التخطي إلى المحتوى

بقلم : السيد يسين 

لم يكن من قبيل المصادفة أن يخصص عالم الاجتماع السياسي الأمريكي مانويل كاتسلز جزءا خاصا من مؤلفه الجامع العصر المعلوماتي الاقتصاد والمجتمع والثقافة لموضوع الهوية في مواجهة العولمة‏.‏

وهذا الكتاب الذي نشره مؤلفه عام‏1996‏ يعد أهم مرجع صدر حتي الآن عن مجتمع المعلومات العالمي حتي أن بعض كبار العلماء الاجتماعيين يعتبرون مانويل كاستلز هو كارل ماركس القرن الحادي والعشرين وذلك علي أساس أن كارل ماركس هو أكبر منظر للمجتمع الصناعي الرأسمالي‏,‏

في حين أن كاستلز هو الوحيد الذي استطاع أن يصوغ نظرية عامة تأليفية عن قوانين عمل مجتمع المعلومات العالمي وهو المجتمع الذي شهدنا بشائره منذ الثمانينيات بحكم أن المجتمع الصناعي يعد مرحلة تاريخية وصلت إلي منتهاها من ناحية‏,‏ وتحت تأثير عمليات التراكم الصناعية والتكنولوجية والاجتماعية والتي عمقت منها الثورة الاتصالية الكبري والتي جعلت العالم في حالة اتصال دائم لأول مرة في تاريخ البشرية‏.‏

وكتاب كاستلز يتكون من ثلاثة أجزاء منفصلة وإن كانت مترابطة ترابطا وثيقا‏,‏ الجزء الأول عنوانه المجتمع الشبكي‏TheNetworkSociety‏ ويعرض فيه الملامح الاساسية للمجتمع العالمي الجديد من زاوية بنيته السياسية والاقتصادية والاتصالية‏.‏ أما الجزء الثاني فعنوانه قوة الهوية ويعرض فيه لمختلف أنواع الهويات‏Identites‏ التي عبرت عن نفسها في مواجهة العولمة‏

والجزء الثالث والأخير عنوانه نهاية الألفية وتحدث فيه عن أزمة الدولة الصناعية الجامدة وسقوط الاتحاد السوفيتي وما ترتب علي هذا الحدث التاريخي المهم من تداعيات سياسية واقتصادية وثقافية‏,‏ أهمها صعود العالم الرابع وبروز الرأسمالية المعلوماتية وتصاعد معدلات الفقر وما تبعه من عمليات استبعاد اجتماعي‏.‏

إشكالية الهوية
ونريد أن نركز علي إشكالية الهوية ـ كما عرض لها كاستلز ـ وخصوصا في مواجهتها للعولمة‏.‏

ونقطة البداية عنده أن عمالنا وحيواتنا تشكلها في الوقت الراهن الاتجاهات المتصارعة للعولمة والهوية‏,‏ وذلك علي أساس أن ثورة تكنولوجيا المعلومات وإعادة صياغة الرأسمالية المعاصرة في ضوئها أدت إلي بروز صيغة جديدة للمجتمع العالمي هي ما يطلق عليه المجتمع الشبكي وهذا المجتمع أثرت في صياغته الانشطة الاقتصادية والاستراتيجية المعولمة ومن بين تجليات هذا المجتمع مرونة العمل كنشاط إنساني وعدم استقراره وكذلك تفريد العمالة‏.‏

وثقافة هذا المجتمع تستمد مسمياتها من عالم افتراضي‏Virtuel‏ خلال نسق إعلامي يتسم بنفاذه إلي كل ارجاء الكون ويتسم بأن وحداته المكونة متصلة ببعضها البعض اتصالا وثيقا ورسائله بالغة التنوع في نفس الوقت وهل ينكر أحد أن النظام الإعلامي العالمي برسائله السياسية والاقتصادية والثقافية أصبح يؤثر علي قيم وعادات واساليب الحياة لملايين البشر الذي ينتمون الي ثقافات جد متنوعة؟‏.‏

وقد أدت العولمة بتجلياتها المختلفة إلي تغيير الأسس المادية للحياة مما أدي إلي تغيير مفاهيم المكان والزمان وذلك نتيجة تشكيل فضاء للتدفقات‏Flows‏ في مجال السياسة والاقتصاد والثقافة‏,‏ مما غير من مفهوم الزمن ذاته‏,‏ وذلك كله تعبيرا عن الانشطة السائدة التي تسيطر عليها نخبة عالمية مسيطرة‏.‏

