أن له جانب مشترك يتمثل في فشله النسبي بخصوص إثبات أن فقر البلدان السائرة في طريق النمو والتي يصطلح عليها حاليا بلدان الجنوب لم تكن أبدا مستقلة عن الثروة النسبية لبلدان ما يعرف ببلدان المركز تماما مثلما أشار إلى ذلك (S-RESANICK,1975)، فالغالبية من منظري التنمية ونريد القول النيوكلاسيك قد تقوقعوا وانغلقوا على أنفسهم داخل برهان قياسي ذي حدين dilemme يطرح مسلمة أو بديهية مفادها أن الفقراء فقراء لأنهم فقراء بينما الأغنياء أغنياء لأنهم أغنياء، انظر في ذلك وللتدقيق المنهجي كلا مـن المنظرين (G-MYRDAL, 1957) و(GUNDER,FRANK,1978)، رغم ملاءمة هذه الانتقادات تواصل النظرية النيوكلاسيكية للتنمية الهيمنة العلمية الأكثر ترسيخا في التعليم الجامعي المنهجي أكثر منها في مجال التوصيات والاستشارات لأكبر عدد من الهيئات الدولية مثل الصندوق النقدي الدولي، والبنك الدولي، والمنظمة العالمية للتجارة، خاصة ما يتعلق بسياسات التعديل الاقتصادية الكلية المقترحة من طرف الصندوق النقدي الدولي لبعض البلدان السائرة في طريق النمو والتي تتبنى استراتيجية التنمية المستديمة وهذا في سبيل الحصول على القروض سواء كانت ميسرة أو معسرة تبعا للتوصيات والإجحاف في تطبيق هذه الأخيرة.

2-  التيار الجذري او الماركسي: le courant radical ou marxiste

يخص التيار الراديكالي الجذري في اقتصاد التنمية مجموعتين من المفكرين والمنظرين فهناك الاقتصاديون الماركسيون أو النيو ماركسيون وكذلك الاقتصاديون الآخرون المطعمون بالفكر الماركسي حيث أن أكثرهم من أمريكا اللاتينية، وقد قاموا بتحليل مفهوم التنمية والتخلف عبر التبعية، ولفهم ذلك نقدم قراءة واستقراء عبر ملاحظة الأطروحات المطورة من طرف هاتين المجموعتين: توجد القاعدة النظرية للنظرية الماركسية للتنمية والتي هي بعيدة عن تكوين مجموع نظري موحد في المادية التاريخية التي تم تطويرها عن طريق كل من كارل ماركس وانجلز ، تحبذ هذه النظرية على خلاف النظرية النيوكلاسيكية المفهوم أو الطرح التاريخي حيث أن تحليلاتها ومفاهيمها المقدمة والمعدة هي بمثابة دالة للوضعية التاريخية حيث أن التحليل الماركسي يظهر دوما بمصطلحات علاقة الملكية   والإنتاج والطبقات الاجتماعية، أما المفهوم الآخر لهذه النظرية فهو مفهوم الإمبريالية الذي تمت معالجته العلمية من طرف كل من روزا ليكسمبورغ ROSA Luxembourg ولينين.

نستطيع التفكير وبصفة مقتضبة بعض الأطروحات والتي هي على الأقل مشتركة بين الاقتصاديين الماركسيين الذين قاموا بتحليل مشكلة التنمية، فمفهوم التخلف لا يمكن إدراكه فقط عبر تحليل عقلاني، بالعكس فإن التخلف هو نتيجة تاريخية لوضع اليد موضع الحجز الممارس من طرف البلدان الإمبريالية أو ما يعرف ببلدان المركز على ما يعرف ببلدان المحيط ERIPHERIE، هذه الهيمنة تبدو كنتيجة طبيعية للتبعية والتي عرفت في العديد من المجالات حيث أنها تنعكس وبشكل شبه ابدي اليوم عبر الاستثمارات المباشرة والشركات متعددة الجنسيات التي تلعب دورا محددا في اقتصاديات البلدان السائرة في طريق النمو والتي تعكس في آن واحد دور الهيكلة وإعادة الهيكلة والاستغلال المتنامي، ولكن كذلك عبر التجارة الخارجية التي تشكل "تبادل غير متكافىء"، يكون الأخذ بعين الاعتبار لهذه المفاهيم جد هام وضروري ولكن غير كاف لفهم الوضعية الاقتصادية للبلدان السائرة في طريق النمو والتي هي إضافة أخرى بشكل تحليلي عبر تبني المفاهيم الكلاسيكية للاقتصاد السياسي الماركسي، هناك الكثير من الاقتصاديين الماركسيين والنيوماركسيين المنظرين في مجال التنمية الاقتصادية نذكر منهم على سبيل الاستدلال فقط:

(S.AMINE,1970- 1973) الذي يمثل التيار العربي في المجال الفكري سابق الذكر، علاوة على: (C.PALLOIX,1972- 1975) و (A.GUNDER, 1970) وكلا من (A.EMMANUEL, 1969)

و(G.D.BERNIS, 1977)، هذا الأخير كان من بين منظري ما يعرف باستراتيجية الصناعات المصنعة والتي طبقتها بعض البلدان النامية وخاصة الجزائر في مجال الصناعة الثقيلة وقد أعطت بعض النتائج الايجابية التي بقيت ماثلة للعيان إلى يومنا هذا فمركب الحجار للحديد والصلب بعناية لا يخلو مشروع صناعي أو قطاع البناء والأشغال العمومية والري من مادته الأولية، الغريب في الأمر أن هذا المركب الذي يشغل عشرات الآلاف من العمال ورغم نجاعة تسييره ومصداقية منتوجه ذي المواصفات العالمية إلا أنه أخضع للشراكة مع الهند، وفي الوقت الذي كان ينتظر تخفيض في حديد البناء لوحظ ارتفاع محموم في أسعار هذه المادة وما ينعكس على قطاع البناء والسكن، خاصة وان الجزائر لا زالت تعاني من إشكالية السكن وإنجازه بالمواصفات المطلوبة.

يوصي هؤلاء المنظرون باستخدام خيارات التنمية حيث أن النقاط الاستقطابية الأساسية تتمثل في التنمية الاقتصادية وتفترض مشاركة أو تشاركية في علاقات الإنتاج من جهة ومن جهة أخرى هناك فسخ وإلغاء لعلاقات التبعية مع المركز، علما أن هذه التغيرات تنتج عدة تحولات اجتماعية وسياسية، وهناك بعض الاقتصاديين الأقل راديكالية وتطرف يقترحون طرح من شكل أن النظام الاقتصادي الدولي الجديد يستلزم بداهة وبالضرورة تحويل في العلاقات الاقتصادية الدولية في الوقت الراهن، يكمن الهدف الأساسي من تحليل التنمية عبر النظرية الماركسية في الحدث الذي يسمح بإدراك وترجمة إجمالية لبعض الظواهر التي تميز البلدان السائرة في طريق النمو والتي أهملت من طرف النظرية النيوكلاسيكية، رغم أن هذه النظرية أصبحت تظهر بعض النقائص والضعف خاصة مع انهيار وتلاشي الشيوعية بفعل تخلف بعض من قوانينها الاقتصادية الموضوعية وتناقضاتها البنيوية كونها تقوم على أن كل تشكيلة اجتماعية واقتصادية تحمل في ثناياها بذور فنائها، لكن البعض من مفاهيم النظرية السابقة تجعل منها وسيلة دلالية لتحليل أكثر لزوما وأهمية في معرفة أسباب التخلف، ولا يمكن القول أن العولمة في الألفية الثالثة لا تستقي من طروحاتها الفكرية، أما الفريق الثاني من المنظرين فإنه يقدر كذلك انضمامه التكميلية للتحليل الماركسي وكذلك تحليل عملية التنمية التي تتم في إطار مفهوم التبعية، هذا النموذج من التحليل قد أثري خاصة عبر أعمال الاقتصاديين الأمريكيين اللاتينيين حيث نجد أن المفكرين الأكثر تمثيلا لهذا التيار الفكري هم ( R.PREBISH, 1950- 1959) و(O.SUNKEL, 1969)، (C.FURTADO, 1970- 1976)، تقوم مساهماتهم الفكرية الأكثر بداهة وصراحة على دراسة تدهور معدلات التبادل بين البلدان المتطورة والبلدان السائرة في طريق النمو وتحليل الصيرورة الداخلية للاقتصاديات المتخلفة.

