العراق الديموقراطي امام التحديات        العدد 89 / 2007 - 03 - 01

 

الدكتور اياد الجصاني                                                             

 

هل كان قدرُ العراقيين أن ينتظروا وصول هذا اليمين المحافظ الى السلطة في الولايات المتحدة الامريكية ، الذي اتبع سياسة المستحيل التي اشار اليها البروفسور غيوم في الجزء أ من هذا الفصل ، حتى يُكمل الرئيس جورج بوش الابن مخطط إسقاط نظام صدام حسين الذي بدأه الرئيس جورج بوش الاب عام 1991 ؟

ومهما كانت الاسباب من وراء احداث 11 سبتمبر ايلول عام 2001 الارهابية التي وقعت في نويورك وواشنطن في نفس العام الذي فاز فيه الرئيس جورج بوش برئاسة الولايات المتحدة الامريكية ، فان الادارة الامريكية لم تتردد في توجيه اتهاماتها الى نظام صدام حسين ، كما انها لوّحت بضرورة تطبيق مشروع الاصلاح الديموقراطي في المنطقة العربية وبدأت بالاعداد لشن الحرب على العراق التي اصبح وقوعها حتميا لبدء تطبيق المخطط الذي وضعه المحافظون الجدد ، بعد ان وجد الرئيس جورج بوش واعضاء ادارته ان لاسبيل الى التغيير والاصلاح الا الدخول بالقوة واقناع الشعوب العربية لاعادة النظر في انظمة الحكم فيها والاسراع في تطبيق مسيرة الديموقراطية خدمة لمجتمعاتها والمجتمع الدولي ولمصلحة الادارة الامريكية ايضا . واذا ما تم اختيار العراق ليصبح اول حقل للتجارب الامريكية في المنطقة العربية  بعد تعرضه للصدمة عندما شنت امريكا وحلفاؤها الحرب عليه في مارس آذار عام 2003  وأُسقط النظام الدكتاتوري فيه وفُتحت الابواب للعراقيين باقامة الدولة التعددية وتطبيق الديموقراطية ، فان صدى هذه الاحداث على الملايين من البشر في المنطقة اصبح دويه عاليا بفضل وسائل الاعلام الحديثة ، في الوقت الذي كانت فيه  هذه الشعوب تعيش في سبات طويل ولا تحلم بالتطور والاصلاح منذ قرون . فاليوم بدأ الناس يستخدمون الكومبيوتر ويتراسلون ويتخاطبون على الانترنت في كل مكان ويتحدثون عن حقوق الانسان وتعدد الاحزاب السياسية والفدرالية وموقع الدين في المجتمع الجديد والتعايش بين الاعراق المتعددة ومسئوولية الحكومة وكذلك عن البرلمان  والانتخابات ضمن مفهوم الديموقراطية القادمة اليهم عبر مشروع الاصلاح الديموقراطي الامريكي.

ولقد تعطل مجئ هذا المشروع الامريكي كثيرا منذ الصدمة الاولى في مشروع نابليون عام 1798 الذي غزا مصر وجاء بمفهوم اقامة الدولة الحديثة الى منطقة الشرق الاوسط التي رُحب بها آنذاك حتى في تركيا وايران.   ولكن هذه الدولة انقلبت الى عدوة على شعوبها واصبحت عميلة تابعة للغرب الذي كان من المفروض ان تقاومه كما ذكر لنا السماوي في الجزء أ من هذا الفصل . اما الصدمة الثانية ، فقد وقعت عندما غزت اوربا الاستعمارية عام 1918 العالم العربي بالكامل بعد ان احتلت جيوش بريطانيا العاصمة بغداد وجاءت بفكرة القومية التي عمّت المنطقة  وكان لها الكثير ممن  يؤيدها ويتبناها . ولكن  القومية هذه لم تستطع ان تحقق النجاح وانقاذ شعوب المنطقة ، عندما سارعت الى قيام الانظمة العسكرية التي تغذت على خرافة العلمانية .

وبعد انتظار طويل جاءت الصدمة الثالثة مع الاحتلال الامريكي للعراق والتي هي من نموذج مختلف تماما .ففي هذه المرة لم تأت القوى الغربية للتبشير بمفهوم الدولة ولا باسطورة القومية , بل بالديموقراطية التي غيرت كثيرا

في اصول اللعبة , عندما قدمت امريكا فكرة الديموقراطية واختارت العراق ليصبح البلد المثالي لتطبيقها في المنطقة العربية بعد القضاء على قمة الاستبداد فيه والعمل على إزاحة مؤسساته ومخلفاته على نحو تدريجي .

فهل ان الديموقراطية هي حقا العلاج الذي تحتاجه شعوب المنطقة لانقاذها مما هي عليه من امراض وتخلف واستبداد ؟ وهل ان الطريق اصبح ممهدا ومشجعا امام العراقيين والادارة الامريكية في تطبيق المشروع الجديد ، رغم كل التضحيات الكبيرة  والوضع المأساوي الذي وصل اليه العراق منذ ثلاث سنوات بعد الاحتلال ؟

في كتاب صدر لأحد منظري منظمة القاعدة بعد الاحتلال مباشرة يحمل عنوان : "مستقبل العراق والجزيرة العربية  بعد سقوط بغداد " ، قال فيه :" لقد اصبح العراق الميدان الاكبر لمعركة الاسلام ضد الكفرة واعوانهم   وان الآلة الحربية الامريكية هي ليست ما يجب ان يوليها المسلمون جُل اهتمامهم بل ان ما يُهدد مستقبل الاسلام وبقائه هو هذه الديموقراطية الاميريكية  . واننا اذا ما سمحنا للعراق ببنائها فان هذا سيمثل اكبر اندحار للاسلام منذ ضياع الاندلس ".

 فهل هناك ادنى شك من ان ما تريده القاعدة هو ما يفسر لنا وحدة القوى الرجعية في العالمين العربي والاسلامي مع مؤيديهم في الغرب لاقامة دولتهم الدينية ووقوفهم في مواجهة مشروع الاصلاح الديموقراطي واقامة دولة القانون والمؤسسات الحديثة في العراق ومنعه من النجاح  ؟ " لقد ثبت من تطورات الاحداث الجارية ، اننا بحاجة اليوم اكثر من أي وقت مضى ، لاعادة تأسيس الدولة الحديثة بعد ان تآكلت تجاربها السابقة من ناحية ، وبعد ان انتشرت دعوات هاجمة لتأسيس الدولة الدينية من ناحية اخرى ، ورغم ان الاسلام عبر تأريخيه ، كما يقول بعض التقاة ، لم يعرف الدولة الدينية بالمعنى الذي يروج له البعض الآن ، الا ان صرعة الحروب والصراعات الطائفية الدائرة في المنطقة ، سواء بين المسلمين وغير المسلمين او بين السنة والشيعة المسلمين ، انما تدفع دفعا نحو الاقتتال وصولا الى اقامة حكم رجال الدين على انقاض حكم المؤسسات السياسية في الدولة المدنية الحديثة ، الامر الذي نرى ملامحه تتبدى هذه الايام في اكثر من دولة بالمنطقة " (صلاح الدين حافظ في مقالة له بعنوان "اعادة تاسيس الدولة المدنية الحديثة ، صحيفة الاهرام الدولي 3 يناير 2007 ) .

ولربما لا يرى البعض من ضمان في نجاح هذا المشروع  , لكن وحدة العراقيين وتسامحهم وبقائهم على التحدي رغم مرارة الاحتلال وارهاب التكفيريين ومن يقف معهم , تبقى الضمان الوحيد لتحقيق مستقبل افضل لجميع العراقيين . ومن هنا سيظل العالم ينظر الى العراق على انه حقل اختبار حساس لنجاح التجربة الديموقراطية (امير طاهري في صحيفة التايمز اللندنية 16 اغسطس 2005).

وفي حوار مع الاستاذ الجامعي الكويتي عبد الله النفيسي، وبعد ان حذّر من وجود الاجانب والاقليات المسيحية وبناء الكنائس الملفت للنظر قال :" ان هذه الكنائس اصبحت تمثل آليات رمزية للتدخل في دول الخليج وان قانونا جديدا اصدره الكونغرس الامريكي حول حماية الاقليات الدينية وهو يبرر التدخل الامريكي في المنطقة. وان الاجانب والمسيحيين في الامارات والكويت قد يصبحون الاغلبية وقد يأتي اليوم الذي يطالبون فيه بحق تقرير المصير. انك تمشي اليوم في شوارع دبي وترى العربي كالفاكهة النادرة " . وشدد النفيسي في حواره بالقول:" ان العراق اصبح حفرة كبيرة وقعت فيها امريكا . ان بؤرة الصراع الان هو العراق. الامتحان الكبير للأمة هو في العراق . واذا ما تمكنت امريكا من حل مشاكلها في العراق واستطاعت ان تغادر بسلام دون تمريغ وجهها في الدم ، واذا لم تؤدب في العراق فسيكون الدور القادم علينا في الخليج . لان الخطر القادم على دول الخليج هو الوجود الامريكي في العراق" .( الحوار الذي اجراه احمد منصور مع عبد الله النفيسي في فضائية الجزيرة حول التدويل بتاريخ 28 ديسمبر 2005 ).

فهل ان ما جاء في حوار  النفيسي يبتعد عن مضمون ما ورد في كتاب منظر القاعدة  ؟ . ام انه المؤشر الملموس على وحدة خطاب القوى التي يصفها امير طاهري بالرجعية في العالمين العربي والاسلامي  الهادفة الى استمرار العنف وضرب الاستقرار وافشال  مشروع الاصلاح الديموقراطي في العراق ؟ .

وماذا عن الفارق في خطاب ابو حمزة المصري البريطاني الجنسية والمصري الاصل خطيب وامام جامع فنزبري بارك الذي بدأت محاكمته في الاسبوع الثاني من يناير كانون الثاني عام 2006  في لندن ؟ . لقد عرضت عليه المحكمة بعضا من 3 آلاف شريط فيديو مسجل لخطبه المتطرفة  في الجامع المذكور . وشاهد القضاة والمحلفون والحضور كيف كان الخطيب المسلم يحرض الناس على اقتراف الجريمة من خلال الدعوة الى العنف ويرشد الامهات الى تربية اولادهن على الجهاد لمحاربة الكفرة وشرور الديموقراطية وتحديد الاهداف كالمحاكم والبنوك واماكن الدعارة في بلدان الكفر واعداء المسلمين التي قال :" يجب شن الحرب عليها واسالة دماء الاعداء فيها  "بشوكة النكاية" الى ان تروا الخليفة جالسا في البيت الابيض يحكم من هناك مثلما قال النبي محمد بان الله بسط امامه الارض وان الله اخبره بان الارض كلها ملك للمسلمين وهي غنيمة في الاسلام " . ( من صحيفتي التايمز والانديبندنت البريطانيتين في 13 يناير 2006 ).

 لقد استدرجت السلطات البريطانية  هذا الخطيب باسم الاسلام وفسحت له كامل المجال لاستغلال اجواء الحرية والديموقراطية لسنوات طويلة في بريطانيا . وبعد ان سجلت له تلك الآلاف من اشرطة الفيديو ونصبت له الفخ بعناية ، وقع ابو حمزة في المصيدة وقدمته للقضاء البريطاني . وعرف الاعلام البريطاني كيف يستغل خُطب ابو حمزة أمام الرأي العام التي اساءت لهذا الدين العظيم ولرسالة محمد بن عبد الله ( صلعم ) رسول السلام والمحبة ولجميع المسلمين في العالم . وبعد محاكمة قصيرة اصدرت المحكمة حكمها بسجن ابو حمزة لسبع سنوات .

 بعد وقوع الهجوم الانتحاري على ثلاثة فنادق كبيرة في العاصمة عمان في 9 نوفمبر تشرين الثاني عام  2005 الذي استهدف العصب الاقتصادي السياحي في الاردن وراح ضحيته 60 شهيدا من الابرياء وكان من بينهم المخرج السوري الشهير مصطفى العقاد ، علق احد الخبراء في شئوون الارهاب متسائلا : "لماذا لم نسمع انهم هاجموا تل ابيب او اي وزير او ضابط اسرائيلي في الخارج ؟ . انهم استطاعوا تدمير برجين في نيويورك والهجوم على واشنطن . انا اتحدى الظواهري واسامة بن لادن ان يقوما بعملية واحدة ضد تل ابيب " ( عبد الرحيم علي المستشار في شئوون الارهاب بفضائية العربية في 19 نوفمبر 2005 ) .

 وحول هذا الهجوم الانتحاري روى الاستاذ الكويتي احمد الربعي، بعد ان أعاد الى الذاكرة حادثة الهجوم الانتحاري الذي نفذه الشاب الاردني في مدينة الحلة وراح ضحيته اكثر من مئتين من الابرياء في فبرايرشباط عام 2005 ( راجع الجزء ب من نفس الفصل ) ، كيف خرجت مظاهرات منددة بالعمل الارهابي الذي استهدف تلك الفنادق ، من الاحزاب والناطقين باسمها في الصحافة ومن بقايا حزب البعث في الاردن وكيف خرجت نفس تلك المظاهرات للاحتفال بالعمل  "البطولي " للشاب الاردني الذي فجر نفسه في مدينة الحلة سابقا واعتبروا من قام به " شهيد المقاومة العراقية ". ثم علّق الربعي قائلا : انها ازمة اخلاقية . انها مشكلة غياب البوصلة الاخلاقية واستبدالها بنظرة انتقائية مليئة بالحقد والكراهية . ازمتنا الاخلاقية ان بعضنا يقتل بالهوية ويحزن على القتل بالهوية ويفرح على القتل بالهوية . انها الانتقائية الاخلاقية التي لا تؤمن بالانسان . الذين قتلوا المدنيين في الفنادق الاردنية هم ابناء عمومة القتلة المحترفين في العراق . ولربما تمثل الاحزاب الاردنية التي احتفلت بقتل العراقيين وحزنت لموت الاردنيين نموذجا لمثل هذه العقلية . ونعتقد ان ما حدث هي الفرصة لاعلان التوبة والاعتذار للامة من كل عمليات الصمت على الارهاب" ( احمد الربعي في صحيفة الشرق الاوسط بتاريخ 13 نوفمبر2005 ) .

 ومتى تحين اذن  بوادر هذه الفرصة  من جماعة الارهاب نفسها لاعلان التوبة والاعتذار للامة  ؟ لقد نقلت قناة فضائية العربية حوارا مع احد اقرباء الزرقاوي من الاردن المدعو حذيفة عزام قال فيه :" اقول بصراحة هناك اخطاء ارتُكبت وجاءت صيحات من جميع انحاء العالم . ان الزرقاوي عين نفسه قائدا من قادة العراق وأسس له تنظيما مستقلا داخل العراق . وانه اذا اراد ان ينصر اخوتنا في العراق فما عليه الا ان يترك مصير العراق للعراقيين  . هذه الاخطاء استمرت ولم يستمع  الزرقاوي لها .هذه  استراتيجية  خاطئة . المقاومة  اخذت  على الزرقاوي عمليات اختطاف السواح وقتل الابرياء في طرق لا يرضى عنها الاسلام ولا الشرع او حتى ابسط مقومات الانسانية . وان هناك اخطاء اخرى ادخلت العراق في موقف حرج مع دول مجاورة وهو ما سبب في فقدان المقاومة انصارا لها خارج العراق" . واضاف عزام يقول :" ان الزرقاوي حسب ما اعلم بالاتفاق مع المقاومة ترك القيادة الى رجل عراقي طواعية . وانه بالاتفاق مع خمسة فصائل جهادية قرر ان يتخلى عن القيادة بعد الاعتراف بالاخطاء التي ارتكبها وعاد الى الوضع الذي يجب ان يكون فيه وان لا يكون له الحق بالتحدث باسم الشعب العراقي لان الفصائل العراقية هي التي لها الحق بالتحدث باسم العراق".( حذيفة عزام في حوار مع قناة فضائية العربية 20 فبراير 2006 )

 ان ما جاء في تصريح عزام في قناة العربية لم يأت من فراغ . فهل هو الانعكاس الحقيقي على الاضطراب والكابوس البشع الذي باتت تعيشه تلك الفصائل التي يصفها "بالجهادية والمقاومة "  العاملة في العراق ؟ وهل حان الوقت للاعلان عن تلك الاخطاء والتكفير عنها امام الامة باتخاذ القرار الشجاع على غرار ما قام به الجيش الايرلندي ومنظمة ايتا في الباسك الاسباني ؟

 منظر القاعدة تذكّر اندحار المسلمين في الاندلس التي ضاعت منذ قرون ونسي القدس اولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين ومسرى معراج الرسول (صلعم) التي ما زالت اسيرة تحت الاحتلال الصهيوني  بعد اندحار جيوش العرب المسلمين في الحرب التي سُميت بالايام الستة امام الجيش الاسرائيلي عام 1967 والتي اصبح اليوم اكثر سكانها من المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين من مواطني الدولة العبرية , الاقوى ديموقراطية والاقوى جيشا في منطقة  الشرق الاوسط كما يتباهى الاسرائيليون امام العالم  المتمدن . اسرائيل تحتل اليوم اعظم مقدسات المسلمين وتقيم اقوى ديموقراطية في قلب الوطن العربي . وان مُنظر القاعدة وضع هدفه الرئيسي محاربة الديموقراطية القادمة الى العراق. وابو حمزة  المصري شن الحرب على الديموقراطية في عقر دارها . وعبد الله النفيس قال وهو يناقض نفسه "ان الامتحان الكبير للامة هو في العراق واذا ما حلّت امريكا مشكلتها في العراق ، اي انجاز مشروعها الديموقراطي، فسوف يكون الدور القادم علينا في الخليج " .وان من يستمع الى كلمات النفيسي وهو يقول :" بان العربي اصبح كالفاكهة النادرة في شوارع دبي وان الخطر القادم على دول الخليج هو في الوجود الامريكي في العراق" ،  يتصور وكأنما امريكا لم تصل بعد الى الخليج والجزيرة العربية ، وليس لها من المصالح والنفوذ والقواعد العسكرية ولم تبدأ العمل في هذه المنطقة حتى الآن . وكما لو ان النفيسي لم يشاهد ما تعلن عنه قناة فضائية دبي يوميا و ما تنقله  الصحف الغربية من اعلانات لشركات بيع الشقق والبيوت في دبي مثل : "ان دبي اصبحت اشبه بلاس فيغاس وديزني لاند مدينة واحدة . هذه المدينة ذات الشوارع التي قلما يتسنى للمرء ان يرى شيئا عربيا فيها او ان يرى منارة لجامع من خلال السير بين مراكز الاسواق والبنايات ذات الابراج العالية التي تُعرض فيها الشقق المطلة على سواحل الخليج للبيع . على اصحاب الشركات والسواح  والراغبين في حجز شققهم المبادرة للحضور الى فندق بروفايل في ابو ظبي " . وهل ان  النفيسي لم يقرأ ايضا عن الازمة التي سمتها الصحف الغربية " بفضيحة الموانئ" حول ادارة موانئ دبي العالمية  للشركة البريطانية التي تدير ستة موانئ امريكية رئيسية وكيف "قتل" الجمهوريون في الادارة الامريكية مشروع عودة هذه الموانئ بعد انتهاء عقودها الى شركة دبي العربية وكيف رفض الديموقراطيون ان تكون ادارتها من قبل شركات بريطانية او اماراتية بل تبقى ادارتها امريكية ، مثلما جاء في كلمات مجلة النيوزويك الاسبوعية الامريكية ؟ (صحيفة الديلي ميل البريطانية  في 13 يناير 2006 ) و  (قناة فضائية دبي تكرر الاعلان يوميا ) .و(المقابلة الخاصة مع السناتور جون ادوارد مرشح الرئاسة الامريكية عام 2004 وحديثه عن ازمة الموانئ في مجلة النيوزويك الاسبوعية الامريكية 20 مارس 2006) و( صحيفة الاهرام الدولي في 6 مارس 2006 ) .

سامحك الله يا استاذ عبد الله النفيسي . عندما تعرفت عليك لاول مرة قبل اكثر من ثلاثين عاما وكنتُ ازورك في مكتبك "الوردي" الطابع بجامعة الكويت ، تركت عندي الانطباع بانك ذلك الشاب الانيق  المتنور والمثالي الذي ينتظره المجتمع الكويتي في تقدمه ، ولكن وبعد مرور كل هذه السنين لا ادري ما الذي جعلك على هذا الحال . تتحدث اليوم بلغة الدم حينما تقول :" واذا ما استطاعت امريكا مغادرة العراق بسلام دون تمريغ وجهها بالدم ..." فهل كل هذا من باب الدفاع عن العراق والامة ، ام انه الدليل على وحدة مضمون الخطاب الذي اشار اليه امير طاهري كما مرّ بنا سابقا  ؟

واذا ما اراد ابو حمزة المصري  والاخرون الذين مرّ ذكرهم ان يشوهوا صورة الاسلام والمسلمين في مساعيهم  العدائية سواء  في الغرب او في اي مكان آخر وان يعطلوا مسيرة العراقيين في التطلع الى بناء الديموقراطية ، فهذا هو الغرب قد رد على هؤلاء وقدم صورة رائعة على احترام الاسلام ورسالته من خلال انعقاد المؤتمر الدولي حول الاسلام في عالم التعددية في العاصمة النمساوية فيينا وفي نفس قاعة الهوفبورغ الامبراطورية التي إفتتح فيها الاميركليمنز مترنيخ وزير الخارجية النمساوي مؤتمر فيينا الشهير عام 1815 . لقد حضر المؤتمر هاينس فيشر رئيس الجمهورية النمساوية وكورت فالدهايم الرئيس النمساوي الاسبق وشخصيات نمساوية وعربية واسلامية عالمية وافتتحته اورسولا بلاسنك وزيرة الخارجية النمساوية من 14 الى 16 نوفمبر تشرين الثاني عام 2005 . وفي هذا المؤتمر اكد جميع  المشاركين فيه على ان الاسلام يبشر بالديموقراطية ويعترف بالتعددية ويحترم الحوار الثقافي وسماع الراي الآخر و ينادى ببناء المجتمع المدني والتعايش مع الشعوب الاخرى ومحاربة العصبية والطائفية وهو المؤمن بالتسامح والتواصل بين جميع الناس وانه دين السلام والمحبة الذي اصبح ملجأ البشرية الذي تنشده الملايين من شعوب الهند واندونيسيا وماليزيا وغيرها من دول اسيا وافريقيا  .

هذا هو الاسلام على حقيقته وليس كما يراه الاصوليون التكفيريون الذين جعلوا من الاسلام دين عنف وتطرف يحارب البناء ويدمر البشرية ويبيد الانسان دون مبرر مثلما يريد منظر القاعدة في كتابه المشار اليه او ابو حمزة المصري والنفيسي.وبعد كل هذا فالاسلام هو دين الشورى كما كان الرسول محمد ( صلعم ) يشاور اتباعه ويستمع الى آرائهم.  وان الاسلام الحقيقي هو الذي يؤمن بحقوق الانسان ويقدم اعظم صور الانسانية في الاحترام والتقارب بسلام مع الشعوب الاخرى . فهل يحق لهؤلاء المتطرفين ان يطبقوا مبادئهم وحدهم ويفرضوها بالقوة على الاخرين ؟ ان من المؤسف ان يقع الاسلام ضحية ويصبح دين تطرف وارهاب في نظر العالم اجمع . ان هؤلاء الارهابيين يختفون وراء ترس الاسلام ليحموا الاستبداد من خلال تفسيرهم الخاطئ وانهم يقفوا الى جانب الحكومات الاوتوقراطية ضد ملايين المسلمين التواقة الى     الديموقراطية والمؤمنة بالتعايش  السلمي  في ظل  الاسلام  والثقافة  الاسلامية  دون  الدخول  في حروب ونزاعات تدمرهم بل في المحافظة على قوة مجتمعاتهم وبناء علاقات دولية تعزز مسيرة السلام العالمي (شارك عدد كبير من الضيوف من مختلف اقطار العالم في المؤتمر . كان من ابرزهم كل من رئيس الجمهورية العراقية جلال الطالباني الذي افاض في ذكر الايات القرانية التي تدلّل على ان الاسلام دين السلام والديموقراطية والتعددية . وكذلك رئيس جمهورية افغانستان حميد كارزاي و نائب رئيس الجمعية الوطنية في العراق حسين الشهرستاني  ومستشار رئيس وزراء ماليزيا عبد الحميد عثمان  وعدنان الباججي  ومحمود زقزوق وزير الشئوون الدينية في مصر ومحمد خاتمي رئيس الجمهورية الايرانية السابق و الاخضر الابراهيمي الممثل الشخصي لكوفي عنان الامين العام للامم المتحدة وشيرين عبادي الحاصلة على جائزة نوبل للسلام عام 2003  بالاضافة الى شخصيات اخرى من دول اسيوية وافريقية واوربية تحدثت في

المؤتمر واكدوا وهم يتشابكون الايدي على دعم مسيرة الديموقراطية والتعددية والتعايش السلمي بين الشعوب واستمرار الحوار بين الحضارات ونبذ العنف والتطرف والتاكيد على رفض الارهاب وادانته .

عندما اقرت الجمعية الوطنية العراقية مسودة الدستور الجديد في 29 اغسطس آب 2005  لعرضها على الاستفتاء , ثارت الخلافات واشتد الجدل عليها من مختلف الاوساط في داخل العراق وخارجه حول الكثير 

من مواده . هذا بالاضافة الى تهديد القاعدة بعدم التصويت بنعم على الدستور . وقد تركزت تلك الخلافات حول دور الاسلام والفدرالية ودور الاقاليم وعروبة العراق واجتثاث البعث الذي فُسر على انه اجتثاث لاهل السنة  . وبات من شبه المؤكد للجميع ان رفض الدستور هو اعلان عن الحرب الاهلية في العراق . ورغم  النواقص في الدستور ، فهو يبقى بالقياس مع جميع المعطيات في الشرق الاوسط انجازا  كبيرا . ويضيف جون بيدن عضو الكونغرس الامريكي قائلا : "ان الدستور الجديد يضمن حرية العبادة ويحمي حقوق الانسان وتطبيق صيغة الفدرالية او اللامركزية في السلطة . ولم يظهر على الشيعة وهم الاكثرية رغبتهم في السيطرة على باقي الطوائف في العراق . والاهم من كل ذلك هو يضع الثروة النفطية ويقسم عائداتها على اساس حق كل مواطن بعد ان كان السنة يحولون قرى مثل تكريت الى مدن اشبه بالكنوز الخرافية باموال الشعب التي استحوذوا عليها . وكل ذلك يبرهن ان الاتفاق على الدستور يضمن المستقبل الافضل للعراق بعد ان اصبح حقيقة لا غبار عليها  . وتجدر الاشارة الى ان الشيعة في العراق كان موقفهم فريد من نوعه وقد تمثل في ضبط النفس وروح المسئوولية على طول الخط منذ الثلاث سنوات الماضية , خاصة اذا ما عرفنا انهم كانوا عرضة لتسلط السنة على مدى التاريخ . ولا شك ان القادة السنة يعرفون ان مصالحهم مضمونة في الدستور وانهم لا يريدون الاعلان عن قبولهم علنا خوفا من ان يصبحوا هدفا للارهابين الذين هددوا بانهم سيقتلون اي كان يوافق على الدستور او يذهب للتصويت عليه في 15 اكتوبر تشرين الاول عام 2005 موعد الاستفتاء على الدستور ( جون بيدن عضو الكونغرس الامريكي وجارلز كراوتهامر في صحيفة الول ستريت جورنال الامريكية 2 سبتمبر 2005) .

ولقد اشارت صحيفة الغارديان الى انه اذا ما تم التصويت على الدستور بنعم فانه سيكون اساسا لبناء السلام والاستقرار وانموذجا لدساتير منطقة الشرق الاوسط بعد ان صان حقوق المراة التي اُعطيت 25 بالمئة من مجموع المقاعد في البرلمان الجديد ( صحيفة الغارديان 29 اغسطس 2005 ). وتشير صحيفة تودي نيوز الامريكية الى ان العراقيين اظهروا انهم قادرون ان يواجهوا التحديات التاريخية . كما اضافت صحيفة الانديبندنت البريطانية تقول ان السنة كانوا يسيطرون على الحكم بقيادة صدام حسين وكانوا يتمتعون بخيرات العراق واليوم هم يشعرون بالمرارة والحقد الدفين والالم لاحساسهم بانهم اصبحوا محكومين في الدستور الذي لا يحظون فيه الا بالقليل مما كانوا يجنونه . ولكن في الحقيقة ان ما يسعون اليه من وضع العراقيل والعقبات سوف لن يؤدي الى اعادتهم الى ايام المجد التي كانوا ينعمون بها في الماضي. ان الواقع الذي لا يمكن انكاره او تغييره هو هذا الثقل السكاني العراقي لاهل الشيعة الذين يمثلون اكثرية السكان بينما لا يمثل اهل السنة الا اقل من ربع السكان في العراق وان ما يزيد السنة مرارة هو ان المنطقة التي يعيشون فيها لا تقع ضمن المنطقة التي تزخر بالثروة النفطية . والسؤال يبقى هل ان باستطاعة هذه الطائفة التي اُصيبت بالمرارة ان تفتح اعينها للحقيقة التاريخية وان تبحث عن الموقع الصحيح لمصالحها وان لا تنجر وراء تصعيد العداء والتطبيل بقضايا العزة والعروبة في اللعبة اللامجدية ( صحيفة تودي نيوز الامريكية  وصحيفة الانديبندنت البريطانية 29 اغسطس 2005) .

اما نوح فيلدمان المحامي اليهودي المتهم بكتابة الدستور فلقد اكد على ان الدستور كُتب بايدي عراقية عندما قال : "سوف لن ينتهي الجدل حتى لو صُوت على الدستور وتم رفضه عند الاستفتاء عليه ، فالجميع سيكون مضطرا للجلوس الى مائدة  المفاوضات والنقاش والمحاولة  من جديد . وسيحاول القادة من الشيعة والاكراد ان يُقنعوا السنة بانهم سينعمون بحياة رغيدة في ظل الدستور. واذا ما رُفض الدستور فان الامر سينعكس على مزيد من الانقسام واثارة العنف داخل البلاد لان الكثير ممن لا يؤيدون الدستور هم من الذين لا يريدون قيام نظام دستوري ويقفون حجر عثرة امام العملية السياسية في العراق وسيكون الخاسرون هم الامريكان والمواطنون العراقيون بالاضافة الى المثاليين المناصرين للحكم الدستوري في البلاد  ( نوح فيلدمان استاذ القانون بجامعة نيويورك والمستشار القانوي السابق لدى سلطة الائتلاف المؤقتة في عهد الحاكم الاداري بول بريمر في العراق في صحيفة الهيرالدتربيون الامريكية 31 اغسطس 2005 وفي الحوار من واشنطن الذي اجراه حافظ ميقاتي مع فيلدمان شخصيا في قناة  فضائية الجزيرة في 10 اكتوبر 2005  ) .

ولقد تميّز موقف جميع الاطراف الدولية المتمثلة في الاتحاد الاوربي والامم المتحدة والولايات المتحدة الامريكية في الترحاب بالدستور الذي قال عنه الرئيس الامريكي جورج بوش بانه وثيقة تاريخية على العراقيين ان يفخروا بها  كما اضاف سفيره ببغداد خليل زلماي زاد انه اكثر الدساتير تقدما في المنطقة من حيث التوفيق بين الديموقراطية والاسلام  وحث جميع الاطراف على العمل بروح التوافق .

وجاء يوم الاستفتاء الذي حسم الامر بالتصويت على اقرار الدستور في 15 اكتوبر تشرين الاول عام 2005 بعد ان اتفق الساسة العراقيون على ادخال تعديلات على مسودة الدستور وان تُرحل المواد المُختلف عليها الى الجمعية الوطنية القادمة للنظر فيها بعد الانتخابات ومجئ الحكومة والبرلمان الجديد في الاربعة اشهر القادمة . ولقد ابدت الاحزاب الكبيرة كالأتلاف الموحد والاتحاد الكردستاني مرونة لتحقيق المطالب التي تقدم بها الاخوة الاخرون مما ترك السنة منشقين بين مؤيد ومعارض حتى على هذا التقدم الذي يفخر به الجميع .      

وما ان اُعلنت نتيجة الاستفتاء حتى ارتفع صوت  جامعة الدول العربية بامينها العام عمرو موسى المتميز عن كل  المواقف عندما زاد من صعوبة الموقف في الوقت الذي كانت فيه الحاجة ماسة الى التوافق والمرونة  من الجميع , ولكان دور الجامعة اكثر فعالية وجدية لو ارسلت الجامعة  ممثلا عنها الى العراق للعمل مع الفرقاء وتقديم النصيحة لهم . الا ان الامين العام للجامعة ذهب الى ابداء قلقه على عروبة العراقيين عندما عّرف الدستور بانه وصفة للفوضى ورفض ما ورد فيه حول عروبة العراق . في الوقت الذي نسيّ فيه ان مئات الضحايا يسقطون يوميا في العراق ولم يتحرك في طلب اي اجتماع استثنائي . واخيرا فلا ماضي الجامعة ولا ميثاقها يسمح لها بالتدخل في ارادة الشعب العراقي بعد ان تركته الجامعة بين فكي جلاديه وارهابيه  (اين الحياء , الجامعة العربية والدستور العراقي بقلم جابر حبيب الجابري بصحيفة الحياة 4 سبتمبر 2005 ).  

وبعد ان أعرب رئيس الوزراء العراقي ابراهيم الجعفري آنذاك عن احساسه بالسعادة في تكامل الخطوات لبناء الوطن العزيز, ردّ على الامين العام للجامعة  "بضرورة اعادة النظر في توجهات الجامعة نحو العراق وان تتوخى الموضوعية " كما ردّ هوشيار الزيباري وزير الخارجية العراقي على الجامعة عندما صرح قائلا : " اننا نسجل تحفظنا على ما جاء في تقرير الجامعة العربية . وان اساس انتقادنا هو ان الجامعة العربية لم تعمل شئ للعراق لانها لم ترسل لا خبير دستوري ولا اي بعثة للتشاور او التواصل . وانا ارى ان تصريحات الامين العام عمرو موسى غير موفقة  . واننا لا نقبل املآءات او وصاية احد . واننا توصلنا في مسودة الدستور الى ان العراق عضو مؤسس في جامعة الدول العربية وجزء من العالم العربي والاسلامي وان العراق جزء من الامة العربية " ( تصريحات رئيس الوزراء العراقي ابراهيم الجعفري والوزير الزيباري في قناة فضائية العراقية مباشرة بعد صدور تقرير الجامعة العربية على اقرار الدستور في اكتوبر 2005  )

وما ان مرت ايام قليلة حتى سارعت الجامعة العربية الى الاعلان عن تقديم مبادرة جديدة , كما لو انها تلقت صدمة وافاقت عليها نتيجة ما حصل ، وقامت بارسال نائب الامين العام احمد بن حلي مع وفد كبير لزيارة بغداد التي وصلها في اكتوبر تشرين اول عام 2005  للاعداد الى زيارة الامين العام عمرو موسى الذي وصل الى بغداد في نفس الشهر حاملا فكرة عقد مؤتمر وطني للحوار بين الاطراف العراقية  من اجل تفعيل الدور العربي والاستفادة من الجامعة العربية باعتبارها مظلة كل العرب , وكما لو انه جاء لتقديم التهاني بمناسبة التصويت على الدستور ولحمل الاطياف السياسية والدينية والعرقية المتناقضة والمتباينة في العراق على الالتئام تحت سقف واحد في هذا اللقاء التأريخي امام انظار العالم .

وقبل افتتاح المؤتمر ووصول الوفود العراقية الى العاصمة المصرية بساعات ، ضربت جماعات العنف ، مثلما ودعت عمرو موسى بعد زيارته لبغداد بانفجار في فندق فلسطين قتل العديد من الابرياء ، احدى ابرز ضرباتها المتنقلة في طول العراق وعرضه في تفجيرات انتحارية أستهدفت مساجد الشيعة ومأتم لعزاء شيخ شيعي ببغداد أدت الى سقوط عشرات  الضحايا والجرحى وكانت بمثابة رسائل معروفة المقاصد اراد المعارضون للتركيبة الحكومية العراقية ان يظهروا مظلوميتهم ووقوعهم في قبضة الاضطهاد والتهميش والاقصاء واستغل اهل السنة الفرصة ليظهروا ايضا امام العالم العربي الذي يدركون انه سني بالاغلبية

ومتعاطف معهم , انهم باتوا خارج السلطة في العراق الذي امسكوا بزمام سلطته منذ عهد معاوية بن ابي سفيان الى الامس القريب ، وانه ما زالت تتملكهم الرغبة في رؤية عجلة التاريخ تعود الى ما كانت عليه قبل نحو عامين ونصف العام ، الامر الذي فُسّر ان النظام الرسمي العربي الذي عرف ان خطر الارهاب والتشدد الاسلامي  لن يبقى محصورا في حدود  هذا البلد , هو من بادر ولو متأخرا لكي يعصم نفسه لاحقا من توسع دائرة النار وليحمي دوله من شظايا الوضع الملتهب هناك خصوصا بعد اقتناع العرب

باخفاق رهاناتهم على القعود مقعد المراقب المحايد, عسى المناهضون للعملية السياسية يعيدون الامور الى الوراء فيعفون الانظمة العربية من ضغوط مورست عليهم للتمعن بالنموذج العراقي وتطبيق آليات الديموقراطية ( مجلة الاسبوع العربي : العراق مؤتمر الوفاق .. فرصة للتهدئة ام محطة لتصعيد العنف؟ العدد 2407 في 28 نوفمبر 2005 ) و ( الاهرام العربي 23 اكتوبر 2005 )   

وتحت مظلة الجامعة العربية تم عقد المؤتمر التحضيري للوفاق الوطني العراقي  في القاهرة بتاريخ 19-21 نوفمبر تشرين الثاني عام 2005  الذي افتتحة الرئيس المصري حسني مبارك قائلا : "ان هذا الاجتماع هو نقطة مهمة وانطلاقة جيدة لتحقيق وحدة العراق والحفاظ عليها , مناشدا القادة العراقيين ان يسموا فوق الطائفية وان يتوجهوا في انتمائهم للعراق جميعا ويضعوا الحوار نصب اعينهم وان يشاركوا في اعادة الاعمار ويحددوا في ارادتهم معالم المستقبل متمنيا لهم بالنجاح والتوفيق .

     وتميز المؤتمر الذي ترأسه الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى بحضور العديد من الشخصيات العراقية وشخصيات عربية واسلامية وممثلين عن الملوك والرؤساء العرب وممثل الامين العام للامم المتحدة  وممثلي مجلس الامن الدولي والاتحاد          الاوربي من مختلف الاقطار في العالم   .