وهذا التنظيم الاجتماعي في صورته الجديدة والذي تولد عن العولمة انتشرت ملامحه في مختلف البلاد‏,‏ تماما مثلما انتشرت الرأسمالية الصناعية في القرن العشرين التي غيرت من سمات المؤسسات وطبعت الثقافات المتنوعة بطابعها المتميز وهذه الرأسمالية الصناعية كما نعرف من سجلات التاريخ خلقت الثروة التي تمتعت بها طبقات اجتماعية محدودة‏,‏ كما ولدت الفقر الذي سيطر علي طبقات اجتماعية عريضة‏,‏ وأذكت روح الجشع في الوقت الذي شجعت فيه علي التجديد‏.‏ لقد أدت الرأسمالية مع كل ايجابياتها المعروفة إلي فرض مصاعب لاحدود لها بالنسبة لحياة الملايين وأشاعت بينهم روح اليأس‏.‏

غير أن التاريخ المعاصر وخصوصا في ربع القرن الأخير‏,‏ وبعد تدفق موجات العولمة‏,‏ ظهرت تغييرات شتي عن الهويات الجماعية التي تسعي لتحدي العولمة والنزعة إلي الكوزموبوليتانية‏(‏ العالمية‏)‏ وذلك باسم التفرد الثقافي أو ما يطلق عليه عادة بالخصوصية الثقافية في محاولة لسعي الجماهير العريضة للسيطرة علي حيواتها وبيئاتها‏.‏

وتغييرات الهوية التي نتحدث عنها كرد فعل للعولمة بالغة التعدد والاختلاف بحكم فرادة الجذور التاريخية لكل تعبير من تعبيرات الهويات الجماعية‏.‏

وتضم هذه الحركات تيارات ثقافية تهدف الي تغيير طبيعة العلاقات بين البشر مثل التيارات النسوية‏,‏ أو الاتجاهات البيئية‏,‏ التي تريد إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة‏,‏ وهو موضوع بالغ الأهمية بالنسبة لبقاء الجنس البشري ذاته‏.‏

وهذا الموضوع له أبعاد شتي صناعية وتكنولوجية وثقافية وقبل ذلك أبعاد سياسية تتعلق بصميم العلاقات الدولية في عالم اليوم‏,‏ ويشهد علي ذلك الصراع الحاد بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية حول حتمية ضبط المناخ العالمي وحماية الكون من التلوث وهو ماصيغت بشأنه معاهدة كيوتو

غير أنه بالإضافة إلي هذه التيارات الثقافية مثل النسوية والبيئية هناك تشكيلة كاملة من التعبيرات عن الهويات كرد فعل للعولمة التي تريد أن تفرض مقاييس موحدة علي العالم‏,‏ وبغض النظر عن التواريخ الاجتماعية المتعددة للبلاد‏,‏ أو بتجاهل الثقافات المختلفة وهذه التعبيرات الثقافية عن الهويات الجماعية قد ترفع شعار الدفاع عن الله سبحانه وتعالي‏,‏ أو الدفاع عن الأمة أو عن عرق من الاعراق‏.‏

وفي خضم هذا الصراع العنيف بين هذه التيارات المتعارضة فإن الدولة القومية‏NationState‏ تجد نفسها في مأزق‏,‏ وهذه الدولة قامت علي أساس فكرة السيادة التي تهددها بشدة العولمة بمؤسساتها الاقتصادية المتنوعة وعلي رأسها الشركات العابرة للقارات ومنظمة التجارة العالمية‏.‏

كل ما سبق كان مجرد مقدمات حاولت أن ترسم بإيجاز شديد ملامح عصر المعلومات العالمي‏,‏ من زاوية بروز نمط اقتصادي جديد هو الرأسمالية المعلوماتية وتشكل بنية اجتماعية مستحدثة للمجتمع العالمي وبروز تيارات ثقافية علي اتساع الكوكب تسعي إلي الدفاع عن هويات جماعية متعددة‏.‏

في ضوء ذلك يمكن القول إن موضوع الهوية هو من بين الموضوعات الكبري التي تحتاج إلي تحليل نقدي‏,‏ غير أن هناك مشكلات نظرية ومنهجية متعددة تواجه الباحث في تصديه لهذا الموضوع‏,‏ ولعل أهمها جميعا تعدد أنماط الهويات سواء داخل الدول الصناعية المتقدمة أو داخل الدول النامية‏.‏

وهكذا نكون قد دخلنا إلي غابة إشكاليات الهوية التي تحتاج إلي معالجات أخري أكثر تفصيلا‏.‏

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *