الزمن في بعض الروايات المحلية - دراسة نقدية العدد 88 / 2007 - 02 - 01


بقلم : د . محمد أيوب


لا أعتقد أن الحدث أي حدث؛يمكن أن يقع خارج إطاري الزمان والمكان،ولما كانت الرواية فناً يقوم على الأحداث أساساً؛فإن أي عملٍ روائيٍ لا يمكن أن تقوم له قائمة، أو أن يكون له وجودٌ بعيداًعن عنصر الزمن؛الذي هو ركنٌ أساس من أركان القصة كما يؤكد فورستر.فالفن الروائي فنٌ يعتمد على الزمن مثله في ذلك مثل الموسيقى،والزمن في الأعمال الروائيةليس زمنا ًواحداً أو متجانساً،فهناك زمن الكاتب،وزمن الكتابة ، يقابله زمن القارئ ، وزمن القراءة ، وهناك زمن الحكاية،،هذه الأزمان تتفق فيما بينها وتفترق ، تختلف وتأتلف،ومع ذلك يظل لكل حالة زمنيةٍ خصوصيتهاالتي تميزها عن غيرها، فزمن الكتابة يختلف عن زمن الكاتب؛وهو يساوي الفترة الزمنية اللازمة لسرد أحداث العمل الروائي،وقد يطول هذا الزمن أو يقصربغض النظر عن طول العمل الأدبي أو قصره،ويعود ذلك إلى الحالة النفسية للكاتب وما يمر به من أحداث،فقد يحتاج إنجاز عملٍ ما إلى أشهر أو سنوات، وقد يستطيع الكاتب إنجاز هذا العمل في ظروفٍ مغايرة في مدةٍ أقل من ذلك بكثير،وكذلك يختلف زمن القراءة باختلاف القراءواختلاف نوعية القراءة،فالقراءة الناقدة تحتاج إلى وقتٍ أطول من قراءة التسلية،كما أن الظرف النفسي للقارئ يؤثرعلى زمن القراءة؛ فيطول أو يقصرتبعاً لهذا الظرف النفسي،والأزمان السابقة تختلف عن الزمن البيولوجي، والزمن النفسي، فالزمن البيولجي تتحكم فيه حاجات الإنسان وغرائزه،أما الزمن النفسي فقد يجعل الوقت طويلاً أو قصيراً تبعاً لحالة الإنسان النفسية،"إن زمن نفوسنا يختلف عن زمن الساعات."(1) وكل ما سبق يختلف عن الزمن التاريخي الذي يتسلسل تسلسلاً منطقياً حسب وقوع الأحداث.
ولاشك أن عملية السرد ترتبط بوشائج قوية ٍبزمن الحكاية ، وقد قسم عبد العالي بوطيب السرد إلى :
1ـ السرد اللاحق:الذي يبدأ بعد انتهاء الحكاية، حيث يكون السارد على علمٍ تام بتفاصيل متنه الحكائي.
2ـالسرد المتزامن : كما هو الأمر في حالة كتابة المذكرات.ولا أعتقد أنه بالإمكان وجود سردٍ متزامن بشكلٍ مطلق، فلا بد للسرد ـ مهما كان ـ أن يكون سرداً لاحقاً بشكلٍ أو بآخر،مع وجود فارقٍ في المدة الزمنيةالفاصلة بين وقوع الحدث ووقوع عملية السرد، ففي السرد المتزامن يقوم السارد بسرد أحداث كل يوم بعد انتهاء ذلك اليوم، في حين أنه في السرد اللاحق يقوم السارد بسرد الأحداث بعد إنجاز وقوعها تماماً.
3ـ السرد المساير: وفيه يساير السرد الأحداث زمنياًأو يكون هناك فارقٌ بسيط .(2) وعليه فإنه يمكنني بالفعل أن أجمل أشكال السرد في نوعين هما:السرد اللاحق والسرد المساير فقط، ولا حاجة إلى السرد المتزامن الذي هو مسايرٌ بشكل أو بآخر.
وقد يبدأ السارد سرده من بداية الأحداث إلى نهايتهابحيث تأخذ الأحداث بعضها برقاب بعض،في حين يلجأ آخرون إلى القص من نهاية العمل القصصي، أو من وسطه.(3) وقد اعتبر الزمن بحق؛الشخصية الرئيسيةفي كثيرٍ من أعمال بداية القرن الماضي، ومع ذلك فقد حاول البعض وضع بناءات عقليةخالية من الزمن.(4) وقد قام أنصار مدرسة الرواية الجديدة بتحطيم الزمن وإحلال المكان محل الزمان، على اعتبار أن وجود الأشياء في المكان أوضح وأرسخ من وجودها في الزمان.(5) والحقيقة من وجهة نظري أنه لاقيمة للمكان دون حركة تشعرنا بأبعاد هذا المكان، فالحركة هي التي تعطي الزمان والمكان قيمتهما،وعليه فإنه من غير الممكن الفصل فصلاً ميكانيكياًبين الزمان المكان؛ذلك أن الأحداث تقع داخل وعائي الزمان والمكان. يناقض ألان روب جرييه نفسه حين يتحدث عن العالم الذي تدور فيه أحداث الفيلم بأنه عالم عالم الحاضر المستمر، ويقول إن هذا الحاضريجعل الاستعانة بالماضي والذاكرةأمراً مستحيلاً،ومن حق المرء أن يتساءل:أليس الحاضر زمناً؟ فكيف يسقط الزمن ويلجأ إلى الاستعانة به في نفس الوقت؟كما أن السينما لجأت إلى ما يطلق عليه (الفلاش باك) لاسترجاع أحداثٍ ماضية وقعت لشخصيلت الفيلم.ورغم ذلك يرفض " ألان روب جرييه"أن يكون الزمن شخصيةً رئيسية في الكتاب أو الفيلم.(6)
وفي هذه الدراسة سأعرض لأربعة أعمالٍ قصصية،اثنان منها للكاتب عزت الغزاوي همارواية "الحواف" وقصة سجينة التي صنفها الكاتب على أنها قصة قصيرة، وأنا أرى أنها تحمل في ثناياهابذور روايةٍ ناجحةٍ،أما العملان الآخران فهما :رواية " العربة والليل" ل"عبد الله تايه،و"الخرج من الدائرة"للدكتورسمير شحادة، والذي صنفه على أنه مجموعةٌ قصصية ، مع أنه في نظري رواية،وقدأشرت إلى ذلك في مقالٍ لي نشر في جريدة الفجر المقدسية بعد صدور هذا العمل بفترةٍ قصير،وسأبدأ برواية الحواف ،لأن الكاتب لجأ إلى زمنٍ يمكن أن أسميه بالزمن المتعرج أو الزمن المتكسر، فهو ينتقل من الواقع إلى الماضي، ومن الحاضر إلى المستقبل، فقدلجأالكاتب إلى الكثير من الاسترجاعات الداخلية الخارجية، أي أنه لجأ إلى ما يطلق عليه "عبد العالي بوطيب" الاسترجاع المزجي.(7)
الزمن في رواية "الحواف":
تبدأ الرواية بهذه العبارة:" انتظرناه طيلة ساعات الليل ، عله يأتي ، كنا نحن الثلاثة نظن أنه لا بد أن يأتي و لو لدقائق معدودات " هذه العبارة تحمل في طياتها الكثير من مؤشرات الزمن النفسي ، فالانتظار في حد ذاته عامل نفسي يوحي بأهمية الشخص المنتظر ، وهم يتوقعون حضوره ولو لفترة قصيرة ولكن الليل يوشك على الانتهاء دون أن يحضر ولعل ذلك يذكرني بانتظار جودو الذي لن يأتي، وهم ينتظرون شخصاً لم يروه من قبل، ومما يزيد من العامل النفسي للزمن الليل و زخات المطر،كل هذه العوامل الانتظار والليل والشتاء تلون الزمن بألوان نفسية تشد القارئ لمتابعة ما سيحدث، والذي هو بلا شك على قدر من الأهمية جعل ثلاثتهم : الراوي و فؤاد و نادر ينتظرون قدوم ذلك المجهول، و قد حدد لنا الراوي بداية زمن الحكاية بتاريخ 25/1/1988.ندرك ذلك من خلال الورقةالصغيرة التي تركها المدعو(ع) والتي يطلب فيهامن فؤاد أن يشربوا أربعتهم القهوة عند رأفت في المساء دون تحديد للساعة، وعندما يستطرد السارد في عملية السرد يلجأ إلى الاسترجاعات الخارجية يقول :" قبل ثلاث عشرة سنة فقط كنت ابن المخيم، ليس هذا المكان بالذات ، لكنني عرفت ماذا يعني أن تكون المياه هاربة وسط الشوارع الضيقة. " (8) الراوي هنا يشدنا خارج زمن الحكاية ليقدم لنا بطريقة غير مباشرة العوامل التي دفعته إلى النضال من أجل تغيير الواقع .
كمايعود بنا الكاتب إلىعام 1970 حيث كان في الأردن، ويشيربذلك إلىعامل آخرمن عوامل مكوناته النفسية، فقد كان في الأردن عام( 1970 )ويترك للقارئ تحليل ما يترتب على هذه الكينونة ، يقودنا الراوي بعد ذلك إلى بيروت( 1971 )حيث يهاجر الجميع و حيث الوجود الفلسطيني هناك هو البيت الآخر.(9) وفي بعض الحالات يترك السارد مهمة السرد لسروة التي تعود بنا إلى أيام كانت في السابعة من عمرها و قد عادت من المدرسة تسوط ظهرها
قسم عبد العالي بوطيب الاسترجاع إلى:
أ ـ استرجاع داخلي: حيث يتوقف نمو السرد صعوداً من الحاضر إلى المستقبل، ليعود إلى الوراء(الماضي) قصد ملء بعض الثغرات التي تركها السارد خلفه شريطة الا يجاوزمداها حدود زمن المحكي الأول.
ب ـ الاسترجاع الخارجي: ويتم خارج نطاق المحكي الأول بهدف تزويد القارئ بمعلوماتٍ تكميليةٍ تساعده على فهم ما جرى وما يجري من أحداث.
ج ـ الاسترجاع المزجي: ويخلط بين النوعين السابقين.
شمس حزيران وتحمل في يدهاشهادتها،ثم تحدثنابعدذلك عن تل الزعترحيث غادرت المخيم مع عباس قبل أذان الفجروكانت ترتعش من البرد وهمايسيران بين الردم والكلاب، كما لجأ السارد إلىالاسترجاع الخارجي بتوضيح سبب اعتقال ابراهيم وفؤاد.(10) حيث قام إبراهيم بتفجير هائل في حزيران 78، كما لجأ السارد إلى التوقع بقوله: " عل هذا البحث عن عباس ينتهي ، هو الغائب الحاضر دوماً."(11) كما لجأ كما لجأإلى التوقع حين فكر بمقابلة صديقه القديم يقول :
" حاولت أن أرسم فروق ثلاثة عشرعاماً..الشيب وقليل من التجاعيد،السمنة وربما قصر النظر." (12) لكن توقع السارد لم يتحقق فالتوقع غيرالاستباق، فالتوقع قد يتحقق وقدلايتحقق، أما الاستباق فهوأمر يقع في إطارحدود الممكن الذي يمكن وقوعه، فقد وجدالسارد صديقه على خلاف الصورة التي رسمها له، فهو" لم تأخذ السنوات منه كثيراً.... وجهه مشدود تماماً على قوة دفينة." (13) وقد لجأ السارد إلى الاستباق عند زيارته للأردن يقول:"لا بد أن المدينة تغيرت كثيراً منذ 74 حيث أنهيت دراستي في الجامعة الأردنية..لا يمكن أن تكون شوارع المدينة كما كانت."(14) وهذا أمرمؤكد، فلا يمكن لمدينة أن تبقى أربعة عشر عاماً دون أن تتغير،والاستباق يتضح لنا هنا حين أدرك السارد مخاطر تصوير الفيلم عن المطاردين ، ولكنه لم يستطع تحذير ابراهيم فوزي أوالحديث معه، فوقع ما كان يخشاه واستشهد إبراهيم فوزي.وفي حالات قليلة لجأ السارد إلى الحذف، حيث وضعنا أمام بعض المشاهد دون أن يوضح لنا كيفية وقوع هذه المشاهد، وقد لجأإلى التفسيرلاحقاً كمافي الموقف الذي قدم لنافيه السارد فاطمة (منفوشةالشعرعاريةتماماً كما ولدتهاأمهابطنهاأكلته الكلاب، ورقبتهامجزورة بفأس."(15)وبعدأن يصدمنا الراوي بهذا المشهد يلجأ إلى الاسترجاع الداخلي ليوضح لنا كيف أن الجنود جاءوا ، فهرب الشباب ولم يجدالجنود سوى فاطمة يطلبون منهاإنزال العلم ، وعندما ترفض يأخذهاالجنودمعهم ، ثم يعودون بهابعدفترةليبدأ نسج الحكايات والاشاعات من حولها . (16)
ويكتشف إبراهيم فوزي الحقيقة،يقول إبراهيم فوزي للناس:"إن اثنين من أولادكم قتلا فاطمة في (مغارةالرعيان) بعد أن دنسا شرفها، ولقداعترفا أمام كل الشباب أنهما فعلا ذلك ونشرا حولها
الشائعات . " (17)علىأيةحال ، يمكن القول أن ما يميز رواية الحواف هو تكسر الزمن وتداخله ، فبعد خروج السارد إلىالأردن ، وبعدأن يتغير مزاج أذنيه أثناء صعوده لجبال السلط . (18) يرتد بنا إلى الداخل وقراءة جديدة للجغرافيا حيث يرينا إشارة خضراء كتب عليها المجدل 3كم تليها عبارة عبرية مقرونة بالرقم 5 ، يعود لينقلنا إلى واقعه من جديد فيخبرنا أنه راجع العناوين البارزة بسرعة مما جعله يشعر وكأنه غادر الضفة الغربية منذ فترة طويلة . (19) ولعل إشارة الكاتب إلى الشمس الغاربة أكثر من مرة يوحي بقرب غياب شمس الاحتلال بما في ذلك من إيحاء نفسي ، (20) وحين يخرج إبراهيم فوزي من السجن يقوم فؤاد باسترجاع خارجي لمشهد المحاكمة حيث تفتح أمامه قاعة المحكمة العسكرية كشريط .(21) وقد كان فؤاد يتخيل أن مدة السنوات التي قضاها إبراهيم في السجن لن تنقضي ، بل لعله كان يتمنى لهذه السنوات ألا تنقضي وألا يخرج إبراهيم من السجن ، لأن خروجه يشعر فؤاد بدونيته وتقصيره في حق من ضحى بنفسه و أنقذه ، وكذلك في حق أمه(أم إبراهيم) التي لم يرها سوى مرة واحدة .
يرى إبراهيم موسى أن عزت الغزاوي ينفتح على مساحة زمنية و تاريخية واسعة من حياة الشعب الفلسطيني ، (22) وأن التواريخ التي قدمها(1970/1976) لها قدرة على الإيحاء أو الإيهام بأن عالم الرواية هوعالم حقيقي، وهذا يجعل الرواية وإن اعتمدت على الواقع انزياحاً عن الواقع، لايطابق هذا الواقع المادي ولا يحاكيه،بل يفارقه. (23)
الزمن في قصة سجينة :
أما في قصته سجينة فقد ركز الكاتب على المكان بشكل واضح وقد ركز على المقبرة بشكل لافت للنظر، حيث ربط بينها و بين السجن في أكثر من موقف، و لكن الكاتب لم يهمل الزمان، فقد لجأ إلى تلوين الزمان بملونات مختلفة ، فقد حاول الاستفادة من الزمن النفسي، فقدجعل الليل والمقبرة ، جعلا أم صابرــ أثناء سيرها ــ تتخيل أن شيئاً من باطن الأرض يتقافز أمام عيونها ، " فأسرعت تتمتم بالحمد و التسبيح حتى شعرت بارتياح .. لكن الظلمة فوق القبور ، كانت توحي بالوحشة منذ أن سار صابر إلى الطريق المجهول " فوجود ابنها في السجن ، ووجود المقبرة في طريقها في الذهاب و الإياب واضطرارها إلى المرور من هذه المقبرة ، وخروجها ليلاً، و عودتها ليلاً أيضاً ، كل ذلك كان له تأثير واضح على أم صابر ، مما جعلها تتخيل أشياء لا وجود لها. (24) كما أن الزمان والمكان يصبحان وكأنهما غير موجودين بسبب تلهف أم صابر لرؤية ابنها، فهي تطوي بساط المكان والزمان بسرعة كبيرة مندفعةًنحوالسجن علها تقابل ابنها وتبل شوقها برؤيته.(25) ولم يعد للشجرة الرابضة على طريق أم صابر سوى بضعة ومضات وإشارات في الذاكرةفهي تذكرذلك اليوم الذي نزلت فيه لتشتري الكفن لزوجها، ويوم ودعت صابر عند ذهابه إلى الجامعة في المرة الأولى، كما تتذكر أنها وقفت تحت هذه الشجرة وهي في الرابعة عشرة من عمرها عدة ساعات قبل أن تأتي سيارة لتنقلها إلى المدينة مع أمها لشراء حاجات العرس. (26) وقد تم كل ذلك من خلال عملية استرجاع خارجي أثاره وجود هذه الشجرة على طريقها في ذهابها وإيابها . كما أن يوم الأربعاء يصبح له طعم خاص لأنه اليوم الذي تزور فيه صابر .
وقد استفاد الكاتب من عملية الاسترجاع في سد بعض الثغرات التي تركها خلفه أثناء السرد ليوضح للقارئ بعض الأمور الضرورية ، هاهي أم صابر تسترجع صورة ذلك الشاب القوي الهادئ و تتمنى أن يعبر كالغيمة لا تراه عين تؤذيه ، وهي تتذكر مداعبته لها عندما قال لها مازحاً : تتزوجيني يا أم صابر؟! (27) يقول لهاذلك بعد أن سألته عن سبب عدم زواجه، فيخبرها أنه تزوج نفس المرأة التي تزوجها صابر كما لجأ الكاتب إلى الاسترجاع ليوضح لنا مصيرعايدة التي نصحت أم صابرألاّ تذهب إلى السجن ذات يوم من أيام الاضرابات ، فإذا هي تدخل السجن وهي حامل ، بعد أن أخذوا زوجها بعد ثلاثة أيام من زواجهما . تتخيل أم صابر صورة عايدة و هي تضع الملاءة على وجهها أثناء انتظار عودة الطفلة - ابنة عايدة - من السجن . (28) لكنها بعد شرودها وتذكرها لعايدة ترتد إلى الواقع فتدرك" أن صمتها الطويل وشرودها سوف يثيران كثيراً من التساؤلات." (29) وأخيراً يأتي الجنود ومعهم الطفلة ابنة عايدةلتعيش في كنف أم صابر،هذه الطفلة (رجاء) تغط في نومٍ عميق بمجرد أن يذهب الجنود وتتحررمن الأسر،وكأن كابوساً قد انزاح عن صدرها،حيث تسقط على يد الرجل النائم فيتململ ويحتويها بين ثنايا الشرشف . (30)
وفي بعض الحالات يلجأ الكاتب إلى الحذف الصريح والمحدد، يقول الراوي:"منذ ثلاث سنوات أو يزيد، وهي تمشي نفس الطريق، لكنها لم تكن لتدري ما الذي تضمه تلك المحلات التجارية وراء أبوابها، فقد كانت تمشي في الشارع في الصباح الباكر، وفي طريق عودتهاإلى القرية لاتفطن أبداً إلى شيء ." (31) فقد حذف الراوي كل ما مرت به أم صابر خلال السنوات الثلاثة السابقة ، ولم يقدم لنا سوى خلاصة محدودة جداً لأحداث هذه السنوات. كما يظهر الحذف في مكانٍ آخرحين يسأل الإمام أم صابر عن موعد وصول الطفلة فتجيبه أنها ستأتي قبل الظهر،وأن الجنودسيأتون بها،ولا يحدثنا الكاتب عن كيفية حدوث ذلك،أوكيف أنهت أم صابر إجراءات استلام الطفلة وإخراجها من السجن. (32)
وقد لجأ الكاتب إلى التوقع وهو نوعٌ من السرد خاص بالمستقبل الذي قد يحدث وقد لا يحدث ، فأم صابرتتوقع أن ترى ابنها ، تتخيل ذلك وهي في طريقها إلى الزيارة ، " فالهدوء مقبرةٌ كبيرةٌ لاتأوي (هكذا) أحدا ً.. كانت دائماً أول من يصل ، اليوم الأربعاء ! إنها تراه كل أربعاء ، وتعيش من أجل كل أربعاء ، مدت يدها بحركةٍ غريزية ٍإلى السلة التي استراحت في حضنها راجعت محتوياتها .. ثلاث بيضات بلدي ، رغيف زعتر ، ملابس داخلية ، البنطلون المفضل.. كل شيء ، راقت لها الهدية ؛ فابتسمت برضى ، طافت بعينيها أرجاء المبنى الكبير ذي النوافذالصغيرة ، كل النوافذ اختفت وراء النور والعتمة ، ولم يحن الوقت بعد ، لكنها ستراه . (33) ولعل الفقرة السابقة تذكر القارئ الفلسطيني والمصري الذي يقطن الساحل بأربعاء أيوب ـ أيوب رمز الصبروالإيمان بقضاء الله وقدره ـ والذي تم شفاؤه في يوم الأربعاء ، لتعود زوجته فتجده سليماً معافى من أي مرض.