 والقى كل من الرئيس العراقي جلال الطالباني ورئيس الوزراء العراقي ابراهيم الجعفري كلمتين مؤثرتين عند افتتاح المؤتمر اكد كل منها بشكل خاص على مسيرة العملية السياسية ومكاسبها الديموقراطية في العراق عندما اشار الرئيس الطالباني الى مجمل الافكار التي طرحها في خطابه الذي قرأه باللغة العربية  في مؤتمر الاسلام في عالم التعددية الذي انعقد قبل مؤتمر القاهرة بثلاثة ايام في العاصمة النمساوية فييينا الوارد ذكره في هذا الجزء من الدراسة . لقد اكد الرئيس الطالباني في كلمته على ملامح العراق الجديد الموحد الحر السعيد الديموقراطي التعددي عندما قال : "ان ليس امام العراقيين لتحقيق هذا الطموح النبيل الا ارساء اسس وطيدة للتوافق الوطني المبني على قاعدة الديموقراطية . واننا نتطلع كواجب وطني مشرف الى ادانة جماعية للارهاب والارهابيين . و ان المقاومة الوطنية المشروعة حق مشروع وهي تتحقق بالوسائل السلمية في اطار العملية السياسية صوب الديموقراطية  ". وتحدى الطالباني منظر القاعدة في كتابه المشار اليه في هذا الجزء والذي ذكرته امامه عندما اجتمع بالجالية العراقية اثناء حضوره  المؤتمر الاسلامي في عالم  التعددية الذي انعقد في فيينا قبل ايام من هذا المؤتمر واضاف قائلا :"ان كل مسعى لعرقلة بناء مؤسسات الدولة او تخريب مصادر الثروة الوطنية او ترويع المواطنين وامتهان كرامتهم ، انما هو عمل يسخرمن آمال  شعبنا العراقي الديموقراطي الموحد وهو يتعارض مع مساعينا الحثيثة لاستكمال المقومات الكفيلة لانهاء التواجد الاجنبي في بلادنا وهو يتعارض مع مقومات اجلاء هذه القوات بل هو دعم واسناد لبقائها " .

وفي ختام كلمته اكد الطالباني على حرص العراق الالتزام بتعهداته العربية والاقليمية والدولية وكذلك الالتزام بسياسة الحوار .

 وما ان جاء دور رئيس الوزراء العراقي السابق ابراهيم الجعفري , حتى إرتجل كلمة  تخيلت كما لو انني استمع اليها وانا ما زلت جالسا بين الحضور في المؤتمر الدولي الذي انعقد في فيينا عن الاسلام  في عالم التعددية المشار اليه سابقا .وتساءلت مع نفسي فيما لو ان الجعفري كان قد أعدّ هذه الكلمة ليلقيها في مؤتمر فيينا لانها كانت بحق تستحق ان تُنقل الى اسماع المدعويين من رجالات الغرب السياسيين والمثقفين قبل غيرهم من الحاضرين في المؤتمر . ومن يدري ؟ فلربما ان امورا قاهرة قد منعته من الحضور الى ذلك المؤتمر . ولولا ان كلمته كانت ارتجالية لصدقّت ظني. وبعد ان اكد الجعفري ودلّل بالعديد من الآيات القرآنية الكريمة على القيم السماوية في مفاهيم الاسلام حول الوحدة والديموقراطية والتعددية والتسامح والاتصال والتعايش السلمي وحقوق الانسان  ، افتتح الجعفري كلمته بالآية الكريمة :" واعتصموا بحبل  الله جميعا ولا تفرقوا ..واشار الى الازمات التي عادة ما تواجه الشعوب وهي ثلاث . ازمة الفكر وازمة الخطاب وازمة التطبيق والاخلاق . وقال:" ان القرآن الكريم ينفتح علينا بثقافة التعدد على مستوى الفكر  واعطاء العقل فضاء متسعا يحترم الآخر . لذلك اقر القرآن بالتعدد والحوار والتفكير والتنوع الفكري حيث نشأ اصحاب الفكر وترعرعوا في آفاق الدين الاسلامي . واضاف قائلا ان الاسلام حاور الآخر بكل انواعه.والوحدة لا تعني الغاء الآخر والقرآن يؤكد على احترام الآخر وعدم الغائه وجعل الآخر جزءا من الحياة المتحضرة المتمدينة "( قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء ...) .واضاف الجعفري يقول:" والذي يحمل فكرا اسلاميا ينبغي ان يضع في حسابه من اجل ان يكون فكرا اسلاميا يجب ان يعترف بالآخر مهما كان الآخر بعيدا عنه . انه ليس من ادبيات الوحدة ان نقمع الآخر وانما الوحدة تنطلق من القلب ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم ) ولم يقل الف بين عقولكم  . وهذه هي ازمة الفكر وهي ازمة في الخطاب ايضا " .

 واشار الجعفري الى" :اننا في العراق تخطينا مسالة الخطاب واننا لسنا في ازمة خطاب .ان في العراق حكومة           وطنية مخلصة وُلدت من رحم الشعب وهي تصّر على ان تجعل من ارض العراق وسماء العراق وثروات العراق واقعا وحدويا يتبادل الطلقة بالكلمة الطيبة والبندقية بالقلم . هناك اليوم اصرار على حفظ وحدة  وكرامة    الشعب العراقي واصرار على الحفاظ على الموروث الرائع في التعايش المذهبي والديني والقومي في العراق .     

ونحن نصر على الاستمرار عليه . لقد تعرضت الوحدة الوطنية في اكثر من مرة وتحت شعارات كبيرة الى تمزيق الصف . واذا باطفالنا وشيوخنا ، صغارنا وكبارنا يموتون على رؤوس الاشهاد بطريقة بشعة يقشعر لها الجلد ويندى لها الجبين خجلا وحياء . اهذا هو مفهوم المقاومة ؟ من الذي يزاودنا على المقاومة ومن يملك تاريخا اطول من العراقيين في المقاومة ومواجهة الدكتاتورية ؟ " وواصل الجعفري كلمته قائلا : "ان هناك ثقافة في البعث الذي ورث هذه الممارسات السيئة . الثقافة التي جاءت باسم العرب في العراق وقطعت اوصالنا وهدرت ثرواتنا واعتدت على كرامتنا . لذلك وضعنا خطا احمرا ان لا مجال للبعث في العراق  . ان هذا ليس قراري الشخصي  . انه واقع عراقي . لقد ذهب الوقت الذي يُختزل فيه العراق بشخص واحد . العراق اليوم معمل ابطال والذي يسقط شهيدا اليوم سيخرج الف الف قائد ومناضل في العراق . كل بلد تعرض للدكتاتورية يقاوم وكل بلد تعرض للاحتلال يقاوم . لان الذي يريد ان يُنهي فصل وجود القوات المتعددة الجنسيات لا ينبغي ان يكون جزءا من مركب الارهاب بل جزءا من مركب الامن " .

ثم تطرق الجعفري الى الانتخابات السابقة في 30 يناير كانون الثاني 2005 وقال: " ان الشعب العراقي انتخب تحت وابل الرصاص الجمعية الوطنية التي جمعت مجمل مكون الشعب العراقي باستثاء  الحجم الذي يناسب اخوتنا واعزاءنا ابناء السنة العرب . 30 بالمئة من السيدات يشاركن في الجمعية الوطنية و قرابة الثلث منهنّ في الحكومة العراقية . ولم ينس الجعفري الحديث عن مصر التي قال عنها  "اني جئت الى مصر لانها الاكبر العربي ولانها حاضنة القدر العربي في جامعة الدول العربية . وانا اقدر ماذا تعني مصر الجناح الثاني للحضارة الانسانية بعد العراق . جئت الى هنا وودت ان تتحرك العملية ويكون اخواننا بكامل افراد العائلة العربية معنا . وقلت لهم انصفونا . تمنيت ان تتم الحركة منذ وقت مبكر . لكن للاسف الشديد شهدت مسيرة ال 30 شهرا  الماضية ذلك الغياب . لازلنا نتمنى لهذا المؤتمر  وهذه المبادرة بالملتقى الوطني العراقي المساهمة بشكل فعال  في دفع العراق والعملية الوطنية اشواطا بعيدة لكي يلتئم البيت العراقي من خلال الجامعة العربية . اننا نتوسم ان تضيف هذه المبادرة رافدا جديدا لتقوية الوحدة الوطنية العراقية وان تخرج بآلية محددة وتتذكر المصلحة العراقية وتسعى للتفاعل مع الخطوات اللاحقة بالعملية الانتخابية القادمة وتشجب الارهاب وتعزز الوحدة الوطنية واحترام سيادة العراق وان تمضي العملية العراقية الى مداها البنّاء في تحقيق حالة الديموقراطية التي لا يختنق فيها اي عراقي وان يمتد العراقيون لاخذ حقوقهم بكامل حجمهم بما يتناسب وحجم العراق كله " .

وبعد ان انتهى المؤتمر في 21 نوفمبر تشرين الثاني عام 2005 ,  عقد الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى مؤتمرا صحفيا ردّ فيه على العديد من اسئلة الصحفيين عندما قال: " ان المؤتمر كان ناجحا وحظيّ برضى الجميع. وصدر البيان الختامي الذي حمل اعلان الرئيس العراقي جلال الطالباني عن استعداده للاجتماع بممثلي المقاومة في العراق بعد ان دار الحديث حول مفهوم الارهاب وادانته  والتفريق بينه وبين المقاومة التي هي حق لكل الشعوب . كما اشار البيان الى وضع جدول زمني لانسحاب القوات

الدولية من العراق حسب قرار الامم المتحدة على نحو تدريجي وعدم سحب هذه القوات الا بعد التزامن مع بناء الاجهزة الامنية والقوات العراقية . كما اكد البيان على الالتزام بالحوار ونبذ العنف واحترام وجهات النظر المختلفة وترسيخ بناء الثقة وعدم استخدام المنابر الدينية للتحريض على العنف واحترام حق الشعب في بناء العملية السياسية  وتوسيعها لتشمل جميع القوى في العراق .

واختُتم البيان بالتأكيد على جدولة اعمال هذا المؤتمر الى المؤتمر القادم الذي سيُعقد في الاسبوع الاخير من شهر فبراير شباط عام 2006 في بغداد والذي تأجل الى الاسبوع الاخير من حزيران يونيو عام 2006 من اجل توسيع العملية السياسية والنهج الديموقراطي والنظر في وحدة العراق واستقلاله وسيادته والبدء في وضع برنامج لانسحاب القوات المتعددة الجنسيات من العراق

والتأكيد على المساواة في المواطنة والنظر في ديون العراق واعادة الاعمار فيه . ولقد علق محمد الخميش مساعد الامين العام للجامعة العربية على نتائج المؤتمر قائلا :" ان ما جرى كان ناجحا ولم نتوقع ذلك" ((النقل المباشر لوقائع المؤتمر الصحفي لامين عام الجامعة العربية عمرو موسى في الفضائية المصرية في 21 نوفمبر 2005 ) .

وفي اعقاب المؤتمر كتب داوود الشرياني يقول : " ان كل ما جاء في البيان الختامي لم يعكس الخلافات والمشاكل الحقيقية بين الاطراف التي التقت في القاهرة . فموضوع المقاومة لم يُذكر الا على استحياء وان السنة يعتقدون ان اصل المشكلة هو الاحتلال وان الشيعة يعتقدون بان الارهاب هو المشكلة الاساسية .

ومن الممكن القول ان المؤتمر قد حقق بعض النتائج العامة ولكن ان مثل هذه النتائج سوف لن تؤدي بالوصول الى التوافق في المؤتمر القادم في بغداد ما لم يستمر القادة على التفاوض  بدلا من الكلام فقط . ان الحوار هو الطريق الوحيد للوصول الى الحلول المطلوبة . فبالنسبة الى الشيعة ليس هناك احتلال وان القوات الاجنبية ما جاءت الا لتخليص الشعب من حكم صدام حسين . وان  المشكلة  بالنسبة للشيعة هي انهم تعرضوا للاضطهاد والقمع  لعقود طويلة . اما بالنسبة للسنة فانهم يعتقدون انهم حُرموا من حقوقهم وامتيازاتهم التاريخية ". ويضيف الكاتب قائلا :" ان على جميع الاطراف ان تتنازل وتعترف بالحقيقة الجديدة  وهي ان خارطة جديدة رُسمت للعراق ويجب الاعتراف بالواقع من ان اكثرية الشعب العراقي هم من الشيعة الذين بات عليهم ان يؤدوا دورهم في العراق . وانهم سيضمنون الاغلبية من نواب البرلمان القادم الذين سيحصلون على التصويت بالموافقة على القوانين دون وجود معارضة قوية " .

كما أكد عبد الرحمن الراشد على "ان رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري كان صادق القول وامينا عندما طرح اسئلة جديرة بالملاحظة مثل : هل ان العراقيين هم عرب ام لا ؟ وذكر الكاتب ايضا بان المشكلة اليوم في العراق هي سياسية اكثر مما هي متعلقة بالارهاب . وان الارهاب تقوده بقايا البعثيين الذين فقدوا مراكز نفوذهم في السلطة بالاضافة الى وجود القاعدة. وان اعمال الارهاب وليست الاحزاب العراقية هي التي تمثل التهديد الحقيقي لوحدة العراق . لان جميع الاطياف العراقية عاشت سوية في مجتمع يسوده السلام والمحبة  منذ قرون . واذا لم تؤخذ مثل هذه الحقائق بنظر الاعتبار فان العنف سيستمر وان المؤتمر القادم سوف لن يُكتب له النجاح " ( داوود الشرياني في صحيفة الحياة اللندنية وعبد الرحمن الراشد في صحيفة الشرق الاوسط نقلا عن  صحيفة الجوردان تايمز بقلم  ثامر  ابو بكر بالانجليزية في 27 نوفمبر 2005 ).

وما ان غادر الساسة العراقيون مؤتمرهم في القاهرة الى العراق، حتى استعدوا مع بقية المواطنين العراقيين  للانتخابات عندما توجه اكثر من 11 مليون ناخب من مجموع 15 مليون ناخب اي بنسبة 70بالمئة للذهاب الى صناديق الاقتراع للمرة الثالثة في نفس العام بتاريخ 15 ديسمبر كانون الاول عام 2005 على اساس المحافظات وليس على اساس الدائرة الواحدة كما كان عليه الحال في الانتخابات الاولى التي جرت في 30 يناير كانون الثاني عام 2005 .

ولقد شهدت العاصمة بغداد هدوءا ساد جميع اطرافها بعد ان خلت جميع شوارعها من المارة والسيارات والصبية وانتشر رجال الامن يحملون السلاح وأُغلقت الحوانيت احتراما للتعليمات الصادرة بمنع التجول ولم تشهد بغداد يوما مثل هذا الهدوء الذي تنفست فيه نسمات الامن المفقود والاستقرار المنشود ( مراسل صحيفة اللوموند الفرنسية من بغداد في تقريره 16 ديسمبر 2005 ) .

وكان الهدف من هذه الانتخابات هو انتخاب مجلس برلماني جديد من 275 نائبا يشكلون جمعية وطنية  او برلمان دائم في العراق مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية  ونائبيه وتسمية رئيس جديد للوزراء  وتشكيل حكومة لمدة 4 سنوات بالاضافة الى اللجان المختصة في النظر بالتعديلات المقترحة على الدستور الدائم للبلاد الذي حصل الاستفتاء عليه في 15 اكتوبر تشرين الاول عام 2005 واتُفق على تأجيل النظر في بعض مواده  .

وفي صباح يوم 15 ديسمبر كانون الاول عام 2005  أفتتحت مراكز الاقتراع التي بلغ عددها اكثر من 6 آلاف مركز ابوابها في العراق لاختيار النواب المطلوبين من 7 آلاف مرشح  ضمن ما يقرب العشرة آلاف قائمة انتخابية للاحزاب الائتلافية والمستقلة التي تجاوز عددها ال 150 حزبا في عموم المحافظات العراقية . وكانت ابرز هذه الاحزاب والائتلافات المتنافسة هي الائتلاف العراقي الموحد والتحالف الكردستاني والقائمة العراقية الوطنية وجبهة التوافق العراقية وقائمة المؤتمر الوطني العراقي والجبهة العراقية للحوار الوطني . هذا التجمع الذي ميّز هذه الانتخابات عن سابقتها الاولى بمشاركة العرب السنة الذين تجاوزوا الخطأ الذي وقعوا فيه عندما قاطعوا الانتخابات الاولى ، الامر الذي مثّل تقدما سياسيا وخطوة كبيرة على طربق الوصول الى الوحدة الوطنية بعد ان اقتنعوا ان مستقبل العراق واستقراره ستقرره نتائج هذه الانتخابات التي ستعطي المبرر امام البرلمان الجديد لفتح الطريق نحو المطالبة بسحب قوات التحالف من العراق والتاثير على الجماعات المسلحة للوصول الى اقناعها بالتخلي عن العنف والعمليات المسلحة خصوصا بعد ان غيرت الادارة الامريكية من موقفها السابق الرامي الى دحر هذه الجماعات بالقوة  (التقرير الخاص بمجلة النيوزويك الامريكية عن التحول في مسار السنة في العراق 19 ديسمبر 2005 )  و(صحيفة الستاندرد النمساوية 16 ديسمبر 2005 ) .( الاهرام العربي 16 ديسمبر 2005 ) .

كما تميزت هذه الانتخابات بتنفيذ المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق  برنامج للتصويت خارج العراق على ان تُحتسب اصوات الجاليات العراقية المشاركة في الأدلاء باصواتهم من ضمن العملية  التعويضية .ووصفت حمدية الحسيني رئيسة لجنة الانتخابات خارج العراق هذا البرنامج بالخطوة      الشجاعة لاجراء العملية الانتخابية في الخارج الذي أُنجز في وقت قصير ووفر ملايين الدولارات قياسا بالانتخابات السابقة . ولقد تم فتح  مراكز متعددة في  15 دولة من دول العالم منها اربع دول عربية هي سوريا ولبنان والامارات العربية المتحدة والاردن التي أُختيرت عاصمتها  عمان لتكون المركز الرئيسي لجميع  الدول التي كان من بينها النمسا واستراليا والولايات المتحدة الامريكية وكندا والمانيا والمملكة  المتحدة والسويد وهولندة وكذلك ايران وتركيا ( المؤتمر الصحفي المشترك لموظفي المفوظية العليا للانتخابات حول الاعلان عن النتائج الاولية للانتخابات في الداخل والخارج  بالفضائية الشرقية في 23 ديسمبر 2005 ) .

كما اختارت المفوضية كوادر اكاديمية عراقية خالصة دون اشراك اية جهة اجنبية طلبت قدومهم الى عمان من هذه الدول للالتحاق في دورة تدريبية مكثفة لمدة اسبوع ليعودوا بعدها الى تدريب واعداد العاملين الذين تم اختيارهم للاشراف على عملية الاقتراع في المحطات الانتخابية في كل دولة جرت فيها الانتخابات.

ولقد تشرفت شخصيا ان اكون احد المدربين الذين شاركوا في هذه الدورة وتولوا مسئوولية تدريب كادر العمل لمركز الانتخابات في العاصمة فيينا الذي أُختير مبنى السفارة العراقية ليكون مقرا لها . وفي الساعة السابعة من صباح الايام 13 الى 15 ديسمبر كانون الاول عام 2005 ، فُتحت صناديق الاقتراع حتى الساعة السادسة من كل مساء .

