التداول السلمي للسلطة! العدد 84 / 2006 - 10 - 01

 

جواد البشيتي

 

للسياسة دائما وجهان، وجه أرضي ووجه سماوي؛ ولكن القول بذلك لن يجعلنا منتمين إلى العالم الواقعي والحقيقي للسياسة إذا لم نفهم وجهها السماوي، على علوِّه وسموِّه، على أنه المرآة، التي لن نفهم أبدا ما فيها من صور إذا ما ضربنا صفحا عن حقيقة أنها لا ترينا إلا ما تراه هي في الواقع. قلت هذا، وأقول به؛ لأننا كثيرا ما فهمنا شعار "الإصلاح الديمقراطي" لمجتمعاتنا العربية، مع أنظمة الحكم فيها، فهما مغرقا في المثالية السياسية، وكأن الديمقراطية، نمط عيش ونظام حكم، هي شيء يمكن فهمه، أو يمكن أن تقوم له قائمة، في خارج الصراع، وبمنأى عنه، مع أن الديمقراطية في تاريخها، في نشأتها وتطورها، كانت جوابا عن سؤال، ننساه أو نتناساه، نجهله أو نتجاهله، هو: لمصلحة من، وضد من، يُؤخَذ بها؟ الديمقراطية ليست بالشيء الذي يختلف في خواصه الجوهرية عن السلطة، التي ليست بالشيء، الذي ينشأ ويتطور، بمنأى عن المصالح الواقعية، وصراعها، فالسلطة، في المقام الأول، إنما هي مصلحة واقعية حقيقية، وخوض دائم للصراع من أجلها، والذي هو وحده الميزان الحقيقي الذي نزن به حاجتنا إلى الديمقراطية، كما ونوعا.

 

وإذا كان من مقياس نقيس به منسوب الديمقراطية في حياتنا السياسية فهذا المقياس إنما هو "التداول السلمي للسلطة"، فالديمقراطية ليست سوى السلطة في "تداولها"، وفي "سلمية تداولها". إنها ثلاث كلمات ننسج منها هذا المبدأ الديمقراطي الأول والأعظم.. مبدأ "التداول السلمي للسلطة". ويكفي أن نمعن النظر في المعاني الحقيقية للكلمات الثلاث تلك حتى نستنتج أن "الديمقراطية العربية" لم تنشأ بعد، حتى يصبح جائزا الحديث عن تطويرها وتنميتها وتوسيعها.. وحتى يصبح جائزا، أيضا، الحديث عن "الإصلاح" الديمقراطي، فأنتَ لا تصلح شيئا لا وجود له!

 

يريدون لنا أن نتداول، سلما، "السلطة"؛ ولكن أين؟ حيث لا أثر يُذكر للسلطة الفعلية الحقيقية. السلطة، في معناها الديمقراطي الذي لا خلاف ولا جدال فيه، هي "القرار" يُصنع حيث يتركَّز "التمثيل الديمقراطي" للشعب، بكل ميوله واتجاهاته وقواه وأحزابه، فما هي الأهمية الديمقراطية والسياسية لهيئات التمثيل الشعبي المنتخَبة، كمثل البرلمان، إذا ما تُرِك لها من السلطة الفعلية ما يُعْجِزها عن حل مشكلة عائلية؟! ما هي الأهمية الديمقراطية والسياسية لبرلمان، أو لمجلس يسمى باسم الشعب كما تسمى بعض القصور الرئاسية، إذا كانت عيونه لا تبصر، وآذانه لا تسمع، وأسنانه لا تقطع، وأياديه لا عمل تجيده سوى أن تقول "نعم"، بالرفع أو التصفيق؟!

 

لقد أخذوا بالخيار الديمقراطي، فابتنوا للشعب هيئات حكم لا تملك من السلطة الفعلية إلا ما يُظْهِر الديمقراطية على أنها لبوس ترتديه ظاهرة "اغتصاب السلطة"، التي هي أُمُّ الظواهر السياسية في عالمنا العربي. وهذا النزر من السلطة الفعلية الممنوح للبرلمان، ولغيره من هيئات الحكم التي أقاموها للشعب، وعن الشعب، والذي يُظْهرونه في الدستور على أنه "السلطة.. كل السلطة"، هو الذي يدعون إلى تداوله سلما، وكأن لَحْم السلطة لهم، وعَظْمُها للشعب والمجتمع!

 

إنَّ الديمقراطية، في مبدئها الأول والأعظم، هي "التداول السلمي (الحزبي) للسلطة"؛ ولكن هذا المبدأ يظل كمثل ظل فقد جسمه إذا لم يأتِ القول به، مع ممارسته، بَعْدَ، وليس قبل، إنهاء ظاهرة "اغتصاب السلطة"، التي تتلفع بأجمل الثياب، التي بعضها سماوي وبعضها أرضي. قبل، ومن أجل، "التداول السلمي للسلطة" لا بد من وضع السلطة الفعلية بين أيدي من يحق لهم، ديمقراطيا، امتلاكها. والقول بذلك إنما هو عينه الجواب عن سؤال "لمصلحة من، وضد من، نريد الديمقراطية، أو نأخذ بالخيار الديمقراطي؟". ولا ريب في أن الديمقراطية التي لا ترضى عنها الحكومات العربية، والولايات المتحدة، وإسرائيل، هي الديمقراطية التي تحتاج إليها شعوبنا ومجتمعاتنا، وهي عينها الديمقراطية في موطنها الأصلي الأوروبي، والتي تتحدانا أن نوطِّنها، مع قيمها ومبادئها، عندنا.   

 

ارسل الصفحة الى صديق العودة الى صفحة المرصد للاتصال بنا اطبع هذه الصفحة