كما تتوقع أم صابر أن تنال أمنيةً غاليةً على نفسها، أن تحج إلى بيت الله الحرام ، وترى نفسها بعين الأمل وقد أدت هذه الفريضة، و"تبكي أم صابر، وتلتف حولها النسوة مهنئات ، ودموع الفرح تتفجر كانها أعوام صمتٍ ثقيلة ٍ، والشباب يزفون صابر، وصابر فوق الفرس البيضاء ، يبتسم بثقة ٍ، والبيت من ورائه يرف بأصوات الصغار يأتون على موعد .
لكن أم صابر أدركت بحزن أن طريق المسجد القديم لم تعد هي الطريق .. إنها على الأقل لاتراهابنفس العين المتلهفة الحائرة ، لذلك لم تلق سوى نظرةٍ عابرةٍعلى بداية الطريق الغارقة بظلال العمارات الشاهقة ."(34)
نلاحظ أن الراوي يتنقل بنا من موقعٍ زمنيٍّ إلى موقعٍ آخر ، فمن التوقع الذي قد يتحقق وقدلا يتحقق،ينقلنا الراوي إلى الواقع مرةً أخرى ليصدمنا بمقارنةٍ تجري في ذهن أم صابر بين واقع الاحتلال وواقع ما قبل الاحتلال ، إنه يمزج الزمن ، يمزج بين الحاضروالماضي والمستقبل ، عن طريق الاسترجاع والتوقع،يتوسط بينهما الحاضر بمرارته وإيلامه،ويصر الراوي على تأكيد حالة التوقع عند أم صابرمن خلال الحوار التالي :
" ـ إن شاء الله تزورين قبر النبي يا أم صابر!
ـ متى.....؟
ـ عندما يخرج صابرمن السجن بإذن الله."(35)
أما الاستباق فيقدمه لنا الكاتب على شكل نبوءة : " كانت الشمس الغاربة تملأ الساحة برائحة مساءٍ قادم ٍ." (36) فالشمس الغاربة ترمز إلى الاحتلال المد بِر ، ورغم ما قد يحمله المساء من معاني قد لا تبدو محببةً إلى النفس لما يليه من ليل ، وماقد يرمز له الليل ، إلاّ أن الليل يحمل في طياته معاني الراحة والسكينة والاستقرار، ويحمل في نهايته مهما طال ، بشائر صباحٍ قادمٍ أيضاً ، فمهما طال الليل فلا بد للصبح من القدوم ، ولابد للضوء أن يغمر الكون.
وتتخيل أم صابر ما ستقوله لصابر عند زيارتها له، فهي"لن تنسى بالطبع أن تحكي له عن أول حفلة زفا فٍ منذ خمسة أعوامٍ."(37)
في العبارة السابقة يمزج الراوي بين الاستباق والاسترجاع ، وكأنه جعل للزمن قطبان لا يفترقان : الماضي والمستقبل ، يربط بينهما الحاضر أو الواقع الملموس ، كما تتخيل أم صابرحديثاً آخر مع صابربعد تأخرها عن زيارته : " صابر يا ولدي ، تلك شهورٌ تمر قبل أن أزورك ، ولكنني مشغولة بابنة عايدة ، لو تدري كم تعذبت قبل أن يسمحوا لي بأخذها من أمها.. ستأتي اليوم طفلةٌ تملأ البيت.. رجاء ! اسمها (رجاء) ياصابر. " (38)
الزمن في رواية العربة الليل:
تدور أحداث رواية " العربة والليل " من خلال تيار الوعي داخل عربةٍ لنقل المساجين من سجن غزة المركزي إلى سجن بئر السبع ، حيث زمن النقل لا يتجاوز الساعتين ، لكن الراوي يعرض لنا أحداث الرواية من خلال تيارالوعي ، حيث يلجأ إلىالاسترجاع أو الحذف أوالتوقع أو الاستباق ، كما لجأ الكاتب إلى أسلوب تعدد الأصوات السردية ، وبالتالي عرض الحدث الواحد من خلال وجهات نظرٍ مختلفةً ، فتارة يكون الراوي هو أبو عزيز ، وتارةً يصبح نبيل خضر أو موشيه بن إبراهام ، وقد عرض كل سارد من هؤلاء الحدث من وجهة نظره ، وغاص في عمق الزمن ، وقد توزع الاسترجاع بين الاسترجاع الداخلي حيث يتذكر السارد أحداثاً ضمن المدة الزمنية لقصة اعتقالهم ، وقد يلجأ إلى الاسترجاع الخارجي ؛ فيغوص بعيداً إلى ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة ، ها هو أبو عزيز يسترجع ما جرى في المحكمة العسكرية ، يقول : " رشقناالحاكم العسكري للمحكمة بأحكام قاسية ." (39)
ويشدنا أبو عزيز من خلال الاسترجاع الداخلي إلى كيفية حدوث المشكلة ، يقول :
" نقلتهم إلى المخبأ.. كانت حليمة تعد الطعام لهم ، تأتيهم به عند الظهيرة ." (40) وهو بذلك يهيئ الأذها لتوقع ما قد يحدث لحليمة ولأولئك الذين تنقل لهم الطعام ، وبين فترةٍ وأخرى يعود بنا الروي إلى الواقع.. إلى العربةوالليل ، حيث ينظر من خلال زجاج العربة ، فلايرى إلاّ مستنقعاً من الظلام . (41)
ولعل استخدام الراوي لكلمة مستنقع يلون الزمن الذي هو الليل بلونٍ نفسيٍ معين يوضح طبيعة الظرف الذي يمر به المعتقلون ، وقد يصبح الراوي هنا مروياًعليه حين ينقل لنا ما حدثه به إبراهام ، يحدثه إبراهام عمّا حدث له في بغداد ، بعد أن يصف سقوط المطربغزارة ، وكيف أن العراقيين أجبروه على مغادرة العراق دون إرادته ، فتحمله إحدى الطائرات إلى فرنسا ، ومن مرسيليايتوجه إلى حيفا، حيث يموت والد إبراهام بعد أسابيع . (42) يعود الراوي بعد عملية التضمين هذه إلى الواقع حيث تتخلع العربة بهم فتصطدم قيودهم . (43) فقد لجأ الكاتب إلى تضمين حكايات صغيرة ضمن قصة كل سارد على حدة ، كماضمن قصة إبراهام خلال سرده لما وقع معه هو، حيث يعرض لنا تعاطف إبراهام معه, وأن المسئول طردهما معا، كما يعرض في موضعٍ آخر حواره مع موشيه بن إبراهام .
يخلط السارد استرجاعاته بالواقع ، والواقع بالتضمينات ، يقول أبوعزيز: " أوقفوني في الشمس ، وفجأة رأيتهم يشحطون جثة ، اقتربوا أكثر.. اقتربوا.. اقتربوا .. غير ممكن .. حليمة ؟ ! " ليعود الراوي بعد هذا الاسترجاع الداخلي ، فيخبرنا أن العربة التي تقلهم وصلت إلى ناحال عوز . (44)
يقدم لنا الكاتب بعد ذلك الحكاية من خلال ساردٍ جديد،حيث يتحدث لن نبيل خضرالذي يواجهنا من خلال واقع العربة ، فيقول : "يلاصقني أبو عزيز ، وحسن رباح ، وفتحي الراعي." (45) ثم يوضح لنا من خلال عملية استرجاعٍ خارجي على كيفية تعرفه على عزيز، يقول : " عرفت عزيز لأول مرة في مظاهرات أعياد النصر في مارس ، كان في ذلك الوقت في نهاية المرحلة الإعدادية ، يقود مظاهرة نظمها هو وزملائه (هكذا) في المدرسة ، وساروا من المخيم إلى ساحة اليرموك في غزة ." (46) وقد فات الكاتب والراوي معاً أنه لم تكن تحدث مظاهرات في شهر مارس ، فكل ما كان يحدث هواحتفالات ومهرجانات في ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بعد العدوان الثلاثي ، حيث غادر الإسرائيليون القطاع صبيحة يوم 7مارس (آذار) سنة 1957، بعد أربعة أشهرمن الاحتلال تقريباً.
ومن الواقع ينطلق نبيل خضر ، من الحاضر إلى الماضي حين يقول: " سقطت العربة من فكري ، فلم تعد تشغلني باندفاعها نحو السجن ، تعلق الزمان من عرقوبه كشاة ، وفرت الساعات من عقاربها.. فالسجن ليس شيئاًجديداً عليّ .. طالعني وجه الضابط في مركز المباحث العامة قبل حزيران.. تتمركز الذكرى في كرات الدم الحمراء ." (47)
وينتقل نبيل خضر من استرجاعٍ خارجي إلى استرجاعٍ خارجيٍّ آخر ، فيحدثنا عن دخوله إلى الخليل فجرا ً، ليعود إلى الواقع من جديدفيقول : "مدفع زميله ( يقصد يشعياهو زميل موشيه) لازال مصوباً نحونا ، يحاول أن يمنعنا حتى من التدخين والثرثرة ، يبدو أنه يرغب حتى في منعنا من التفكير." (48) ويعود بناإلى مركز المباحث العامة في غزة ، ليقفز إلى الواقع من جديد ، حيث تخترق العربة الظلمة ، بينما يرتفع صوت المذياع في المقدمة . (49) ومن الواقع يعود فينقلنا إلى استرجاعٍ جديد ؛ استرجاعٍ لما كان يمارسه الاحتلال من جمعٍ للرجال في ساحات المدارس تحت شمس حزيران ، في حين ينتشر الجنود حولهم ، يوزعون الشتائم واللعنات . (50)
يتغير السارد بعد ذلك فيطل علينا جندي الاحتياط موشيه يسأل نفسه عن سبب وجوده في أرضٍ ليست له. (51) ومن خلال عملية استرجاعٍ يحدثنا عن والده وأنه حذره من التهور ، ولكن الكاتب هنا يخلط بين موشيه ووالده إبراهام ، فبعد أن يكون المتحدث هو موشيه ، نجد كلاماً لإبراهام موجها ًإلى أبي عزيز، يقول : ماذا كان سيحدث لو بقيت أنا في وطني لم أطرد منه ، وبقيت أنت في وطنك . (52) ويستطرد إبراهام قائلاً : " و ذات مساء استدعوني إلى وحدتي ، حرب سيناء بدأت " (53)
يعود بنا الكاتب إلى موشيه الذي يقول : " في حين استشعر شيئاً هو تعاطفي معهم حين نهضت لتوي وأشعلت سجائرللمساجين الأربعة من علبتي ففرغت ودستها في حذائي " (54) وقد لجأ الكاتب إلى الحذف في أكثرمن موقف، يقول أبو عزيز " من الحقل والزراعة إلى الزنزانة. " (55) كما يقول : " بعد ساعات من وصولنا فتحت بعنف نافذة حديدية صغيرة في ذات الباب الحديدي الموصد ، صوت الحارس ينادي بعد أن سمعنا في مكبر الصوت تلاوة أسمائنا. " (56) كما لجأ عبد الله تايه إلى تقديم حدث كبير باتباع أسلوب تقديم الخلاصة حيث زمن وقوع الأحداث أكبر من زمن السرد ، يقول :" حرب حزيران ، القتل ، التدمير ، التصاق قطع القرميد بالأشلاء الآدمية ، يتلون القرميد بالدم ، فر بعض السكان إلى الأحراش المجاورة و البيارات ، صراخ ، ضجيج ، نباح كلاب مذعورة لا ينقطع ، دخان . " (57) وتكاد رواية العربة والليل تخلوا من أي توقع أو استباق ، اللهم إلا ما توقعه أبو عزيز من أن يتمكن من إرسال ابنه إلى الجامعة ليصبح طبيباً أومهندسا ً، وهو يدرك أن هذاالأمل قد يتحول إلى واقع ، و الأغلب أنه لن يتحقق بسبب فقرهم . (58) كما يمكن اعتبار إحساس أبي عزيز بأنه لن يمضي مدة محكوميته في السجن نوعاً من التوقع ، فهو يعتقد أنه " لا بد أن يصل قريباً أول خيط مسافر من الشمس ، ويصبح لنا دولتنا المستقلة كما ظل عزيز يردد. " (59)


الزمن في الخروج من الدائرة :
يحكي الدكتور سمير شحادة في" الخروحج من الدائرة " قصةتجربته الاعتقالية ، وقد صنف الكاتب هذا العمل على أنه مجموعة قصصية ، وكان الأجدر أن يصنفه على أنه رواية ، ذلك أن هناك شخصية واحدة تنتظم أحداث الرواية كما ينتظم الخيط حبات المسبحة ، هذه الشخصية هي شخصية الدكتور الذي نعرف فيما بعد أن اسمه نزار التميمي قد تعددت شخصيات وأحداث الرواية ، كما تلون الزمن بألوان مختلفة كما أن الكاتب اتبع في تناوله للزمن أساليب مختلفة تتراوح بين الاسترجاع والتوقع ، كما زاوج الكاتب بين الزمن النفسي والزمن التاريخي ، وقد تبدى لنا الزمن النفسي في عدة مواقف ، ففي بداية الرواية يقول الراوي :
" يا الله ! ما لهذه الليلة تبدو طويلة على غير العادة ؟! .. قالها بضجر واضح ، تقلب في فراشه ، فر النوم من عينيه " (60) هذه العبارة تضعنا في مواجهة شخصية البطل وهو شخصية قلقة تدرك ببصيرتها ما تحمله اللحظات الحرجة التي يمر فيها فهو ينتظر الاعتقال في كل لحظة ، و مما يؤكد قلق البطل العبارة التالية : " أوشك الفجر على الطلوع ، و ما زال غير قادر على النوم ، ماذا أصابه ؟ إنه لا يدري كل ما يدريه أنه قلق." (61) وبعد أن يدخل السجن " تمر الساعات بطيئة ثقيله، واللعبة هي اللعبة، والدائرة هي الدائرة والحدث هو الحدث، أربعة وعشرون ساعة"هكذا" تمر والكرسي اللعين مزروع في وسط الغرفة"(62) فالزمن أثناء عملية التعذيب يمر بطيئاً كئيباً، أبطأ مما يتصوره أي إنسان.
أما الزمن التاريخي فيعرض له الكاتب من خلال حوار يدور بين المحقق والدكتور، حيث يتحدث الضابط المحقق عن الأدب العباسي وعن حبه للشعر الجاهلي و العباسي محاولاً بذلك بث روح الطمأنينة عند الدكتور، وبعدهذاالتمهيد يستدرك محاولاً الوصول إلى هدفه، من خلال دس السم في الدسم ، يقول : " و لكن للأسف الشديد ، فهذا العصر و بالرغم من الترف والبذخ وكل مظاهر الاستقرار الاقتصادي و الاجتماعي ، لم يخل من المنغصات التي تمثلت في فتن هذا العصر، خذ على سبيل المثال،فتنة الأمين والمأمون و ثورة الزنج ، و القرامطة ، وغيرها ، وما ألحقته من دمار و خراب و نهب و سلب " (63) وكأن المحقق أراد من خلال هذا العرض للزمن التاريخي مقارنة ماتقوم به الثورة الفلسطينية بما كان يحدث أيام العصرالعباسي ووجه الشبه بينهما هو التخريب ، وكأن التخريب صفة ملازمة للعربي ، بعد هذا المدخل يقذف المحقق بالحقيقة دون رتوش أمام الدكتور ، يقول : " انظر هذا هو بيان رقم(6) ، فقد ضبطناه وانتهى كل شيء ولا فائدة من سكوتك أوانكارك أو مراوغتك في الكلام. (64) أما الاسترجاع فنجده في موقع واحد تقريباً حيث يخبرنا الراوي أنه" متأكد أنه يعيش حالة صعبة من الأرق والتعب ، بدأت تظهر علاماته عليه بعد صلاة العصر وما تزال، بدأت ساعة جاءه صديقاه " (65) بينما نجد التوقع في أكثر من موقع ، فقد " هدأ (الراوي) ، لمسةٌ ملائكيةٌ تداعب عقله ووجدانه ، وضوءٌ دافئ يغمر المكان ، عالمٌ جميلٌ يقفز أمام عينيه، ابتسم ، لف نفسه إلى جانب أم العيال، طرقات حادة على الباب ، وصوتٌ يعرفه جيداً، افتخ دكتور، افتخ ما تخفش . (66) ولم يلجأ الكاتب إلى الاستباق إلا في حالةٍ واحدة على شكل حلم يقظة ، فالبطل يتخيل ابنه أثناء وجوده في الزنزانة ، قدمه الراوي وقد"رفع يده يريد أن يحتضنه ويقبله كما كان يفعل دائماً، فقبضت يده على الفراغ ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فرك عينيه،نظر من حوله مراتٍ ومرات ، كانت صورهم قد تلاشت وما عاد يرى غير الظلام ."(67) فهو يأمل أن يخرج من السجن ، وأن يرى أبناءه الذين لاحقته صورهم من يومين أو ثلاثة ، لاتفارقه في نومٍ أويقظة ، وقد ظلت صور أولاده تلح عليه . (68) وعندما تصور أن تخيله لصور أبنائه سيضعفه ؛ قرر أن يبعدها عنه.
ويمكننا أن نلاحظ أن الزمن في الخروج من الدائرة يسير على خطٍ مستقيمٍ ومتصاعد ، ويكاد يخلو من أية انكسارات أوتعرجات ، فالأحداث تتابع بنفس الطريقة التي تتابع بها على أرض الواقع ، مما يؤكد ما ذهبت إليه من أن القصة هي تعبيرٌ عن تجربة الكاتب الاعتقالية ، فالأحداث تسير من ليلة الاعتقال ، إلى السجن ،إلى التحقيق،فالمحاكمة ، فعقد الصفقة التي خرج بطل القصة على أساسها من السجن .
ومن الملاحظ أن الأعمال السابقةـ موضوع الدراسةـ تكاد تخلو من أية وقفات ، فالوقفة هي عبارة عن عملية توقف السرد ، حيث يأخذ الراوي في وصف مكانٍ أو شيء معين ، وقد يأخذ هذا الوصف عدة صفحات ، فيتوقف تنامي الأحداث واطرادهاإلى أن ينتهي الكاتب من وصفه،كما أن الكتاب لم يكثروا من الحذف ، ذلك أن المساحة الزمنية للعمل الأدبي ضيقة بشكلٍ لا يسمح للكاتب أو الراوي بالقيام بأية عملية حذف،لذا فقد وجدنا أن الحذف في هذه الأعمال كان محدوداً جداً ، أما الاسترجاعات فكانت أكثر من غيرها ، لأن الكتاب لجأوا إليها من خلال تيار الوعي الذي يقدم لنا الأحداث السابقة داخل عقل الراوي أو الشخصية ، وتراوح الاسترجاع بين الاسترجاع الداخلي الذي يتقيد بحدود الزمن الروائي ، والاسترجاع الخارجي الذي لا يلتزم بحدود ذلك الزمن،بل يتجاوزه عمقاًإلى مساحاتٍ زمنيةٍ سابقةٍ ، وكأنه يريد أن يقدم لنا لوحةً نفسيةًكاملةللشخصية.وقد لجأ عزت الغزاوي بشكلٍ واضحٍ إلى عملية التضمين ، حيث ضمن روايته" الحواف"عدة قصص صغيرة عبر عن بعضها على شكل أحلام ؛ ليضع لنا الرتوش النهائية لللوحة التي رسمها لنا.


ارسل الصفحة الى صديق العودة الى صفحة المرصد للاتصال بنا اطبع هذه الصفحة