 وبعد انتهاء التصويت خلال الايام الثلاثة ، في جو هادئ ومنظم واكمال عمليات العد والفرز ، أُقفلت الصناديق وتم اعدادها وارسالها الى المقر الرئيسي في عمان .

 واغتنم السفير العراقي في فيينا طارق عقراوي وعقيلته مناسبة الانتهاء من الانتخابات ليقيم مأدبة عشاء في مبنى السفارة العراقية دعا اليها مدير مكتب الانتخابات في فيينا وجميع الاكاديميين الذين  ساهموا في العمل بعد ان وُزعت عليهم الشهادات والمكافآت المالية المناسبة اعترافا بجهودهم ومشاركتهم في خدمة  الانتخابات. كما حضر هذا الحفل عدد كبير من افراد الجالية العراقية علت فيه الموسيقى والاغنيات العراقية والدبكات الكردية في امسية كانت اشبه باحدى ليالي الاعراس العراقية عمتها المحبة والافراح والامل بدلا من اجواء الخوف والمغامرة التي رافقت العراقيين عند سفرهم مرتين من فيينا الى ميونخ من اجل الادلاء باصواتهم في الانتخابات الاولى التي جرت في 30 يناير كانون الثاني عام 2005  بسبب سوء الاحوال الجوية وتساقط الثلوج بكثافة  الامر الذي ادى الى كثير من حوادث الطرق المأساوية في جميع انحاء اوربا في الشتاء الماضي  .

وشهد الاسبوع الاول الذي انتهت فيه الانتخابات في العراق زيارة وزير الدفاع الامريكي دونالد رامزفيلد الى بغداد مثل زيارته اليها بعد الانتخابات الاولى بتاريخ 11 فبرايرشبط عام 2005 . ومن خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الوزير مع رئيس الوزراء العراقي ابراهيم الجعفري قدم التهاني بمناسبة نجاح الانتخابات واعلن عن نية الادارة الامريكية وقرار الرئيس الامريكي جورج بوش باجراء تخفيض على قوات التحالف الموجودة في العراق في ربيع العام 2006 . وقال ان هذه الانتخابات هي بمثابة الفرصة المهمة للحصول على حكومة تمثل كل العراقيين والوصول الى قيادة تحافظ على مسيرة الديموقراطية ودعم القوات العراقية وتحقيق الامن للشعب العراقي . كما اشار مؤكدا الى ان قواته لم تأت الى العراق من اجل النفط او اقامة قواعد عسكرية دائمية وانما جاءت لتقديم المساعدة للعراقيين ( النقل المباشر للمؤتمر الصحفي من  فضائية العراقية في 23 ديسمبر 2005 ) .

 كما صادف في نفس الوقت وصول رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الى البصرة قادما من الكويت الذي اجتمع بدوره بقيادة الجيش البريطاني في الشعيبة والقى خطابا في القوات البريطانية هناك  مشيدا بقدرة القوات العراقية في تعزيز الامن والاستقرار في العراق والتأكيد على توليها 75 بالمئة من مهام الامن في الصيف القادم من عام 2006 . كما شمل المشهد العراقي زيارة نائب الرئيس الامريكي ديك شيني الى بغداد الذي اجتمع بدوره الى القادة الامريكان والسفير الامريكي ببغداد واكد على توجه الادارة الامريكية بتخفيض قواتها في العراق من 17 الى 15 لواء في الربيع القادم .                                 

وفي مطلع الاسبوع الاول من العام الجديد 2006 ، وصل جاك سترو وزير الخارجية البريطاني في زيارة مفاجئة الى بغداد . وبعد ان اجتمع بالقادة العراقيين وعقد مؤتمرات صحفية معهم ، صرح " بان انسحاب القوات البريطانية من العراق هو مسالة شهور وهو امر مرهون بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة . وعبر عن امله بتشكيل حكومة وطنية حقيقية  وان تشارك كل الاطياف فيها" . كما اشاد بالانتخابات ونزاهتها  وبمسيرة الديموقراطية في العراق وأدان عمليات العنف وقال : " ان من يدعون اليها هم اعداء المجتمع الدولي كله  . وان على الجماعات المسلحة ان يلقوا السلاح وان ينخرطوا في العملية السياسية .

وان القوات البريطانية ستنسحب من العراق اذا ما طلبت الحكومة منها ذلك" .ولقد صرح الرئيس العراقي جلال الطالباني من خلال المؤتمر الصحفي مع الوزير البريطاني على اثر التفجيرات المرعبة التي وقعت منذ بداية الاسبوع الاول من العام الجديد في عدد من المدن العراقية  قائلا : "اننا ندين الجرائم البشعة التي ارتكبت ضد مرقد الامام الحسين بن علي والحضرة الكيلانية" . كما انه سبق وان صرح في مناسبة اخرى بوضوح قائلا : " اننا لا نستطيع ان نقبل هؤلاء الذين يعملون مع الارهابيين في الليل ويقفون الى جانبنا في النهار" ( النقل المباشر للمؤتمر الصحفي للوزير البريطاني والرئيس الطالباني من فضائية العراقية في 7 يناير 2006 ) ( صحيفة الول ستريت جورنال التي نقلت تصريح الرئيس الطالباني في 5 يناير 2006 التي جاء فيها ايضا ان الرئيس الامريكي جورج بوش سيقوم بزيارة للعراق بعد تشكيل الحكومة الجديدة ليتسنى له القاء  خطاب في البرلمان العراقي  الجديد  ) .

 ولم ينس الرئيس الامريكي جورج بوش الاشادة باجراء الانتخابات التي قال عنها:" انها تشكل الخطوة الاساسية في بناء عراق ديموقراطي " . وعبر اعضاء مجلس الامن والامين العام للامم المتحدة عن سرورهم باجراء الانتخابات في العراق واعتبروها صفحة جديدة في تاريخ العراق الجديد ( فضائية السي ان ان الامريكية في 24 ديسمبر 2005 ) .

وفي هذه المناسبة احتفلت وزارة الدفاع العراقية باستلام الملف الامني لخمس محافظات من القوات المتعددة الجنسيات ، الامرالذي أُعتبر خطوة على طريق تحقيق استكمال السيادة الوطنية في العراق ( الفضائية الشرقية 26 ديسمبر 2005 ) .

ولقد اشار كل من عادل اللامي وفريد آيار وحمدية الحسيني وغيرهم من موظفي المفوضية العليا للانتخابات ببغداد بعد ظهور النتائج الجزئية للانتخابات في الداخل والخارج الى تقدم قائمة الائتلاف العراقي الموحد والاتحاد الكردستاني والقائمة العراقية الوطنية وجبهة التوافق العراقية واكدوا على ان الانتخابات جرت وفقا لمعايير دولية وصل عدد المراقبين الذين اشرفوا عليها الى 120 الف مراقب . وان مستشارين من الامم المتحدة  شاركوا في عمليات التدقيق  في عدة محافظات لضمان عملية انتخابية نزيهة

بعد مطابقة عمليات العد والفرز والفحص للاصوات من اجل تعزيز الثقة في الانتخابات رغم وجود شكاوي تصل الى نسبة 5 بالمئة حول وقوع عمليات تزوير نسبية وان مثل هذه الشكاوي لا تؤثر على حجم العملية الانتخابية في العراق  ( المؤتمر الصحفي المشترك في الفضائية الشرقية لموظفي المفوضية العليا المشار اليه سابقا ) .

وما ان أُعلنت مثل هذه النتائج الاولية حتى علت اصوات الاحتجاجات والاتهامات والطعون بالتزوير . وخرجت مظاهرات في بغداد بعد صلاة يوم الجمعة 24 ديسمبر كانون الاول عام 2005 تبعتها مظاهرات في سامراء والموصل دون مراعاة لما جاء في البيان الختامي لمؤتمر الوفاق الذي عُقد في القاهرة في الشهر الماضي الذي اشرنا اليه في هذا الجزء سابقا . وسارت تلك المظاهرات تندد بسير الانتخابات وتهدد بالغائها في الوقت الذي لم تكن نتائجها النهائية قد ظهرت بعد . 

وعلى اثر هذه الاحداث تجمعت كيانات سياسية من قوائم مختلفة في كتلة واحدة اطلقت على نفسها اسم "مرام" ، قدمت رفضها رسميا بشأن نتائج الانتخابات ودعت الى اجراء انتخابات جديدة  في الوقت الذي حصل فيه تصعيد لعمليات العنف ضد القوات العراقية وتفجير لمصفاة النفط في بيجي والدورة وانقطاع  التيار الكهربائي وتوقف وصول مياه الشرب الى دور المواطنين في العاصمة بغداد وواجه المواطنون قرار ارتفاع اسعار الوقود الذي اعلنته الحكومة وقدم وزير النفط استقالته احتجاجا عليه . كما رافق كل ذلك ظهور صدام حسين  على شاشات التلفزيون في سير احدى محاكماته العلنية المثيرة للجدل التي ثار من خلالها وارتفع صوته بحدة وهو يخاطب القاضي بعد ان اعلن بانه تعرض للتعذيب داخل سجنه  وقال : "طز على بوش وكرسيه وعلى ابيه من قبله. انا اعتز بحزبي وهو الذي خلق الدول والثورات وانا الذي خلقته . وازداد حدة وبدلا من ان يقول اريد ان اسأل الشاهد ، زلّ لسانه وقال وبصوت مرتبك  : "اريد ان اسأل المتهم ". وهنا تدارك الموقف كما لو انه كان هو القاضي او الرئيس القائد ، مما دعاه ان ينقلب ضاحكا ، ا لامر الذي دفع بالكثير من المسئولين خارج المحكمة ان يوجهوا انتقاداتهم الى قاضي المحكمة الذي أُشيع عنه انه قدم استقالته (النقل المباشر من فضائية العراقية في 22 ديسمبر 2005 ) ..

واشتدت مطالبة "مرام" بحسم موضوع التزوير وقالت انه ما لم يجر ذلك فسوف لن تكون هناك مشاركة في الجمعية الوطنية القادمة . وان الحل الافضل هو اعادة الانتخابات في ظل رقابة دولية ( تصريح صالح المطلق  في فضائية العربية 25 ديسمبر 2005 ) . لكن اطرافا اخرى ردت تقول ان اعادة الانتخابات هو امر لا يسمح به القانون وان التهديد والوعيد هي اعمال تقع تحت طائلة المسئوولية وتخضع لعنوان قانون مكافحة الارهاب وان المطلوب عدم التصعيد لان هذه الامور لا تخدم الجمهور ولا تهدف الى العمل المشترك ( تصريح جواد المالكي في حوار بفضائية المستقلة 26 ديسمبر 2005 ) .

وبعد ان ارتفعت موجة الاتهامات المتبادلة بين الاطراف الرئيسية فيما يتعلق بنتائج الانتخابات التي تأخر ظهورها ،  بدأت هذه الاطراف بالسفر الى كردستان العراق حيث وصل السيد عبد العزيز الحكيم الى اربيل واجتمع بالزعيم الكردي مسعود البرزاني والقى خطابا في برلمان كردستان وعقد مؤتمرا صحفيا بعده اكد فيه على" ضرورة العمل بالدستور وحق العراقيين في بناء الفدرالية التي قال عنها بان الفدرالية التي تحققت في كردستان العراق ساهمت في تقوية علاقاتها مع المركز . وهي تجربة قابلة للتطبيق في العراق في وسطه وجنوبه دون ان تؤدي الى التجزئة والانفصال" . وفي كلمة له امام حشد من المثقفين والاساتذة في اربيل ايضا ، قال :" ان الشيعة والاكراد صورة لمأساة واحدة . وذكر ان المجموعات الارهابية وحديثها عن الشيعة ككفرة والاكراد كخونة مرتدين يجب قتلهم هو منطق غير انساني ولا اخلاقي يجب العمل على توعية الاخرين امام هذا الفكر الرافض للآخر ". واشار السيد الحكيم الى" عدم موافقته باعادة الانتخابات او تدخل اية جهة  دولية وشدد على ان المفوضية العليا للانتخابات هي الطرف المعني بالامر وهي ملتزمة بالقانون "  وذكر ايضا " ان الاطراف المعنية تسعى الى تشكيل الحكومة  القادمة واختيار الشخص الملائم لرئاستها وتحمل مسئوولياتها الملقاة على عاتقه . ووجه السيد الحكيم ندائه لاخوته واحبائه العراقيين من

العرب السنة قائلا : "بان الجميع سيدافعون عنهم ضد الارهاب الذي اوقعهم اسرى له وقال سندعوهم  للمشاركة في العملية السياسية والحكومة القادمة واقول لهم ان هناك من يزرع الفتنة بين ابناء الشعب الواحد وعلى الجميع ان يحذر هؤلاء " ( النقل المباشر للمؤتمر الصحفي للسيد الحكيم في اربيل 27 ديسمبر 2005 بفضائية كردستان العراق  ) . ولقد تبع ذلك اجتماع في السليمانية  بين رئيس الجمهورية جلال الطالباني والزعيم مسعود البرازاني والسفير الامريكي خليل زلماي زادة لتقييم الوضع الانتخابي ونزاهته ومواصلة العمل من اجل تشكيل حكومة وحدة وطنية .

اما عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية فقد اشار الى:" ان نتائج الانتخابات كانت اولية وان هناك ضجيج اكبر في الاعلام من الحقائق الانتخابية التي جرت على جانب كبير من المصداقية والشفافية . وقال ليطمئن المواطن والقوى السياسية ان العملية كانت انعكاس لتطلعات الشعب العراقي وان القوائم التي كانت تنتظر نتائج اعلى ولم تحصل عليها فهذا امر طبيعي" ( عادل عبد المهدي في حوار مع الفضائية العراقية 26 ديسمبر 2005 ) .

وفي حوار مع روبرت فورد المستشار في السفارة الامريكية ببغداد الذي تحدث باللغة العربية اشار الى": ان المفوضية العليا للانتخابات بعثت فريقا للتحقيق الى بعض المدن العراقية وان الحكومة الامريكية تساندها بعملية النقل واننا ننتظر النتائج وسوف نتعاون مع اية حكومة يختارها الشعب العراقي من القيادات السياسية التي ينتخبها العراقيون . وان  المهم ان تكون حكومة مؤهلة ولها خبرة وتحظى بمصداقية لخدمة الشعب العراقي" وفي تصريح  لاحق للمستشار فورد تحدث فيه عن تاريخ خطوات الديموقراطية وتقدمها في الولايات المتحدة الامريكية عبر السنين الطويلة  واشار الى مشاركة العرب السنة في الانتخابات الاخيرة التي وصلت في محافظة الانبار الى 55 بالمئة التي اعتبرها خطوة مهمة على طريق التقدم في العراق ووجه انتباه العراقيين الى ضرورة    توحيد الصفوف ونبذ العنف والتعاون مع بعض لترسيخ الديموقراطية في العراق ( في حوار مع المستشار روبرت فورد بفضائية العراقية 29 ديسمبر 2005 ) و ( التصريح اللاحق في 10 يناير 2006 من الفضائية الشرقية). 

 وحول هذه المساعي الامريكية علق الصحفي العراقي المعروف عامر البياتي في فيينا قائلا : "كما يبدو ، يتطلب ظهور نتائج الانتخابات انتظار توجيهات الادارة الامريكية الممثلة بالاشراف المباشر لسفيرها خليل زلماي زادببغداد من اجل تخطي الصعوبات التي واجهت الحوار بين الاطراف المعنية وتحديد المحاصصة بين الاحزاب الرئيسية في الحكومة القادمة . وتفضل الادارة الامريكية في مثل هذه الظروف تهدئة الامور بالتعاون بشكل غير مباشر مع الاطراف السنية مؤكدة على تعاونها هذا باطلاق سراح بعض القادة البعثيين المعتقلين في بغداد مثل همام عبد الخالق وزير التعليم العالي زمن حكم صدام حسين مع هدى عماش ورحاب العزاوي وغيرهم خلال شهر ديسمبركانون اول عام  2005 ". واضاف البياتي قائلا : "ان الامريكان  اصبحوا اليوم مستعدين للتعاون حتى مع الشيطان للخروج من المأزق العراقي" . واشار البياتي ايضا الى الزيارة المكوكية التي قام بها السفير الامريكي نفسه خلال شهر ديسمبر كانون اول عام 2005 الى كل من المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة والزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية الامريكية كونداليزا رايس في 13 نوفمبر تشرين الثاني عام 2005 الى المملكة العربية السعودية ايضا واجتماعها بالمسئوولين في المملكة وتقديم الشكر لهم على مساعدتهم للعراق عندما صرحت هناك : " ان مستقبل العراق امر مقلق للسعودية  . واننا  نرجو ان يكون هذا المستقبل واعدا . واننا جميعا مع الجيران والسعوديين بحاجة ان ينخرطوا مع العراقيين" . واضافت تقول :" ان الشعب العراقي يستحق اعجابنا وثقتنا في تقبلهم هذا التاريخ الطويل من معاناتهم ".

ومن هنا اكد البياتي على "ان كل هذه المساعي الامريكية  تهدف على ما يبدو الى حصول مباركة هذه الدول وتطمينها وارضائها من خلال إعطاء دور للعرب السنة وعدم بقاء الثقل السياسي بقيادة العرب الشيعة في  العراق" ( الحوار الذي جرى في لقاء بيني وبين الصحفي البياتي في فيينا بتاريخ 30 ديسمبر 2005 ) و  (التقرير الخاص في مجلة النيوزويك الاسبوعية الامريكية عن التحول في مسار السنة في العراق بتاريخ 19 ديسمبر 2005 ) و ( النقل المباشر لوقائع المؤتمر الصحفي للوزيرة الامريكية مع الوزير السعودي الامير فيصل من فضائية السعودية بتاريخ 13نوفمبر 2005).

 ولقد شنّ اياد علاوي رئيس الوزراء الاسبق من القائمة الوطنية العراقية  هجوما عنيفا على رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري السابق محمله المسئوولية عن الفساد والرشاوي . ولقد أدان علاوي سياسة الجعفري التي قال عنها  : " انها اضرت  بالاقتصاد العراقي" . ولكن من الملفت للنظر بعد يوم واحد من هذا الهجوم ان يتوجه اياد علاوي الى النجف الاشرف على نحو مفاجئ وان يُعلن عن  تعرضه الى هجوم مسلح في الصحن الحيدري (اخبار الفضائية العراقية في 3و4 ديسمبر 2005 ) .

وما ان حلّ اليوم الاول من العام الميلادي الجديد 2006  حتى أُفتتح بتفجير العديد من السيارات المفخخة في انحاء متفرقة من بغداد ، راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى من  الابرياء العراقيين في الاسواق العامة والشوارع . ولقد احتفل هؤلاء المفخخون بكسر الخاء بمثل هذه الاعمال المأساوية  البشعة في القتل والتدمير وزرع الرعب كما لو انهم ارادوا ان يقلدوا ما تقوم به شعوب العالم التي تحتفل بعيد رأس السنة الميلادية الجديدة من اطلاق الالعاب النارية بالوانها الزاهية المصحوبة بالرقص على انغام الموسيقى الصاخبة في الشوارع العامة  استقبالا بقدوم العام الجديد . 

كما تصاعدت تلك العمليات المرعبة حدة في سفك دماء العراقيين ونشر رسالة الرعب  في كل من بغداد والرمادي وبالاخص في المدينة المقدسة كربلاء وبالقرب من مرقد الامام الحسين بن علي ( ع ) ، واستمرتطوال الاسبوع الاول وما بعده من العام الجديد ، وهو الاسبوع الذي صادف وصول حجاج بيت الله الحرام الى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج للعام الهجري 1426 .