يحبذ هؤلاء المنظرون ويختارون في أعمالهم الهياكل الداخلية للإنتاج والتراكم ولكن يركزون أكثر على دور توزيع المداخيل لأجل فهم أفضل لعملية التنمية.

3- التيار البنيوي  :le courant structuraliste يختلف هذا التيار عن التيارين السابقين وهو من الصعوبة بمكان من حيث التعريف بطريقة متجانسة، حيث يكون من السهولة وصف ما لم تتمكن منه النظريات السابقة مكن حيث الشرح التلقائي لأفكارها وآلياتها المذهبية (KINLBERGER,  HERRICK, 1977) تحاول المقاربة البنيوية التعريف وإماطة اللثام عن اللامرونات الخاصة وهكذا نجد مقاربة حول الآجال والخصوصيات الأخرى لهيكل الاقتصاديات النامية أو في طور النمو والتي تنصب على التعديل الاقتصادي واختيار سياسات التنمية، لقد تطورت منهجية التحليل البنيوي خلال الـ 30 سنة الأخيرة بالانتقال من مجموع فرضيات أكثر حدسية وبديهية إلى نماذج ذات مشروعية وتجريبية وذات صرامة تحليلية متزايدة، يمكن تلخيص هذا التطور في ثلاث مراحل: تكوين الفرضيات، الاختبار التجريبي، إقامة النماذج الأكثر اكتمالا (H,CHENERY,1971)، تنبع بعض عناصر النظريات البنيوية من أعمال اللورد كينز والأمر هنا يتعلق بحالة الاقتصاديات التي تكون فيها وضعية العطالة والبطالة أكثر مثابرة وإصرارا كما تنبع كذلك من أعمال ليونتيف، أي حالة التحليل القطاعي للاقتصاد والعلاقات بين مختلف القطاعات، وأخيرا أعمال (S,KUZNESS) الذي قدم القاعدة التجريبية لتحليل عملية التنمية، تكمن الأطروحات المطورة من طرف البنيويين في مفهوم النمو المتوازن أو ما يعرف في اللغة الفرنسية بla  croissance équilibrée)، وللمزيد من التدقيق المنهجي تراجع أفكار وتطويرات كلا من (PROSENSTEIN, 1943)و(R.NURSKE, 1953)، هناك كذلك مفاهيم للاقتصاد الثنائي dual ومن ابرز من عالج ذلك (A.LEWIS,1954)، أن المثابرة والإصرار على إيجاد أضرار اللاتكافؤ واللامساواة في توزيع المداخيل خلال عملية التنمية مثل ما جاء به (KUZNETS, 1955) وكذلك إشكالية اللامساواة الداخلية مثل ما جاء به (G.MYRDAL, 1957) وغيره، يوجد بين هؤلاء المنظرين شبه إجماع فكري على ما سبق ذكره ولو أن هناك تباعدا زمنيا يتجاوز العشر سنوات، إلا أن هناك نقاط التقاء بينهم.

القراءة المتأنية لهذه النظريات تعطينا فكرة مفادها أن السوق والأسعار لا تؤدي بالضرورة إلى التخصيص الأمثل للموارد من واقع وجود وضعيات غير مرنة وهذا مخالف للتحليل في النظرية النيوكلاسيكية، تغرس وتزرع بذور الفروق والانحرافات الكمية ويتم إدخالها بكل سهولة بحيث لا يمكن تبخرها أو تلاشيها، هذه الوضعية هي تلك الملاحظة والمشاهدة على مستوى التجارة الخارجية أين يكون العجز غير مغطى بواسطة حركة الأسعار، فالبطالة تكون إذن مزمنة وهيكلية، وهناك توصيات مقدمة من طرف البنيويين بخصوص السياسة الاقتصادية للتنمية وهي: تدعيم دور الدولة فيما يخص التخطيط وضبط السوق وكذلك تحليل دور التمويل الخارجي وإعادة فحص المزايا المقارنة فيما يخص العلاقات الاقتصادية الخارجية وتوضيح العلاقة بين الضغوطات الداخلية والخارجية في تقدير مشاريع الاستثمار، إن الميزة الأساسية لهذه النظريات تتجلى في كونها تتطور داخل أكثر مرجعية تجريبية عبر محاولة وصف وترجمة الحقيقة الاقتصادية مثل ما نلاحظه في اقتصاديات البلدان السائرة في طريق النمو، من المؤكد أن تحليل النظرية الاقتصادية للتنمية والتي قمنا باقتراحها تظهر وأنها أكثر تلقائية وتبسيطا وغير متكاملة المعالم، وهذا ما يعني أنه يمكن ملاحظة أن هذه النظرية لا تظهر وأنها تشكل حاليا مادة علمية كاملة وموحدة، ومع ذلك ولأجل إمكانية الفهم والشرح ورد الفعل، فإن المنظرين والمختصين في التنمية يجب أن يقوموا بتبني أفق أكثر انفتاحا وتعددية مع إدماج التطورات الحديثة في مجال المفاهيم والمنهجية التي ظهرت في العديد من التخصصات العلمية.

 

تطور الأبحاث في مجاال اقتصاد التنمية بعد الإطلاع على هذه التطورات، تمكنا من الوقوف على جملة من المساهمات الفكرية التي قدمها مفكرون، سواء الذين سبق ذكرهم أو آخرون استقوا من أفكار سابقيهم وقاموا بتطوير ذلك سعيا للتماشي مع روح العصر والعولمة الفكرية، وقد تجلى ذلك عبر:

 

1- إذا ما أخذنا منظور التيارات الفكرية الكبرى نجد أن المفاهيم نابعة من جذور النظرية النيوكلاسيكية، وقد أغفل من الناحية التطبيقية الأخذ وبصورة متبصرة بعين الاعتبار للعناصر غير الاقتصادية أو ما يعرف في اللغة الفرنسية ب:

les facteurs non économiques، مثلما لاحظ ذلك  IRCHMAN  ، وهذا التخصص أو المقياس قد ضيق بالذات أين كان المشكل يتطلب تبني أفق أكثر اتساعا، أكثر سياسوية، أكثر اجتماعية.

 

2- لاحظ BARNES أن الإنسان الاقتصادي يقدم طريقة للتحليل تقوم على أساس أنه في كل وقت أو في كل مكان فإن تشعب وتعقيد المسلمات والتسليم بها وبالتجديد الاقتصادي، فهذه تكون مضيقة على أساس الطابع العالمي الأزلي بخصوص اتخاذ القرارات العقلانية، وأن هذه الخصوصية المحددة تسمح باستنباط أكثر سهولة ويسرا.

 

3-  هناك مقابلات ثقيلة ووخيمة النتائج نظرا لبساطة ولباقة النماذج النيوكلاسيكية والمتمثلة في: جهل الحقائق والأفعال، الفهم السيئ للعملية الاقتصادية والاجتماعية كنتيجة طبيعية لتوصيات السياسات غير الواقعية (J.WINEIKI,1993).

 

4- تلح الفروع الأخرى للعلوم الاقتصادية على المزيد من مساهمة العناصر غيرا لاقتصادية مثلما عالج ذلك (J.S.MILL) الذي يركز كذلك على العناصر السيكولوجية المحبذة والمجندة لخدمة النمو الاقتصادي، أما NURSKE

فإنه يسلط الضوء على العناصر الاجتماعية والسياسية والتي على أساسها تقوم التنمية الاقتصادية بجانب تكوين رأس المال، لكن MYRDAL ينتقد ما يعرف بالتقليل الاقتصادي أو التقليصية الاقتصادية réductionnisme économique الذي تسعى نظرية التنمية إلى تبنيه وتنصح وتحث المحللين للتطلع والإطلاع على العناصر الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية، ومن جهة أخرى هناك الكثير من النيوكلاسيك يؤيدون فكرة احتواء وإدماج العناصر غير الاقتصادية أي إدراج المقاييس التاريخية والسياسية والثقافية لشرح النمو والتنمية الاقتصادية وهذا لا يؤدي بطبيعة الحال إلا إلى المساس بالصرامة والدقة العلمية لإطار عملها.

 

5- هناك بعض الانتقادات لبعض الاقتصاديين الذين اتهموا النيوكلاسيك بكونهم قد تموقعوا بطريقة الرفاهية في عالم فرضياتهم الأبدية والعالمية (الكونية) وكذلك الجوانب الرسمية لإمكانية الولوج في عالم أكثر فوضى وتشويشا بخصوص العمليات الاجتماعية الحقيقية وهو ما يطلقون عليه اسم أو وصف (الغرس الجيد)، يلاحظ أن الاقتصاديين يخشون أن يكونوا أو يظهروا بمظهر علماء الاجتماع (السوسيولوجيا)، هذا ما يجذبهم في الحقيقية، وهي الفرضية التي على أساسها يكون رد فعل جذري عبر محاولة إشباع لأفضلياتهم وهي وسيلة لا يمكن تصديقها من حيث القوة لأنه يمكن نمذجتها مثل ما يقول بذلك SCHULTZ، فالرئيس السابق للجمعية الاقتصادية الأمريكية والذي أثبته R.KUTTNER في مؤلفه الشهير باللغة الإنكليزية (the poverty of économies,1985) يعتبر من بين رواد فكر نظام الأفضليات.

 

6-  هناك عدد متزايد من المنظرين أي منظري التنمية الذين وصلوا إلى نتيجة مفادها أن النظرية النيوكلاسيكية قد ألحت أكثر وأعطت أهمية كبرى للتحليل التقني للمشاكل الاقتصادية والعلمية المجردة من حيث تحديد بعض مفاهيم التنمية التي تحاول ترسيمها وترسيخها في عمليات حقيقية والتي نجدها في بلدان الجنوب ذات مردودية فورية لرفاهية أكثرية أفراد المجتمع، هذا الانتقاد قد أوجد لبعض منظري التنمية نقاشا وجدالا كبيرا والذي أخلط أوراق مجموعة الاقتصاديين أكثر من مجموعة غير الاقتصاديين.

7-   

7- لا تختصر التنمية إلى مجرد نمو اقتصادي بسيط ولكن يستلزم كذلك تحولات أساسية في العلاقات الاجتماعية وفي المؤسسات، لأن التغير في العادات يجعل بالفعل من وجود العلاقات المتطابقة بين الطبقات والجماعات الاجتماعية ليس مجرد معنى جاف ولكن لا نختزل هذه العلاقات إلى أبسط تجميع واعتماد للسلوكات الضرورية للأدوار مثلما تسلم بذلك النظرية النيوكلاسيكية.