وكان ابشع تلك العمليات ذلك التفجير الذي استهدف المشيعين لجنازة شهيد قتل في العملية الانتحارية  في كربلاء .وحول هذا الحادث اهتز ضمير الصحفي المعروف سمير عطه الله معبرا عن عميق احزانه عندما قال :"هناك كليشيهات كثيرة تمخضت عن بلادة العقل العربي والشغف بالتخلف . هل هناك ما هو ابشع من الاحتلال والخيانة والعمالة ؟ نعم نعم . انه تفجيرات الجنازات والموتى ومودعيهم . وهل هناك ما هو ابشع من هذا ؟ نعم السكوت عنه والتصرف القومي العام وكأن هذه هي يومياتنا الحضارية . هذه النفوس الكريهة التي تفجر الجنازات . هذه النفوس تستحق ان تتبرأ منها الامة في صوت واحد معلنة انها ليست " مقاومة" بل فرقةتصفية لا وجود لها في اقسى المافيات وفرق القتل . لقد تخطت الجريمة السياسية في العراق كل تخيّل وكل تبرير وكل تفسير وكل اهانة للنفس البشرية وتحول الاسلوب الاستشهادي الى جريمة مجنونة جبانة وخسيسة ضد موكب جنائزي" ( سمير عطه الله في صحيفة الشرق الاوسط 6 يناير 2006 ) .

وفي بداية العام الميلادي الجديد 2006 ، وجه السيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق رسالة الى المسلمين دعاهم الى تحمل المسئولية لوقف نزيف الدماء العراقية . الا انه عبّر عن اسفه لعدم استجابة الا القليل لندائه  . واضاف السيد الحكيم مبينا "ان قوى التكفير وبقايا النظام السابق تشن حملة جماعية لأبادة الشعب في العراق ترمي الى مكاسب طائفية من ورائها. وقال انهم يقتلون الشيعة ويجعلون السنة رهائن لديهم . بل انهم يقتلون كل من يرمي الى الوحدة بين الشيعة والسنة . وانهم حرموا السنة من ممارستهم حياتهم الطبيعية في الحياة السياسية عندما منعوهم من المشاركة في الانتخابات العامة في 30 يناير كانون الثاني عام 2005 ". واشار قائلا:" ان ما نريده هو تحقيق العدالة في توزيع الثروات والسلطة ولا نريد تهميش طائفة او ابعاد اخرى لاننا كنا ضحايا التهميش والابعاد والقتل .ولا نريد ان تتكرر التجربة ضد الآخرين" . وبعد ان تحدث السيد الحكيم عن الدستور واحترام مكونات الشعب العراقي وضمان حقوقها ، قال:" ان الانتخابات الاخيرة هي اول تجربة تجري طبقا للدستور الجديد أملا بالوصول الى تحقيق العدالة والمساواة واعادة بناء العراق الذي لا يمكن ان يتحقق استقراره دون مشاركة الجميع" . كما طالب السيد الحكيم المسلمين في رسالته هذه  علماء المسلمين في كل مكان ان يبادروا الى تحمل مسئولياتهم تجاه ما يجري في العراق من قتل على ايدي التكفيريين واشار ايضا الى" ان استمرار التفجيرات ضد العراقيين من اهل البيت وهم اكثرية الشعب في العراق لا يمكن السكوت عليها الى ما لا نهاية واننا لا نريد ان يخرج الامر من عقاله" . كما طالبهم بتوحيد مواقفهم لمواجهة هذا الفكر التكفيري الغريب عن الاسلام  ومبادئه ( النقل المباشر لرسالة السقيد عبد العزيز الحكيم التي وجهها الى الحجاج المسلمين بتاريخ 1 يناير 2006  من فضائية الفرات ) .                                  

وفي نفس اليوم الاول من العام الجديد وصل ابراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي آنذاك برفقة بعض المسئولين في حكومته الى كردستان العراق للاجتماع بالزعيم مسعود البرازاني في اربيل والرئيس جلال الطالباني في السليمانية واجراء المشاورات معهما بشأن نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة القادمة . كما وصل الى كردستان في نفس اليوم ايضا وفد جبهة التوافق العراقية برئاسة عدنان الدليمي وطارق الهاشمي للتشاور على انفراد مع الزعيم البرازاني . وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده الوفد صرح الدليمي قائلا : " اننا لا نضع شروطا مسبقة على الاخرين وان ماكنة الاعلام الخبيثة توزع العراقيين حسب المذاهب والاعراق واننا سننظر الى مستقبل العراق على اساس لا غالب ولا مغلوب" . وبعد ان عبّر عن عدم رضاه على الدستور وطالب بوقفة جديدة حتى تجعل منه عقدا جديدا لكل العراقيين اضاف قائلا :" ان قادة جبهة التوافق العراقية ترفض الفدرالية في المنطقة الوسطى والجنوبية في العراق لانها تُقام على اساس طائفي" . وقال ايضا :" ان الفدرالية  في كردستان  تُقام على مقومات جغرافية وتاريخية وهذا ما نكرره دائما" . اي ان الدليمي اغتنم الفرصة بالرد على السيد الحكيم حول تصريحه عن الفدرالية  ومن نفس المكان وكما لو انه كان يتحدث بالنيابة عن جميع اهل الوسط والجنوب في العراق . وبعد ان اعلن الدليمي عن استنكاره لعمليات قتل المدنيين قال : "انها تقع علينا اكثر من بقية العراقيين وان كل النخب السياسية تعمل على تشكيل حكومة وفاق وطني " .( قناة الفضائية العراقية في 1 يناير 2006 ) . فهل صدق الدليمي عندما قال من ان عمليات قتل المدنيين تقع علينا اكثر من بقية العراقيين الاخرين ؟

ولقد علّق غسان العطية على مجمل هذه اللقاءات والمشاورات والزيارات التي اجرتها الوفود العراقية القادمة بالتعاقب من بغداد الى اربيل والسليمانية  قائلا : "كما يبدو ان العراقيين لم يُتاح لهم الوقت الكافي للاعداد والتفكير بالانتخابات والدستور مما ادى الى حصول تجاوزات بين الاطراف . وان التحولات اخذت تعكس واقع الشعب العراقي المنقسم على نفسه . واذا كانت الدكتاتورية هي السبب الذي جعلنا نعيش عشرين سنة في المهجر فان الوضع الحالي في العراق سوف يجبرنا ان نعيش لسنوات اطول في الخارج ". واضاف قائلا : "انه لمن سخريات القدر ان نجد ان الدور الكردي هو الذي اصبح يعمل على تجميعنا وتوحيدنا بعد ان كان هو المستهدف" (غسان العطية مدير معهد التنمية والديموقراطية في حوار مع فضائية العربية 26 ديسمبر 2005 ).

وعلى ضوء تلك التحركات المتواصلة ، استمر القادة الاكراد في لعب دورهم  المؤثر لتقريب وجهات النظر بين الاحزاب العراقية المختلفة من اجل تشكيل الحكومة الجديدة بعد ظهور نتائج الانتخابات الاخيرة لتحمل الاعباء الاكثر صعوبة في الاربع سنوات القادمة من تاريخ بناء العراق الاتحادي الديموقراطي الجديد .

وفي يوم 10 فبراير 2006  عقد اعضاء المفوضية العليا المستقلة للانتخابات مؤتمرا صحفيا اعلنوا فيه عن التصديق على نتائج الانتخابات النهائية وقدموا القوائم الفائزة  حيث حصل الائتلاف العراقي الموحد على 128 مقعدا والتحالف الكردستاني على 53 مقعدا وجبهة التوافق العراقية على 44 مقعدا والقائمة العراقية الوطنية على 25 مقعدا وجبهة الحوار الوطني 11 مقعدا بالاضافة الى بعض المقاعد لقوائم صغيرة اخرى . وفي ختام المؤتمر عبر الاعضاء مع ممثل الامم المتحدة الذي اشرف على الانتخابات عن سرورهم  لهذه النتائج متمنين في كلمة لكل منهم للعراق بقيام نظام ديموقراطي زاهر وحكومة موحدة لخدمة العراقيين ومستقبل ابنائهم .

وبالنظر لكون الائتلاف العراقي الموحد  يمثل اكبر الكتل الواصلة الى البرلمان ، وبعد اجراء التباحث والتشاور  عقد الاعضاء في الائتلاف مؤتمرا صحفيا في 12 فبراير 2006 تحدثوا فيه عن  الاستفتاء الذي  قاموا به لاختيار رئيس للوزراء من بين الاعضاء المرشحين واعلنوا عن فوز ابراهيم الجعفري على ثقة الائتلاف لرئاسةالوزارة في الحكومة العراقية  للاربع سنوات القادمة . كما أشاروا الى ان الاستفتاء جرى في اجواء ديموقراطية أخوية بين كل من عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية وحسين الشهرستاني نائب رئيس مجلس النواب  وابراهيم الجعفري رئيس الوزراء الحالي ونديم الجابري رئيس حزب الفضيلة . وبعد ان استقر الاستفتاء

ما بين كل من عادل عبد المهدي وابراهيم الجعفري ، حصل ابراهيم الجعفري على 64 صوتا مقابل 63 صوتا لصالح عادل عبد المهدي .

 وفي الختام القى كل من الاعضاء كلمات مؤثرة  . تطرق عادل عبد المهدي في كلمته الى ان الائتلاف اثبت للجميع من خلال وعي عال للغاية على خلاف ما توقعه الاخرون من ان الائتلاف مختلف ولن يصل الى نتيجة.   وقال:"  اليوم برهنا على ثقة الملايين في هذا الائتلاف على انها في محلها وان فيه الكثير من الرجال اصحاب الخبرة الواسعة واننا نضع يدنا مع الحكومة القادمة ونبارك للمرجعية هذا اليوم على دورها العظيم في رعاية الانتخابات وابارك للشعب العراقي وكذلك ابارك الاخ السيد عبد العزيز الحكيم على دوره الراعي لهذه العملية لبلوغ هذا المستوى من النصح والمسئوولية  وبذل الجهد الكبير . كما ابارك للائتلاف العراقي هذا النصر  ومرة اخرى ابارك لاخي ابراهيم الجعفري" . اما نديم الجابري فقد قال بهذه المناسبة :"لقد مارسنا تجربة ديموقراطية رائدة  تصح كقاعدة لتأسيس تجربة ديموقراطية  في العراق لوداع الدكتاتورية . وقال انشاء الله سنكون يدا واحدة للسير نحو مشروع انقاذ وطني ونكون عند حسن ضن الجميع " . وبعد ان قدم التهاني لابراهيم الجعفري على فوزه اشاد بدور عادل عبد المهدي على تقبله هذه النتيجة بروح ديموقراطية .

اما ابراهيم الجعفري فقد قال في كلمته :" ان الائتلاف يسجل مرة اخرى نجاحا بعد آخر من خلال وحدة كلمته ورص صفوفه وقوة ارادته ونقاء بصيرته ". وخص بالشكر الشهيدين الصدر ومحمد باقر الحكيم  اللذين قال عنهما :" ان هذا الجهد جاء نتيجة لجهودهما ولجهود الكثير من الشهداء . وشكر ايضا المرجعية التي قال:" انها  تناصر خطواتنا  وتدفعنا الى الشاطئ الآخر . انها جهود لعصارة فكر ودم وعرق . انها عملية موغلة في تاريخ ووجدان الشعب العراقي". كما شكر ابراهيم الجعفري السيد عبد العزيز الحكيم على جهوده الكبيرة ومتابعته من اجل حفظ وحدة الائتلاف وقال:" اني اسجل شكري وتقديري لهذا الموقف المشرف" . وبعد ان اشاد بموقف كل من الشهرستاني ونديم الجابري الذي قال انه انسحب من الترشيح  ، اكد على ان :" الائتلاف هو لكل العراقيين وهو ينظر للعراق من خلال مكوناته" . وقال ايضا :" سيشهد الفصل القادم الدراسات والخطط وتباشر الحكومة جلساتها مع الفرقاء السياسيين في الحكومة التي ستهتم بالاولويات التي يبقى الامن في المرحلة المتقدمة منها. وان العراقيين معنيون على مستوى الخدمات والاقتصاد واعادة اعمار  البناء  الى جانب العمل السياسي الداخلي والخارجي لبناء البيت العراقي الجديد في المرحلة القادمة  وسنعمل على حفظ الامانة التي  وضعها فينا شعبنا ".                                                    

ومع كل الازمات الصعبة التي واجهها ابراهيم الجعفري في سنته العصيبة منذ توليه منصب رئاسة الوزراء ، وهي الازمات التي مازالت تزداد حدة خاصة بعد ان تم ترشيحه من قبل الائتلاف الموحد مرة اخرى لنفس المهمة للسنوات الاربع القادمة ، فهل تبقى السنة الاولى من وجوده في السلطة بمثابة المحك الحقيقي الذي سيبني عليه الجعفري تجربته الاصعب في بناء وأدارة البيت العراقي الجديد وسيحافظ بكل فخر على الامانة التي تولاها في مسيرة الديموقراطية بالمرحلة القادمة ؟ .

وبكل تأكيد ان الجعفري ما زال يتذكر حديثه مع صديق له عن طموحه بتنظيم حركة معارضة ضد الحكم الدكتاتوري من مدينته المقدسة في كربلاء ورد ذلك الصديق الذي حذره  بان ادارة شئوون العراق ستكون المهمة الاصعب بكثير من  طريق الوصول الى السلطة  . ولربما كان هذا ما يفسر لنا كلماته الاخيرة  في المؤتمر التي قالها بكل تواضع : " لكانت ابتسامتي أعرض على شفتي لو اني عُفيت عن هذا المنصب "( النقل المباشر للمؤتمر الصحفي عن قناة فضائية العراقية 10-12 فبراير 2006 ) و ( "الدرس الذي يجب ان يتعلمه خلفي"   بريان بنت مراسل مجلة التايم الاسبوعية الامريكية في لقاء مع ابراهيم الجعفري ببغداد 28 فبراير 2005 ) .

فهل كان ما عبر عنه الجعفري اشارة الى ما كانت تخفيه الاحداث من وقوع ازمة  ستعرقل تشكيل الحكومة الجديدة برئاسته  ؟

وبعد كل هذه النتائج وعلى ضوء ما جاء في الدستور الجديد  من دعوة مجلس النواب الى الانعقاد وانتخاب رئيس المجلس ونائبيه . وتولي القائمة التي نالت على اكثرية الاصوات تشكيل الحكومة خلال 30 يوما ، بعد ان تم ترشيح ابراهيم الجعفري رئيسا لها ، ستدعى مختلف القوائم الفائزة الاخرى في الانتخابات لتشكيل الحكومة الجديدة  التي ستنال على ثقة مجلس النواب الجديد .

وما ان أُعلنت نتيجة اختيار الجعفري من قبل الائتلاف العراقي الموحد لشغل منصب رئيس الوزراء للحكومة العراقية القادمة ، حتى شنّت الكتل السياسية الاخرى هجوما عنيفا مدعومين بتصريحات للسفير الامريكي ببغداد الذي نقلت الشائعات بانه حمل رسالة للعراقيين بان الادارة الامريكية غير سعيدة حول نتيجة اختيار الجعفري . ووقفت هذه الكتل موقفا معارضا وصريحا وطالبت جميعها علنا ، حسبما جاء في تصريح محمود عثمان عضو قائمة التحالف الكردستاني :" بان الاكراد واربع قوائم من الاحزاب السنية يرون ان الجعفري غير مؤهل لرئاسة الوزارة القادمة وهم يرسلون برسالة الى الائتلاف العراقي الموحد ان يرشحوا رئيسا جديدا للوزراء غير ابراهيم الجعفري " ( محمود عثمان في قناة فضائية الشرقية في 14 فبراير 2006 ) .

وحول هذا المنعطف المفاجئ في موقف هذه الكتل السياسية ، كتب دونالد هوروفيتز استاذ القانون والعلوم السياسية في جامعة ديوك بكاليفورنا ،كما لو انه كان يراقب الاحداث في العراق عن كثب وهو يقول :"ان الشيعة والاكراد الذين سيطروا تماما على المسرح السياسي وصياغة الدستور سوية، وبعد ان استفاد الاكراد من علاقتهم الودية مع الشيعة نجد انهم أداروا ظهرهم عن هذه العلاقة وطالبوا بتشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل ليس السنة فقط بل وحزب اياد علاوي العلماني ايضا ، بالاضافة الى مطالبتهم بان يتقلد وزارتي الداخلية والدفاع وزيران حياديان مع تشكيل مجلس أمن وطني لمراقبة اعمال الحكومة والمؤسسات التي تقام بموجب الدستور . ان مجموع الاصوات التي حصلت عليها قوائم الاتحاد الكردستاني وحلفاؤهم تصل الى 136 صوتا وهي لا تحصل على الاغلبية التي تشكيل الحكومة . وكذلك الحال بالنسبة الى قائمة الائتلاف العراقي الموحد للاحزاب الشيعية التي حصلت على 128 صوتا ، هي الاخرى لا تستطيع تشكيل الحكومة . وهكذا دخل الجميع الطريق المسدود الذي شجّع المتمردين على استغلال الفراغ السياسي لتتغلغل جماعاتها ما بين المليشيات المسلحة التابعة للاحزاب المتنافسة لتضرب كل منها بالاخرى وتشعل نار العنف والفتنة التي وجد السياسيون انه اصبح من الصعب في مثل هذا الظرف ايقافها" . وأضاف هوروفيتز متسائلا  :" واذا ما سألنا لماذا أرتد الاكراد في مثل هذا الوقت عن الحلف الذي خدمهم طويلا ؟  فان الجواب سيكون غامضا . ان الاكراد الذين كتبوا الدستور مع الشيعة جاء في مصلحة استقرار منطقتهم الكردية  في الشمال . لكن بقاء الشيعة في جبهة واحدة امام بقية الاحزاب الاخرى سيشكل وضعا غاية في السوء . لان الشيعة يشكلون الغالبية التي يرون انها حُرمت طويلا من سماع صوتها وقيام مؤسساتها وهي  تطالب بالحكم . وان الاكثرية التي ترى انها خُدعت وحرمت من حقها لتقلد المكان الحقيقي في الحكومة سيجعل منها عنصرا خطرا . والاكثر اهمية في الامر هو ان قيام حلف ضد الشيعة  سيعرض الجميع الى انفجار العنف الذي سيدفع بالعراق الى الكارثة التي قد تستمر الى سنوات طويلة او الى تقسيم العراق او سقوط السنة والشيعة في حرب اهلية ستمتد شرارتها الى كل المنطقة ". (دونالد هوروفيتز في صحيفة الول ستريت جورنا الامريكية في 14 مارس 2006 ).

كما كتبت صحيفة الاهرام الدولي تقول :"ان نوابا في الائتلاف الموحد يطالبون الجعفري بالتنحي ولكن رئيس الوزراء يتمسك برئاسة الحكومة . ورغم ارتفاع بعض الاصوات مثلما صرح قاسم داود عن كتلة "مستقلون " المشاركة في الائتلاف الموحد الذي طالب الجعفري باتخاذ خطوة شجاعة وضرب المثل الجيد بالتنحي من اجل حماية وحدة الشعب العراقي ، لكن جواد المالكي المسئوول البارز في حزب الدعوة الذي يرأسه الجعفري أكد ان الجعفري لن يتنحى او يتخلى عن الترشيح لرئاسة الحكومة لفترة ثانية . وان الجعفري لن يفعل ذلك بالطبع وانه  لايزال المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء وسيظل كذلك حتى النهاية " ( صحيفة الاهرام الدولي في 2 ابريل 2006 ) .

وأستمر الجعفري بالرفض في اتخاذ اية مبادرة تشير الى سحب ترشيحه والابتعاد عن اثارة الفتنة متعللا بالقول:"  عندما تجتمع الكلمة قانونيا في البرلمان على ان اتنحى ، فسوف اتنحى . ولو ان البرلمان رفض اسمي فاني سوف استجيب " ان علينا حماية الديموقراطية . وان الديموقراطية هي التي ستقرر من سيحكم في العراق . وانه من المفروض ان يلتزم كل منا بآليات الديموقراطية بغض النظر عن الرأي الشخصي بالآخر" ( المؤتمر الصحفي لابراهيم الجعفري في 6 ابريل 2006  النقل المباشر من قناة الفضائية العراقية) و( صحيفة النوية تسوريخ تسايتونغ 6 ابريل 2006 ) .

 وبمناسبة تقديم العزاء في حادثة  اغتيال امجد حميد مدير قناة تلفزيون العراقية  وزميله انور تركي ، الحادث المأساوي الآخر الذي هز ضمير الشعب العراقي تحدث الجعفري قائلا :" ان ازمتنا الحقيقية هي ازمة الديموقراطية ضد الارهاب . وان سقوط الشهيدين اللذين أُغتيلا بالامس هو انعكاس للازمة الحقيقية في مركّب الشعب ضد الارهاب ( ابراهيم الجعفري من قناة تلفزيون العراقية في 12 مارس 2006 ) .

 ولم يتردد حتى عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية ومن قائمة الائتلاف الموحد عن التعبير واعلان رأيه عندما صرح لاحدى القنوات الاجنبية وباللغة الانجليزية بالقول :" أعتقد انه يجب على الجعفري ان يتنحى" (نقلت هذا التصريح عدة فضاءيات كالجزيرة و سي ان ان وال بي بي سي 9 ابريل 2006 )  

اما علي الدباغ عضو الجمعية الوطنية العراقية ففي حوار معه من فضاء الحرية على الوضع المتفجر في العراق والموقف من رفض هذه الكتل لاختيار الجعفري علق قائلا : " والله نحن سائرون نحو مشكلة كبيرة اذا لم يلتفت اليها الجميع . هذه ليست مقاومة . هذه ابادة للعراقيين . هذه مجموعات تكفيرية عادت للعراق . على المقاومة ان تقاوم هؤلاء التكفيريين واخراجهم من العراق وليس العمل معهم والسكوت عليهم . العراق لا يتحمل مناورات سياسية . هل المشكلة الآن هي في الائتلاف كما يصرح الاخرون ؟ وهل نقذف بالائتلاف الى البحر؟ اليس هم الفائزون بالاكثرية ؟. ان الكتل السياسية وضعت المصلحة الحزبية قبل المصلحة الوطنية ( علي الدباغ عضو الجمعية الوطنية العراقية في فضاء الحرية من قناة الفيحاء في 4 مارس 2006 ) .                               

فهل ان ابراهيم الجعفري ، المرشح الجديد لرئاسة الوزارة ،  تعلّم بعد كل ما بينّا كيف يجتاز حدود التجربة الاولى بجدارة ويصبح على استعداد لتولي مهمات العمل السياسي الداخلي والخارجي ومعالجة الازمات ومواجه التحديات الصعبة التي ما زال الشعب يعاني منها حتى يثبت جدارته بالثقة التي وضعها الشعب فيه لخدمة هذا الوطن ؟ . أم ان الاحداث الدامية التي يعيشها العراقيون كل يوم بدأت تشير الى عقم تطلع العراقيين الى الديموقراطية وديمومة المعادلة ذائعة الصيت التي اشاعها المفكر العراقي حسن العلوي من ان  "الشيعة تلّطم والسنة تحّكم " ؟ وهل احترم القادة العراقيون  حقا مبادئ قواعد الديموقراطية وأسسها ؟ أم انهم  يريدون دفع عجلة التاريخ للوراء حتى تسود ارادة الحلف القبلي الرجعي والتكفيري الارهابي والتمهيد من جديد لتطبيق نفس السيناريو ذائع الصيت بالانقلاب على اكثرية الجماهير من العراقيين  بعد ان قدم جميع العراقيين هذا الكم الهائل من نزيف الدماء والضحايا على الارض العراقية ؟ وهل ان عدم وصول القادة العراقيين الى تشكيل حكومة جديدة حتي ابريل نيسان  2006  أي بعد مرور اربعة اشهر على الانتخابات الاخيرة كان المؤشر على ان ازمة الديموقراطية هي مع الارهاب كما يبررها الجعفري وليست في ازمة تحقيق المصالح والمكاسب الشخصية والخداع في مسيرة الديموقراطية أصلا  كما يراها الاخرون ؟  ( راجع التمهيد  ) .

 وفي مؤتمر صحفي كشف ابراهيم الجعفري مؤخرا عما قاله سابقا  للرئيس العراقي جلال الطالباني :" انا اراك غير مناسب لرئاسة الجمهورية . وان موقع رئاسة الجمهورية يجب ان يكون لسني عربي .وانا لم انطلق من نظرة طائفية في هذا القول وانما من رؤيا شخصية . ولقد قلت ذلك له بغرفة مغلقة والان اقولها علانية "(ابراهيم الجعفري في المؤتمر الصحفي الذي نقلته قناة فضائة العراقية في 11ابريل 2006). فهل كان تصريح الجعفري هذا هو الجواب على سؤال دونالد هوروفيتز الذي اراد ان يفسره على انه ارتداد في موقف الاكراد عن الحلف الذي خدمهم طويلا ؟ أم هو ما قد يفسُر لنا بعضا من الاسباب الحقيقية وراء  ازمة تشكيل الحكومة برئاسة الجعفري ؟ ( هوروفيتز في صحيفة الول ستريت جورنال حول العلاقات بين الاتحاد الكردستاني والائتلاف العراقي الموحد  ) .

وفي زيارة مفاجئة قامت بها كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية مع نضيرها جاك سترو وزير الخارجية البريطانية الى بغداد في 2 ابريل نيسان 2006 بعد قيامها بزيارة الى شمال غرب انجلترة وتصريحها هناك بان بلادها ارتكبت آلاف الاخطاء في العراق ، كتبت صحيفة دي فيلت تقول :" جاءت الوزيرة ونضيرها للاجتماع بكافة الاطراف السياسية من اجل كسر الجمود في عملية تشكيل الحكومة الجديدة ، والتفاهم مع الاطراف العراقية حول من تفضله الادارة الامريكية في تولي مهام الوزارة الجديدة . وتاتي هذه الزيارة  التي يصفها المسئوولون الامريكان بانها ودية مثل بقية الزيارات تعبيرا عن اهتمام الادارة الامريكية التي اصبحت تشعر بالحرج من هذه المواقف وتتطلع الى الخروج من الازمة في وقت تعمل فيه الجهات الارهابية  على سقوط العراق في حرب اهلية "( صحيفة دي فيلت الالمانية بعنوان "رايس وسترو يواصلان الضغط في بغداد في 3 ابريل 2006 ) . لكن معن الجبوري اشار في حواره مع قناة فضائية العربية قائلا :" ان الحديث عن ممارسة الادارة الامريكية للضغوط والتدخل في الشأن العراقي ما هو الا للاستهلاك المحلي لان الجميع يعرفون بالثقل السياسي الامريكي في العراق وان نجاح العملية السياسية في العراق هو نجاح لامريكا وجهودها في الشرق الاوسط . ورغم كل ذلك ، يرى البعض ان هذا التدخل الامريكي يشكل مشكلة وعقدة حقيقية تدفع العراقيين نحو الشعور بالاهانة بينما يرى البعض الآخر ان هذه الزيارة اعطت العراقيين نوعا من التفاؤل في الشارع العراقي القلق لوضع حد لهذا الجمود " ( من حوار بانوراما الذي نقلته قناة فضائية العربية بين مايكل هدسون استاذ الدراسات العربية في جامعة جورج تاون ومعن الجبوري من بغداد 3 ابريل 2006).

وليس بخاف على احد كيف استغلت بعض  الاطراف والكتل العراقية وقادتها وحتى بعض الشخصيات العربية هذا الموقف وراحت تصعد من زيادة العنف في العراق بدلا من تقديم الدعم له . بل وتشجع وتساعد على هجمات التكفيريين الارهابيين لاشعال نار الحرب الطائفية في العراق . فحارث الضاري امين عام هيئة علماء المسلمين في بغداد صرح بانفعال قائلا " ان 40 الف "سني" قُتلوا اثناء فترة حكم الجعفري ! " . اما الرئيس المصري حسني مبارك فقد ادلى بتصريح من القاهرة عزف فيه على نفس الوتر عندما قال :"ان الشيعة في العراق يدينون بالولاء لايران وليس للدولة التي هم فيها". اي ان الرئيس المصري وبكلمة صغيرة الغى تاريخ الحركات القومية والثورات وتجنى على عروبة الشيعة العراقيين وشكك في وطنية اكثر من نصف الشعب العراقي. ويكفينا ردُ الرئيس العراقي جلال الطالباني عندما قال :"ان تصريح الرئيس المصري كان طعنا في وطنية وحضارة العراقيين" وكذلك  رد صالح المطلق من قائمة جبهة الحوار الوطني الذي قال :" يتوهم من يقول ان الشيعة العرب في العراق ان ولاءهم لايران . لان الحركات القومية في العراق بدأت من الشيعة العرب ".

لقد ترك ذلك التصريح غير الموفق واللامسئوول في مثل هذا الوقت الحرج الذي يمر به العراقيون ، آثاره السيئة داخل المجتمع العراقي ولربما انه سيترك آثارا سلبية على مستقبل علاقات العراق بمصر التي وصفها ابراهيم الجعفري اثناء انعقاد مؤتمر الوفاق الوطني العراقي في الجامعة العربية "بحاضنة القدر العربي" . كما انه جاء متناقضا تماما وكلمات الرئيس مبارك نفسه التي افتتح بها ذلك المؤتمر) .

ويفيدنا حسن سلمان المفكر والكاتب السياسي العراقي قائلا ." ان دور الشيعة الوحدوي الجامع للشيعة والسنة في المنطقة العربية معروف ولم يُكتب لنا عن ان الشيعة كانوا من دعاة التفرقة بل كانوا يضحّون دائما بمصالحهم في سبيل وحدة البلد. هناك قوى خارجية تغذي الجماعات التكفيرية خدمة لمصالحها في المنطقة مع وجود مصلحة مشتركة ما بين الحركة التكفيرية والمصالح الاستعمارية . وان  تنسيقا مباشرا يقوم ما بين اعمال الارهابيين وبين الاحتلال مع تقديم الدعم اللوجستي لهم . ان على شعوب المنطقة وحكوماتها ان تعترف بالتعايش مع بعضها وان لا تفسح المجال للخلافات المذهبية . ان هناك مذاهب فقهية والتشيع احدها وهو ما نعتز به . المطلوب ان يُترجم الوعي لدى القيادات السنية وعلماء الدين الى مدرسة مهمة في التعايش . المؤسف انه لا توجد اليوم مؤسسة اسلامية عامة ، والا لما كانت هناك مشكلة في العراق .وان على المسلمين تشكيل نواة  لهذة  المؤسسة لتحل مشاكلنا " . (حسن سلمان من بيروت في حوار حول تصريحات الرئيس المصري ودور الشيعة في المنطقة العربية مع قناة فضائية الكوثر 12 ابريل 2006 ) .

وخلال تلك الايام إستلمت المجموعات الارهابية الشفرة التي أُرسلت لها وقامت بثلاث عمليات متتالية فجرت فيها مراقد مقدسة وجوامع  وقتلت وجرحت المئات من الابرياء العراقيين في كل من  النجف والمسيب وبغداد ( تصريح حارث الضاري الذي نقلته  قناة فضائية الشرقية في 6 ابريل2006  وبقية القنوات العربية الاخرى ) و ( الحوار الذي نقلته قناة فضائية العربية مع الرئيس حسني مبارك في 9 ابريل 2006 )و( المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس جلال الطالباني وابراهيم الجعفري ردا على  تصريحات الرئيس المصري في جميع القنوات الفضائية العراقية في 9 ابريل 2006 )  و(تصريح صالح المطلق في قناة فضائية العراقية في 9 ابريل 2006 ) .

وبعد يوم واحد بدأت ردود الفعل تتفاقم وسارع مجلس الوزراء العراقي الى عقد جلسة قرر فيها مقاطعة مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي انعقد في الجامعة العربية بالقاهرة على خلفية تصريحات الرئيس المصري . وفي تصريح لهوشيار الزيباري وزير الخارجية العراقي الذي تميّز ردُه مثلما تميّزت كافة الردود الاخرى الصادرة عن المسئوولين العراقين  بالاتزان والحكمة والابتعاد عن الهجوم او التصعيد من اجل التصحيح والالتزام والحرص على احتواء الازمة عندما ادلى بتصريح دبلوماسي قال فيه : " من المهم جدا ان يجري تصحيح الصورة والموقف واعتقد ان الرئيس المصري ومصر الحاضنة وذات الدور القيادي والريادي تحتاج الى تصحيح الصورة لاعادة الاعتبار الى عموم الشيعة في العالم " ( هوشيار الزيباري في قنوات فضاءيات العراقية والعربية والاجنبية  في 11 ابريل 2006 ) .

وبعد ان طالت المناقشات وتعثر قادة الاحزاب في الوصول الى تشكيل الحكومة الوطنية الموعودة ، تماما كما حصل بعد الانتخابات الاولى في ينايركانون الثاني عام 2005 التي وصلت الى نهاية شهر ابريل من نفس العام ،   انفجر الصراع  ما بين هذه الاحزاب في هذا الوقت الردئ بالذات امام الشعب الجريح الذي يزداد نزيف الدم فيه كل يوم وإشتدت الضغوط على الحزب الفائز بالانتخابات للعمل على تنحية الجعفري وتقديم مرشح آخر بدلا عنه . ولربما تذكرنا هذه الاحداث بنفس الضغوط التي مارستها نفس الاطراف بعد الانتخابات الاولى وبعد التصويت على الدستور ايضا .( راجع كلمة كل من الطالباني والجعفري في  المؤتمر التحضيري للوفاق الوطني العراقي في الجامعة العربية في بداية هذا الجزء وكذلك ما صرح به غسان العطية  ايضا).

وعندما إزدادت الضغوط واشتدت على ابراهيم الجعفري من مختلف الكتل السياسية العراقية ومن السفارتين الامريكية والبريطانية في بغداد وحتى من داخل كتلة الائتلاف العراقي الموحد نفسها ، حانت الفرصة لأن يتذكر الجعفري تحذير صديقه ايام الشباب في مدينة كربلاء حول صعوبة ادارة شئوون العراق وما صرح به شخصيا في مؤتمر صحفي عندما قال : "لكانت ابتسامتي أعرض على شفتي لو اني عُفيت من هذا المنصب "، وكذلك ما قاله في مقابلته مع مراسل مجلة التايم الامريكية : " ان هذا هو الدرس الذي يجب ان يتعلمه خلفي القادم " ).

 ولم  يستطع الجعفري الاستمرار في تحديه طويلا . وبناء على توجيهات المرجعية العليا في النجف الاشرف التي قدرت الموقف ومدى الضغوط التي تعرض لها الجعفري من اجل حل الازمة وخاصة اثناء زيارة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية الاخيرة الى بغداد التي اوضحت للاطراف الشيعية عن رغبة الادارة الامريكية وتفضيلها استبدال رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري بمرشح آخر بدلا عنه ، أُضطر الجعفري  ان يُعلن في مؤتمرصحفي عقده يوم 20 ابريل نيسان عام 2006 عن قرار سحب ترشيحه وتنازله عندما قال :" اني أشعر ان الائتلاف الموحد مع مرور الزمن بدأ يواجه التحديات وأنا لا اقبل ان يقترن اسمي بتأخير الركب الميمون والمبارك . وبناء عليه يجب ان أُضحي بكل شئئ من اجل نجاحه . ومن وحي ما قدرته ، شعرت بان أعيد الامانة مرة اخرى للائتلاف حتى يروا رأيهم وان لهم الحق ان يعيدوا النظر . وانا تنازلت عن حقي حتى يكون لهم ان يقرروا من يريدون " .  وبهذا الاعلان المفاجئ ، فتح الجعفري الباب امام الائتلاف الموحد ليختار مرشحه الجديد الذي سيقدمه الى البرلمان  بعد يومين من هذا التاريخ وفك الحصار عن تشكيل الحكومة الجديدة التي يرى فيها العراقيون المنقذ من هذا المأزق السياسي ومن مشاكلهم الامنية . ورغم ان الجعفري يحظى باحترام الكثير من العراقيين لما يتحلى به من مبادئ دينية وسمعة طيبة  بعيدا عن الفساد ، الا ان نقاده اخذوا عليه عدم قدرته في تنفيذ الانجازات الموكله اليه التي رأوا فيها الشفاء المرجو للجروح العميقة التي عانت منها القطاعات ونزف منها الشعب بكافة اطيافه . وهكذا وصل الجعفري الى القناعة بنهاية اوهامه في الدفاع وحماية الديموقراطية الوليدة  وآلياتها التي رأى نفسه فيها ديموقراطيا مثاليا اكثر من الديموقراطيين انفسهم في عراق مازالت تحتله القوى الاجنبية وبين ابناء شعبه الذين لا حول ولا قوة لهم .

وبعد ان حلّ موعد استئناف البرلمان جلساته برئاسة عدنان الباججي ،  عقد المجلس جلسة بتاريخ 22 ابريل نيسان عام 2006 في اجواء كانت اشبه بالخانقة لشدة الحر داخل القاعة التي القى فيها محمود المشهداني المرشح لرئاسة المجلس كلمة عرّف فيها بنفسه بانه كان احد المحكومين بالاعدام في نظام صدام حسين وانه توصل الى تخفيف الاعدام الى 15 سنة سجن بواسطة تقديمه 32 مليون دينار رشوة الى قاضي المحكمة . وبعد ان جرى الاقتراع السري ، تم انتخاب محمود المشهداني رئيسا وكل من خالد العطية نائبا اولا وعارف طيغور نائبا ثانيا لرئيس المجلس الجديد الذين دعاهم الباججي الى الجلوس في اماكنهم لتولي مهمتهم الجديدة مقدما لهم التهاني بهذه المناسبة . واغتنم الرئيس الجديد الفرصة ليلقي كلمته بهذه المناسبة مؤكدا لاعضاء البرلمان على عدم الاطالة في الكلام لانه يقدر الجو الحار الذي يعاني منه الجميع داخل القاعة . وعندما انتهى المشهداني من كلمته التي تخللتها  البساطة وروح المرح ، افتتح باب الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية ونائبيه وتم التوصل الى اعادة انتخاب كل من جلال الطالباني رئيسا للجمهورية وعادل عبد المهدي نائبا اول له كما تم انتخاب طارق الهاشمي نائبا ثانيا لرئيس الجمهورية . وتقدم  الجميع لحلف اليمين امام رئيس المجلس . واغتنم جلال الطالباني الفرصة ليلقي كلمة بهذه المناسبة قال فيها :" لا خلاص لنا الا بالمشروع الوطني وبناء دولة المؤسسات ونبذ الطائفية والعرقية والفئوية وسيادة القانون الذي لا يميز بين العراقيين . وان يكون الدستور هو اساس النظام السياسي ".

وعند الانتهاء من كلمته ، كلّف الرئيس الطالباني جواد المالكي مرشح الائتلاف الجديد من حزب الدعوة ، اي نفس الحزب الذي ينتمي اليه ابراهيم الجعفري ، بمهمة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الجديدة بدلا من ابراهيم الجعفري الذي قدم له الشكر بهذه المناسبة على روح الايثار التي ابداها  بالتنازل عن منصبه وخاطبه قائلا :" ان التاريخ سيسجل لك الاعتراف بهذا الموقف " . كما دعى رئيس المجلس ابراهيم الجعفري لالقاء كلمة بهذه المناسبة قال فيها  :" ان هذا المجلس هو محط آمال الشعب لانه شهد اليوم ولادة العطاءات الكبيرة من خلالهذا التشكيل السياسي الذي يمثل مكونات الشعب العراقي" واستمر الجعفري في كلامه مؤكدا على عنصر المؤامرة التي تدفع بالعراق الى ان يرزح بالدم وخاطب الجميع مؤكدا ان عدوهم الوحيد هو الارهاب لانه لا يوجد بين العراقيين سواء المسيحيين او المسلمين لا من الشيعة ولا من السنة من يريد ان يسفح دم الآخر . واختتم كلمته قائلا :"انه لا يسعني الا ان ابقى في هذا الكرسي البرلماني " مؤشرا الى مكان جلوسه في المجلس ".

 وما ان انتهى ذلك اليوم من مسيرة الاصلاع الديموقراطي الصعبة في العراق ،حتى عبّر العراقيون عن رضاهم وتفاؤلهم ، اما الارهابيون فقد إحتفلوا وارسلوا تهانيهم بهذه المناسبة على طريقتهم المعتادة بواسطة بتفجير سبع سيارات مفخخة مرة واحدة ، قتلوا وجرحوا فيها العديد من الابرياء العراقيين في شوارع بغداد مباشرة بعد ذلك اليوم.

 كما علت تصريحات العديد من قادة الدول في العالم مرحبة بالحدث الكبير وعلى رأسهم الرئيس الامريكي جورج بوش الذي وصف ما أُنجز في ذلك اليوم :" بالنجاح التأريخي " وأرسل كل من وزير دفاعه دونالد رامزفيلد ووزيرة خارجيته كوندوليزارايس الى بغداد لتقديم التهاني الى العراقيين ولدعم تشكيل الحكومة الجديدة بعد يومين من ذلك التاريخ وفي نفس الوقت الذي ظهر فيه الارهابي الاردني ابو مصعب الزرقاوي في شريط مصور على الانترنت هدّد وتوعّد فيه "بالموت والدمار للكفرة والمرتدين والرافضة والصليبيين والحاق الهزيمة بالقوات الامريكية في العراق" وهو ما يعكس تماما ما صرح به حذيفة عزام كما مرّ بنا في  هذا الجزء ، وكرد فعل على تحقيق الوحدة  بين العراقيين الشيعة والسنة والاكراد التي  تكلّلت في الوصول الى تشكيل حكومة الوحدة العراقية و المساعي الامريكية التي بُذلت في كسب العراقيين السنة الرافضين للعملية السياسية وهو ما تُوج في اعلان الرئيس العراقي جلال الطالباني عن استقباله لبعض من ممثلي مجموعات مسلحة لبدء الحوار رسميا معها لالقاء السلاح والانضمام الى العملية السياسية في العراق .

 وفي لقاء مع نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي حول هذا الحدث الجديد ، وبعد ان سأله  المحاور مستفسرا :" ما هي قصة هؤلاء الذين يريدون القاء السلاح وأصبحوا يُدعون "بالمسلحين " بينما كانوا "إرهابيين " ، وما الذي يجري اليوم ومن الذي يفاوضهم الان ؟ أجاب عادل عبد المهدي قائلا :" ان هذا تطور مهم يجري الآن وانه سيؤثر اكثر واكثر على مجمل العملية السياسية في العراق . في الاجتماع الاخير لمجلس الرئاسة تم التعرض لهذه القضية من ان هناك مجاميع تريد ان تلقي السلاح وتدخل العملية السياسية . أركان الحكومة إجتمعت وأيدت تشجيع انخراط هؤلاء في العلملية السياسية . لقد لاحظنا كم كان الزرقاوي منفعلا بسبب تخلي مجاميع من حملة السلاح والابتعاد عنه . هذا عمل نعمل عليه بحرص ولا نسد الابواب امام أية فرصة لاية جماعة تريد ان تلقي السلاح على شرط ان تتخلى عن اعمال العنف وعدم استغلال انخراطها لصالح الدعاية لاعمالها التخريبية السابقة من خلال وسائل الاعلام والمنابر السياسية " .

 اما القاضي وائل عبد اللطيف من القائمة العراقية فقد رد بصراحة على سؤال المحاور في برنامج قضايا وآراء بقناة فضائية الفرات حول القاء السلاح من قبل من سماهم المحاور بالمقاومة قائلا  :" انا لا اوافقك على تسمية هؤلاء بالمقاومة المسلحة وما هؤلاء الا مجرمون يعملون على تعطيل اخراج المحتل . ان القاء السلاح والدخول الى خانة التفاوض هو كسب للشعب وهذه نوايا شريفة ، وهذا شئ جيد جدا . ولكن ما تسميه بالمقاومة اريد ان اعرف من هو المقاوم وما هي مبادؤه وقيادته ولماذا يتقصد في قتل الناس والشيعة تحديدا . فانا لا اعترف بالمقاومة الشريفة ولا يمكن ان افاوض شخصا يجعل اسامة بن لادن او الزرقاوي الذي يأتي من الخارج حتى يغير هذا المجتمع العريق بتراثه وتاريخه السياسي . هؤلاء طارئون ويجب ان لا يُفتح الحوار معهم " .

وعلى ضوء المساعي الامريكية التي يمثلها السفيرالامريكي في العراق خليل زلماي زاد بالتفاوض مع الجماعات المسلحة وكذلك دعوة الرئيس الطالباني مؤخرا بالطلب من هذه الجماعات القاء السلاح ، كشف طارق الهاشمي الذي أُختير لمنصب نائب رئيس الجمهورية عن النداء الذي وجهه الى تلك الجماعات بالتفاوض مباشرة مع قوات الاحتلال . وفي حوار أجرته معه قناة فضائية العراقية سأل المحاور طارق الهاشمي عن هوية تلك الجماعات وتوجهاتها وعن السبب الذي دعاه الى توجيه ندائه لها  بالتفاوض والحوار مباشرة مع قوات الاحتلال وليس مع الحكومة العراقية . وكان رد الهاشمي هو :" ان المطلوب هو ان تجلس المقاومة على طاولة المفاوضات. وان الحكومة لم تشكل بعد. وانا بالتاكيد افضل ان يكون الحوار مع العراقيين لان موضوع المقاومة داخلي. وانا ارجو ان يتحاور نوري المالكي وهو رجل منفتح مع المقاومة وان يصل معهم الى حلول تنقذ البلد. انا اتكلم عن فصائل المقاومة التي ينتهي سطح عملها بتحرير العراق من الاحتلال . والمسألة الثانية هي دعوة هذه الجماعات ان تعي ما هو جديد على الساحة السياسية لعام 2006 لان هناك دافعا جديدا يجب ان يُعمل به. وانا سوف لن اكون وسيطا من خلال وسائل الاعلام ، بل سوف اكون وسيطا رسميا من قبل المقاومة  اذا ما وجدت الحكومة  ان المسألة تناقش داخل أروقة الحكومة " .

 ومن خلال ذلك الحوار ظهر طارق الهاشمي كا لو انه نجم كان يدور في فلك المقاومة التي اراد ان يكون وسيطا عنها والحزب الاسلامي الذي يمثله وكذلك منصبه الجديد الذي تقلده . وبعد هذه المواقف والتصريحات الجريئة التي سجلها وتبناها طارق الهاشمي ، دفع هذا الرجل الثمن الباهض عندما أُغتيل شقيقه وشقيقته على ايدي المجرمين الارهابيين . ورغم تلك الجهود  المبذولة من اجل التعاون والقاء السلاح ، ردت الجماعات المسلحة في بيان صدر عنها بالرفض متعللة بانه لم يحن أوان  هذا التعاون بعد. ( الاعلان الصادر من المكتب الصحفي لرئيس الجمهورية الذي اذاعته مختلف القنوات الفضائية العربية في 30 ابريل 2006و(صحيفة دي فيلت الالمانية في 2 مايو2006  و(راجع ما كتب عنه اوليفر روي في هذا الفصل ) و(حول القاء السلاح من قبل الجيش الجمهوري الايرلندي وجماعة إيتا في الباسك) و( الحوار الذي اجرته قناة فضائية العراقية مع عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية في 2 مايو 2006 ) و( الحوار المباشر مع القاضي وائل عبد اللطيف في قناة فضائية الفرات في 11 مايو 2006 ) و (الحوار المباشر مع طارق الهاشمي في قناة فضائية العراقية في 16 مايو 2006 )و(البيان الذي نقلته قناة فضائية الجزيرة عن الجماعات المسلحة في 16 مايو 2006)  و(المؤتمر الصحفي الذي عقده ابراهيم الجعفري ، النقل المباشر من قناة فضائية العراقية  20 ابريل 2006)  و(النقل المباشر لوقائع جلسة البرلمان العراقي من قنوات الفضاءيات العربية العراقية والشرقية وغيرها في 22 ابريل 2006) و(صحيفتا الغارديان والتايمز البريطانيتان في 21 ابريل 2006 ) و(صحيفة الهيرالدتربيون الامريكية في 21 ابريل 2006 ) و( كل من  صحيفتي الفيغارو والليبراسيون الفرنسيتين و(صحيفة الول ستريت جورنال الامريكية في 24 ابريل 2006 ) و( قناة فضائية العراقية ، النقل المباشر لمواقع  التفجيرات في 23 ابريل ولوصول الوزيرين الامريكيين الى بغداد في 25 و26 ابريل 2006) و( النقل المطول للشريط الذي ظهر فيه الزرقاوي بقناة فضائية الجزيرة في 25 ابريل 2006 ) و( التقرير المصور الذي نشرته مجلة التايم الاسبوعية الامريكية ومقالة فريد زكريا في مجلة النيوزويك الاسبوعية الامريكية  بتاريخ 8 مايو 2006 ) و( والحوار الذي نشرته مجلة الدير شبيغل الالمانية الاسبوعية التي تطرقت فيه حول التشنجات والخيبات التي اصابت الزرقاوي في عددها رقم 18 لسنة 2006 ) و( صحيفة اللوموند الفرنسية التي اشارت الى اول ظهور للزرقاوي وجهوده غير الموفقة في شحذ الهمم  ورفع معنويات الجهاديين من انصاره بتاريخ 2 مايو 2006 ) .

وبمناسبة حلول الذكرى الثالثة  للحرب  على العراق  ويوم المرأة  العراقية ، نشرت الكاتبة  والصحفية  ماري ريدل في صحيفة الاوبزيرفر البريطانية مقالة بعنوان " لا تنتظروا الله اننا الذين سنحاكمكم " كتبت فيها وهي تتذكر حزن الامهات العراقيات تقول " : في الوقت الذي عاد فيه 8 ملايين طفل عراقي الى مدارسهم بعد الحرب وارتفع معدل الحضور الى 85 بالمئة  في الدارس الابتدائية، ورغم الامل الذي راود اليونسيف ، وُجد فيه ان بعض المدارس اصبحت مستهدفة من قبل الارهابيين  لذبح التلاميذ ومعلميهم . وطبقا لاحصائية واردة من وزارة التربية ، فقد قُتل 64 من التلاميذ في الاشهر الاربعة الاخيرة وجُرح 57 آخرون ". وتقول الكاتبة ايضا :" ان قوات التحالف في العراق يبدوا انها اصبحت ذات حضور استعراضي وانها لم تقترب من المناطق الساخنة . فلماذا هي اذن هناك ؟ لقد اشترى السياسيون خرافة المحافظين الجدد وصدقوهم بان الانظمة المستبدة سرعان ما ستنهار الى تراب وتزدهر مكانها الديموقراطيات الغربية . واضافت الكاتبة تقول:" ستسلم النسوة في يوم المرأة العالمي آلاف العرائض الى العديد من السفارات الامريكية في العالم منادية بالسلام . اما النسوة في بريطانيا فقد قدمّن عرائض الى توني بلير رئيس الوزراء البريطاني  يطالبن بها سحب القوات البريطانية من العراق لان ابناءهن يموتون في حرب قامت على الاكاذيب" ( ماري ريدل في صحيفة الاوبزيرفر البريطانية 5 مارس 2006 ) .

ورغم المأساة التي يعيشها المواطنون في العراق، فقد رعت ازدهار الشيخلي وزيرة الدولة لشئوون المرأة الاحتفالات بيوم المرأة وطالبت في كلمة القتها بهذه المناسبة اشراك النساء العراقيات في تشكيل الحكومة الجديدة . وفي مبادرة لتعزيز الوحدة بين العراقيين اطلقتها وزارة التربية من خلال برامج تثقيفية واسعة ، طالبت تخصيص يوم الاربعاء المصادف 8 مارس آذار يوما للوحدة الوطنية في العراق ( جميع القنوات الفضائية العراقية 8 مارس 2006 )                                                 

وعندما بدأت السنة الرابعة على احتلال العراق ، كتبت هناء دكروري في صحيفة الاهرام الدولي معبرة عن سخريتها على كل ما يجري اليوم من احداث دامية ومواقف الساسة العراقيين على المسرح العراقي تقول " ان ما يسطره العراقيون في يومياتهم على الانترنت اصبح وسيلة لجذب انتباه العالم في العديد من المواقع لهذه اليوميات " وتنقل دكروري بعض النماذج من هذه اليوميات بعنوان " موعد توزيع جوائز الاوسكار" لافضل ممثل مُنحت لابراهيم الجعفري عن دوره في "الانتخابات العراقية ومحاولته تجسيد رئيس الوزراء المستقل لحكومة شرعية" . ثم لجورج بوش عن دوره في "الجزء الثالث من عملية تحرير العراق الذي حمل عنوان  " الحرب على الارهاب" . وكذلك منح جائزة افضل ممثلة لكوندوليزارايس عن فلم " تحيا ايران " لقيامها بدور وزيرة الخارجية الشريرة في مهزلة تهديد ايران لوقف برنامجها النووي . ثم منح جائزة افضل ممثل مساعد لجلال الطالباني عن فلم "الاخ الرئيس" لتجسيده دور الزعيم الشرعي للعراق الحر . مع منح الجائزة ايضا لافضل فلم بعنوان " الاختفاء " بطولة احمد الجلبي وغازي الياور . والجائزة لفلم "محكمة الكنغر" بطولة صدام حسين وبرزان التكريتي" ( هناء دكروري في صحيفة الاهرام الدولي 21 مارس 2006 ) .

 ولو سمحت لنا السيدة دكروري ان نشاركها في ترشيح بعض الشخصيات  لنيل جوائز اخرى انطلاقا من مبدأ العدالة والكفاءة والابداع في توزيع جوائز الاوسكار على مستحقيها ممن أثاروا اعجاب العراقيين والرأي العام العربي والعالمي ، مثل منح اياد علاوي جائزة الاوسكار عن دوره في فلم " أنا والحرب الاهلية " وكذلك السفير الامريكي ببغداد خليل زلماي زاد عن دوره ببطولة فلم " مستر فيكس إت و صندوق البانادورة " اما مرشحنا الاخير فهو الرئيس المصري حسني مبارك الذي استحق بكل جدارة افضل جائزة اوسكار لهذا الموسم على جهوده في اخراج  الفلم  المصري الجديد " لمن ولاء الشيعة في العراق ؟ " .

 وما ان حلّ اليوم العشرون 20 من مايو آيار عام 2006 ، حتى عقد البرلمان العراقي جلسته السادسة في مبنى قصر المؤتمرات التي خُصصت لطرح الثقة في حكومة رئيس الوزراء المكلف جواد المالكي الذي دُعي لقراءة اسماء الوزراء في حكومته . وبعد الانتهاء من التصويت المباشر على كل وزير بالاغلبية ما عدا وزيري الداخلية والدفاع ، نالت الوزارة الجديدة على ثقة البرلمان كأول وزارة عراقية دائمة لمدة اربع سنوات تقوم على الدستور الدائم ، رغم اعتراض بعض من النواب الذين كان من بينهم صالح المطلق رئيس جبهة الحوار الوطني الذي قاطع الجلسة محتجا على عدم فسح المجال امام جبهته للمشاركة في الحكومة الجديدة . الامر الذي دفع بالقليل من نواب الكتل المعارضة الى مغادرة مبنى البرلمان معبرين عن رفضهم واحتجاجهم .  وهو ما سجل اول موقف ديموقراطي طبيعي في مسيرة العمل البرلماني في ذلك اليوم .

وعندما عاد الهدوء الى قاعة البرلمان ، قرأ رئيس الوزراء جواد المالكي بيان حكومته الجديدة الذي عرض فيه النقاط الرئيسية ومحاور التحدي العديدة التي مثّلت بحق طموحات جميع العراقيين في برنامج عمل حكومته الذي توجه فيه بالشكر الى المراجع الدينية والقادة والمؤسسات العراقية والدول الصديقة على جهودها في دعم العملية السياسية . كما خص رئيس الوزراء المالكي بالشكر كل من اياد علاوي وابراهيم الجعفري رئيسي الوزارتين السابقتين مؤكدا على مواصلة العمل بارادة حديدية لا تقهر للحفاظ على وحدة العراق وتحقيق الامن ودحر الارهاب وتوفير الخدمات ومحاربة الفساد واستكمال تأهيل القوات المسلحة وحل المليشيات وانهاء الاحتلال وحتى التوجه نحو المصالحة الوطنية . وما ان انتهى رئيس الوزراء من كلمته حتى جاء دور رئيس البرلمان محمود المشهداني ورئيس الجمهورية جلال الطالباني وكذلك رئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري الذين القوا كلماتهم البليغة التي قدموا فيها التهاني واكدوا على الوحدة ومواصلة السير ودعم الحكومة الجديدة التي انهالت عليها  اصوات الترحاب والتهاني من مختلف قادة  دول العالم  والاوساط الدولية والعربية معبرة عن تأييدها واستعدادها لتقديم الدعم والمساعدة في إرساء قاعدة الدولة الديموقراطية الاتحادية التعددية في العراق . 

وفي نفس اليوم أبت قوى الشر المجرمة الارهابية الا المشاركة على طريقتها المدمرة عندما فجرت القنابل والاحزمة والسيارات المفخخة في مخلف الاحياء الفقيرة من مدينة بغداد التي راح ضحيتها العشرات من الابرياء الذين سالت دماؤهم ثمنا لهذا النصر الذي تحقق في ذلك اليوم الذي سيظل شاهدا على ولادة اول حكومة وحدة وطنية ديموقراطية عراقية في تاريخ العراق المعاصر .