8- يلاحظ في البلدان السائرة في طريق النمو أن رؤوس الأموال الخاصة بقطاع العائلات سوف تبقى بأقل نسبة من حيث الوفرة، وسوف ننتظر دائما في أغلب هذه البلدان تعويل وإبراز لدور المنظمين الذين يساهمون في خلق قدرة استثمارية فعالة، وفي هذه الشروط والظروف فإن إجراءات تحفيز السوق يمكن أن تؤكد لا كفاءة وعدم فاعلية تحفيز الاستثمار في الرأسمال اللازم لخلق مناصب الشغل الإضافية وتولد تبعا لذلك مداخيل إضافية، هذا يعني أن رؤوس الأموال يجب أن تأتي من الخارج لإقامة ما يعرف باقتصاد السوق البارز والظاهر بمكانيزمات المنافسة وليس اقتصاد البازار والاستيراد بفضل الريوع التي دمرت كيان الكثير من البلدان النامية كونها تكبح خلق القيمة المضافة لصالح ما يعرف ومنذ عشر سنوات باقتصاد الرشوة واقتصاد التشيبا واقتصاد حاويات الدمى المتحركة.

 

مراجع البحث

أ- المراجع باللغة العربية:

1- د.أحمد هني، اقتصاد الجزائر المستقلة. الجزائر:

المؤسسة الوطنية للطباعة، 1994.

2- أنظر: لخضر عزي، ترجمة وعرض وتعليق حول كتاب: الجزائر بين الاقتصاد الصاعد واقتصاد الريوع، مجلة الشهاب، أكتوبر، 2004.

3- أنظر: لخضر عزي، الجباية البترولية في الجزائر، مجلة فلسطين، كولومبيا، جوان، 2003.

4- راجع: لخضر عزي، محمد يعقوبي، الشراكة الأورومتوسطية، مجلة العلوم الإنسانية، بغداد-السويد، أكتوبر، 2004.

5- د. محمد الشريف إلمان: محاضرات في التحليل الاقتصادي الكلي. الجزائر: منشورات بيرتي، 1994.

6- د. محمد الشمري، محاضرات في النظرية النقدية والسياسة النقدية. عمان:  دار مجدلاوي، 1999.

 

ب- المراجع باللغة الأجنبية:

 

1- Hocine, Ben Issad: l'ajustement structurel au

Maghreb, opu, Alger,1998.

2- Hamid, Temmar: les explications théorique de

l'inflation, opu, Alger, 1983

3- Ali, Toudert: cours de monnaie et de répartition,

opu, Alger, 1983.

4- voir: professeur: Mohamed Yagoubi, thème sur les

courants théoriques de l'économie de développement,

travail de réflexion non publie, M'sila, 1999.

5- A.O HIRSCHMAN: the rise and delaine of development

economies," Essays in trespassing Economies to

politics", Cambridge University Press, 1981.

6- P.Steidi: the paradox of poverty,Cambrigde

University Press, 1987.

7- Hirschman: Dirty hands versus clean models, theory

and society, 1987.

8- K.Havenik: the IMF and the world bank in Africa,

institute of African studies, 1987.

9- Voir professeur Mohamed Yagoubi, théories de la

croissance économique avec référence à l'Algérie,

séminaire national sur les politiques économiques,

centre universitaire Mohamed Boudiaf, M'sila, 1998.

10- S.Bitar: neo- conservation versus neo-

structuralism in Latin America, CEPAL, 1988.

11- B.Balassam: the lesson of east Asian develop, and

an over Econo, eco deve, 1988.

12- S-Rachid: Economies and study of its past, world

development, 1988.

13- S.Chaleravaty: development strategies for growth

equity in the South Asian experience, Asian

development review, 1990.

14- T.J.Biersterker: reducing the role of the state in

economies a conceptual exploration of IMF and world

bank, international studies Quartly, 1990.

15- A.H.Sonjee: development theory critiques and

Explorations, Basing stoke, Macmillan, 1991.

16- H.Steim and E.W.Nafziger: structural and

adjustment human needs, journal of modern studies,

1991.

17- T.J.Barnes and others: is there a place for the

rational actor?, economy Geography, 1992.

18- R.Wade: Managing trade: Taiwan and south Korea as

challenges to economics and political science,

comparative politics, 1993.     

 

ارسل الصفحة الى صديق العودة الى صفحة المرصد للاتصال بنا اطبع هذه الصفحة