وفي اليوم الثامن من يونيو حزيران عام 2006 الذي حدّد فيه رئيس الوزراء العراقي جواد المالكي تقديم بقية الوزراء الثلاثة للدفاع والداخلية والامن الوطني الى مجلس النواب لنيل الثقة على تعيينهم في مناصبهم الجديدة ، وبعد ان قدموا انفسهم امام نواب الشعب ونالوا على ثقتهم  وأدوا اليمين القانونية  ، عقد المالكي بالاشتراك مع السفير الامريكي ببغداد خليل زلماي زاد وقائد القوات الامريكية الجنرال جورج كيسي مؤتمرا صحفيا هذا اليوم أعلن فيه قائلا :" اليوم لقد تم القضاء على الزرقاوي " . وصدق المالكي عندما وعد بمواصلة العمل بارادة حديدية لا تُقهر . ولقد زُف هذا النبأ مثل بشارة خير الى حكومة الوحدة العراقية في مستهل عملها في اول يوم يتم فيه استكمال تشكيلها مثلما وصفه الرئيس العراقي جلال الطالباني . كما قال عنه خليل زلماي زاد بانه  نجاح كبير في الحرب على الارهاب ، بل انه ضربة مميتة للقاعدة ونصر للحرب على الارهاب حسب كلمات الرئيس الامريكي جورج بوش الذي هنأ رئيس الوزراء العراقي جواد المالكي على هذه اللحظة المهمة في تاريخ العراق حسب وصف  رئيس الوزراء البريطاني توني بلير .

 وبشر القاتل بالقتل ولو الى حين . وتبقى ارادة الله فوق ارادة الجميع . وينقلب السحر على الساحر . وتسقط اسطورة الزرقاوي وينتصر الانسان العراقي هذا اليوم الذي انتهت فيه عمليات الزرقاوي الشريرة رغم ما سيأتي من عمليات انتقامية . فبعد ان اصابت الزرقاوي التشنجات وفقد انصارا له داخل الجماعات المسلحة في العراق التي طالبته بالتخلي عن قيادة العمل الارهابي نتيجة للاخطاء التي حمّلوها اياه ، أصبح هذا الارهابي عرضة للاضطراب والنتقل بحثا عن مأوى جديد ينطلق منه مع جماعته لتنفيذ عملياتهم الاجرامية  . ولم يُجد ظهوُره في شريطه المسجل الذي بثته وكالات الانباء لعرض عضلات القوة امام العالم وتحدياته وتهديداته "بالموت والدمار للكفرة والمرتدين والرافضة والصليبيين والحاق الهزيمة بالقوات الامريكية في العراق " . ولقد كان  احد اقرباء الزرقاوي المدعو حذيفة عزام في الاردن على حق كما مر بنا ذكره ، عندما نصحه ان يترك مصير العراق للعراقيين وان يستمع الى الاخطاء والجرائم التي اقترفها والكف عن مواصلتها باسم الاسلام الذي لا يرضى عنها والتي لا تتفق وابسط مقوماته الانسانية  . وبعد ان ظل الزرقاوي يتخبط ويتنقل لا يعرف الطريق لايام معدودات منذ ظهوره في شريطه المصور الاخير ، سقط هو و 7 من اعوانه في مصيدة الموت ليواجهوا العدالة الالهية عندما قصفت طائرات قوات التحالف البيت الذي كان  فيه بعد ان حدّدت  القوات العراقية وقت ومكان اجتماعه مع اعوانه في قرية هبهب الواقعة في ضواحي بعقوبة . وفي ختام المؤتمر الصحفي آنف الذكر ، شدّد المالكي على دعوته للعراقيين والقوى السياسية للوقوف صفا واحدا لمواجهة الارهابيين . وبعد ان قدم الشكر للقوات العراقية والقوات المتعددة الجنسيات قال : " والى انتصارات اخرى انشاء الله " .

وفي نفس اليوم بثت قناة فضائية الجزيزة ، اللقاءات المتشنجة التي لا تخلو من أبشع مظاهر الاستفزاز ضد مشاعر الشعب العراقي الذي لا يريد اخوانه العرب ممن في الزرقاء وامثالها في العالم العربي والاسلامي ان يرى العراقيون طريقهم وان يرسموا مستقبلهم بارادتهم . ففي لقاء مع احد اقرباء الزرقاوي الذي وصف المجرم بانه "أراد الشهادة ونالها "، عرضت هذه القناة للمشاهدين صور "مجلس العزاء" الذي اقامته عائلة الزرقاوي وعشيرته يوم مقتله رافعين لوحة كبيرة كُتب عليها " عرس الشهيد البطل الزرقاوي " في مدينته الزرقاء بالمملكة الاردنية الهاشمية المطلوب من حكومتها باربعة احكام للاعدام ، هذه الحكومة التي أعلنت على لسان الناطق باسمها وبكل شجاعة انها قدمت الدعم والمساعدة التي ساهمت في عمليات البحث والوصول الى الزرقاوي . ولقد حدث هذا تماما مثلما حدث في "الاحتفال بعرس رائد البنا"  في مدينة السلط الاردنية بعد ان فجر ذلك المجرم نفسه وسط اهالي الحلة وقتل اكثر من مائتين من الابرياء فيها ذلك اليوم . اما اخوتنا الفلسطينيون في فلسطين او في الاردن الذين تجاهلوا وبكل الأسف دماء العراقيين التي تُسفك اليوم على ايدي الزرقاوي وامثاله ودماء الشعب العراقي ودعمه المتواصل في سبيل فلسطين، فقد زار بعض من اعضاء مجلس النواب الاردني بالذات عائلة الزرقاوي ليقدموا التعازي.كما تظاهر فلسطينيون وبنفس اليوم في خان يونس رافعين صور الزرقاوي ولافتات تُعزي " بوفاة شهيد الامة " .

 وفي برنامج قناة فضائية الجزيرة الذائع الصيت " بالاتجاه المعاكس" الذي يديره فيصل القاسم كل يوم ثلاثاء ، اختتم القاسم برنامجه كالمعتاد بقراءة نتيجة التصويت على الحوار الذي دار فيه يوم الثلاثاء 14 يونيو حزيران عام 2006  والتي اشارت الى :" ان اكثر من 76 بالمئة من المصوتين قالوا ان الزرقاوي كان  مجاهدا ومقاوما وليس ارهابيا وان النسبة الباقية قالت انه كان ارهابيا " . وليس هناك ادنى شك من ان برنامج فيصل القاسم هذا كان مؤشرا على مدى استهتار وانحطاط الاعلام في مثل هذه الفضاءيات العربية لانه جاء مقصودا في هذا الوقت بالذات ومستغلا لقناة الجزيرة كبوق للدعاية المشبوهة  لهذا الخطاب المسموم والمستفز لمشاعر شعب بكامله . ولقد علق عمر الغرايبة احد المحللين السياسين في الاردن حول مثل هذه الظاهرة الاعلامية بالقول: "اننا نرى مسلخا بشريا بالعراق في كل ساعة . ان هناك مصيبة في بنية الخطاب الثقافي والديني الذي يتجاهل اولويات أصول الدين . هؤلاء الخوارج جر انحرافهم مصائب على الدين. انها ظاهرة خطيرة تهدد الفكر الاسلامي . ان السكوت على هؤلاء جريمة. للأسف ان الخلل هو من مسؤولية الفضاءيات لاعادة صياغة الخطاب الديني ومقاصده . المؤسف ان الكفار وصلوا الى درجات اعلى منا في مخاطبة المسلمين. لابد ان يعاد الخطاب بما يتناسب مع مقاصده ونبله حتى لا يتحول الى خطر على الدين والامة " فهل نلوم بعد كل هذا شخصا مثل رئيس الوزراء العراقي جواد المالكي عندما يقول :" ان قناة الجزيرة تثير الفتنة ليل نهار بين الاوساط العراقية ! "  (المالكي اثناء انعقاد الجلسة الاعتيادية  لمجلس النواب في 12 يوليو 2006 ) .

وبعد ان انتظر الرئيس الامريكي جورج بوش ان يتم استكمال تشكيل الحكومة العراقية ، وصل الى بغداد في زيارة سرية ومفاجئة لم يُعلن عنها مسبقا عندما حطت طائرته الخاصة بمطار بغداد الدولي في اجراءات امن مشددة بتاريخ 13 يونيو حزيران عام 2006 ، وهي الزيارة الثانية الى بغداد بعد زيارته الاولى بمناسبة عيد الغفران في نوفمبر تشرين الثاني عام 2003 . ولقد جاءت هذه الزيارة في الوقت الذي وجهت فيه القوات العراقية والامريكية الضربات الموجعة للارهابيين والتي تُوجت بالقضاء على زعيم القاعدة ابو مصعب الزرقاوي في العراق . وفور وصول الرئيس بوش الى بغداد عرضت القنوات الفضائية العربية والاجنبية صور استقبال رئيس الوزراء العراقي المالكي له . وفي اجتماع ضم الجانبين جلس الرئيس بوش وعلى يمينه السفير الامريكي خليل زلماي زاد وقائد القوات الامريكية الجنرال كيسي بينما جلس الى يساره رئيس الوزراء العراقي المالكي وبقية اعضاء حكومته . وبعد ان رحب المالكي بضيفه ، القى كلمة قال فيها :" اؤكد ان الحديث بيننا بناء ومثمر ويؤسس لعلاقات بعيدة المدى ولنجاحات قادمة. الجميع اصطف في هذه الحكومة لتشكيل جبهة لمواجهة التحديات . وبعد ان تخلص بلدنا من الدكتاتورية ، اصبح يعيش به كل العراقيين في حرية . ولاول مرة في تاريخ العراق يكون لنا دستور مصوت عليه من الشعب العراقي ولاول مرة تكون لنا حكومة مشتركة  تم اختيارها بملئ الارادة الوطنية . ولابد ان ننتصر على الارهاب تدعمنا القوات المتعددة الجنسيات وبمساعدة الولايات المتحدة الامريكية " . واضاف المالكي قائلا :" انا لا يسعني الا ان اقدم الشكر من اجل الذين ساهموا في انقاذ العراق . وانا اتعاطف معهم وانشاء الله ستنتهي المعاناة وهم مشكورون على ما قدموه وكذلك اشكر السيد الرئيس جورج بوش" . ورد عليه الرئيس بوش بعد ان صافحه قائلا:" انني معجب بشخصية رئيس الوزراء المالكي القوية ورغبته في النجاح . وانا اشكركم على اتاحة الفرصة لي ولوزارتي للاستماع اليكم . ان رسالتنا الى الشعب العراقي هي ان يغتنموا هذه الفرصة . ان مستقبل بلادكم بات بين ايديكم . لقد جئت الى بغداد ليس فقط للنظر في عيونكم ، وانما جئت للّقاء بكم ولاقول لكم ان امريكا اذا اعطت كلمة فهي تلتزم بها . وانا اقول ان على العراقيين استخدام النفط لتوحيد العراقيين وتأسيس صندوق من اجل التنمية ". ولقد تم نقل هذا الاجتماع على نحو مباشر عن طريق الفيديو الذي ظهر فيه القادة الامريكان في واشنطن وهم يستمعون ويشاهدون وقائع الاجتماع من بغداد . وبعد ان استغرقت زيارة الرئيس الامريكي جورج بوش عدة ساعات في  بغداد ، عاد بطائرته الى واشنطن حيث جرى فيها التصويت بمجلس النواب الامريكي باكثرية النواب الجمهوريين على مشروع عدم انسحاب القوات الامريكية من العراق في الوقت الحاضر ، والموافقة على مواصلة برنامج العمل في تقديم المساعدات للعراق حتى تجاوز المرحلة .

 ولقد وصف اللواء نصير عبادي من وزارة الداخلية العراقية هذه الزيارة في حديث له بالانجليزية مع قناة فضائية ال سي ان ان الامريكية بالقول :" انها مفاجأة كبيرة لنا وانها احدى الدعائم الكبيرة للديموقراطية في العراق وهي رسالة قوية توجه للارهابيين " (النقل المباشر من مختلف قنوات الفضاءيات العربية وقناة البي بي سي البريطانية والس ان ان الامريكية 8-13 يونيو حزيران 2006 ) و(برنامج الاتجاه المعاكس من قناة فضائية الجزيرة في 14 يونيو 2006 ) و(عمر الغرايبة في حوار من قناة فضائية  الفيحاء في 16 يونيو 2006).

وليس مستغربا ان يتفاقم الوضع الامني في العراق ويتصاعد الارهاب في العاصمة بغداد التي شهدت عدة حوادث مخلة بلأمن مثل تفجير السيارات المفخخة والاختطاف وعمليات التهجير وتهديد واغتيال الصحفيين والفنانين والرياضيين والاساتذة الاكاديميين التي اشاعت الرعب بين المواطنين في مختلف اطرافها وتدلل على حجم التحديات الكبيرة التي يواجهها العراقيون في الربع الاخير من العام 2006  وخصوصا في شهر رمضان الذي كان الاكثر دموية . وبات الحديث مسموعا عن دور المليشيات التابعة للاحزاب اوالارهاب اوالمقاومة ودورها في ازدياد وتيرة العنف والمجازر التي وقعت في مدينة الصدر ببغداد التي بالاضافة الى تعرض بعض احيائها الى هجوم القوات الامريكية ، شهدت العديد من  التفجيرات كان آخرها التفجير المدمر الذي وقع  يوم 23 نوفمبر 2006 لاكثر من ست سيارات مفخخة مرة واحدة في سوق جميلة بالمدينة . وهو الهجوم الاقوى عنفا الذي وصفه عبد الحميد الصالح في برنامجه عن العنف الطائفي بقناة فضائية البغدادية يوم 24 نوفمبر 2006، بانه "وزع الموت على خمسمائة قتيل وجريح مرة واحدة من العراقيين الفقراء الذين نحرهم الجوع والخوف والألم المتواصل . وكذلك المجزرة البشعة التي تعرض لها الفقراء من عمال البناء الذين يتجمعون كل صباح في هذه الساحة طلبا للرزق عندما انفجرت سيارتان ملغومتان في الساحة بين المتجمعين لقي ثمانون شخصا على الاقل مصرعهم وأُصيب ما يقرب من ثلاثمائة شخص آخر اظهرت الصور التلفزيونية لقناة العراقية حجم الدمار والمأساة في تلك الساحة ( قناة فضائية العراقيو والشرقية 12 ديسمبر 2006 ) . اضف الى ذلك اماكن مختلفة من بغداد شهدث تفجيرات اخرى قُتل فيها الكثير من الابرياء .كما تعرضت احياء في الاعظمية قصفا عنيفا متواصلا لعدة ايام من قذائف الهاونات وكذلك مدن الكاظمية وكربلاء وسامراء المقدسة  .

في مقالة لغسان شربل من اسطنبول الى صحيفة الحياة قال فيها :" سلكت بغداد طريق التهور. خوفها من ثورة الخميني اخذها للحرب . ذيول الانتصار والانتقال والاحلام الفاحشة اخذتها الى الكويت . عاقبها العالم . قلم اظافر صدام ودفعه الى الحصار والعزلة . الغزو الامريكي نحر بغداد . الاقتتال المذهبي يؤكد نحرها . غاب الضلع العربي في المثلث . انه اكثر من خلل في التوازن . اية نكبة ! اسطنبول تستقبل السواح وتحلم بوسادة اوربية. طهران تواصل هجومها الشامل وترفع من وتيرة التخصيب في منشآتها. وحدها بغداد تستيقظ كل صباح لتجمع الجثث ثم تنهمك في صناعة الموت ". صحيفة الحياة 19 اكتوبر 2006 ) .

وفي دراسة اكاديمية قدمها الاستاذ كريم محمد حمزة رئيس قسم الدراسات الاجتماعية في جامعة بغداد  والخبير في وزارة الشئوون الاجتماعية والعمل الى المؤتمر الاقليمي العربي الذي نظمه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجامعة العربية ، لخص فيها الصورة الحقيقية التي وصل اليها المجتمع العراق اليوم وجاء في هذه الدراسة :" ان الدولة العراقية بعد الغزو الامريكي ، دولة "رخوة" انتشر فيها الفساد والرشوة ومؤسساتها مشلولة وغير قادرة على تحقيق الحد الادنى من مسئوولياتها والتزاماتها وهي تحت ضغط الاحتلال الدائم عليها لكي تعمل على تحقيق اهدافه . ويعمل الاحتلال على ان يُصاب العراقيون بالاحباط واليأس من الحصول على الامن او حتى على ضرورات الحياة الانسانية ، ولهذا انتشرت الجريمة المنظمة وسلبية موظفي الدولة وقوات الامن والخلاصة ان العراق الان دولة مؤسسات مشلولة " كما اضاف ايضا يقول :" ان العراق  تحول الى ملجأ كبير للايتام والارامل والمعوقين والفقراء والعاطلين بعد ان تعرض البلد بعد الغزو مباشرة الى عملية تدمير منهجية ... " (رجب البنا في تقرير اجتماعي عن العراق الاهرام الدولي 12 ديسمبر 2006 ) و( راجع الفصل 2 –ا ). وليس غريبا ان يكون هذا الوضع قد هزّ حتى ضمير صدام حسين في سجنه مناشدا العراقيين مرة اخرى وبكل شماتة ، التمسك بالوحدة الوطنية بعد رسالته الشهيرة التي نقلها محاميه خليل الدليمي وحصلت وكالة الصحافة الفرنسية على نسخة منها التي اكد فيها على " ان مقاومة الغزاة حق وواجب ، ومثلهم من سهل لهم الامر ولم يرعووا وابقوا على موقف العداء مناصرة العدو والعدوان الغربي والشرقي على حد سواء . لكنني ادعوكم ايها الاخوة والرفاق تحت عناوينكم ومسمياتكم في المقاومة الباسلة، وفي المقدمة شعب العراق الابي العظيم الى ان تعتمدوا الحق والعدل في جهادكم ولا يجرنكم الى ما يسئ اليه هوى او طيش لا سامح الله. وان يبقى باب العفو والتسامح مفتوحا امام الجميع حتى اللحظة التي تسبق ساعة التحرير الناجز باذنه تعالى . وان عيكم ان تتذكروا ولا تنسوا ان هدفكم القريب ينحصر في تحرير بلدكم من قوى الغزو وتابعيه وليس له بعد آخر لتصفية حسابات اخرى خارج هذا الهدف . كما دعا صدام الى العفو حتى عن اولئك الذين قتلوا " ابناء صدام حسين عفوا صادقا لوجه الله لا رجعة فيه " ( صحيفة الشرق الاوسط 17 اكتوبر 2006 ) .

 ولقد وصف المحامي حيدر الملا الناطق باسم الجبهة الوطنية للحوار الوطني هذا العنف بالقول ان " هناك قادة سياسيون يعملون في الوزارة نهارا ولهم مليشيات تعمل في فرق الموت ليلا . هذه المحاصصة الطائفية هي السبب الرئيسي في المشكلة العراقية . وان هناك مقاومة للاحتلال". لكن مدير الحلقة قاطعه قائلا "اننا نتحدث عن العنف الطائفي وليس عن المقاومة. 

 القاضي وائل عيد اللطيف النائب في البرلمان العراقي عن القائمة العراقية رد قائلا: " ان كلام الملا فيه الجانب الصحيح ولكن فيه الكثير من المغالطات ايضا  . ان حكومة المالكي هي حكومة وطنية بكل المعايير الدستورية وستظل متمسكة بشرعيتها . الائتلاف والكرد كان باستطاعتهم تاليف الوزارة ولكنهم تنازلوا عن قسم من استحقاقهم الانتخابي حتي يضموا اليهم جبهة التوافق بما في ذلك مجموعة من الوزراء . فان كل ما يطلق على حكومة طائفية ، يطلق على قائمة الائتلاف وكأنما قائمة التوافق ليست قائمة طائفية . ان العرب والاكراد والتركمان والاشوريين وغيرهم من الاطراف الاخرى هم من المشتركين فكيف نقول انها طائفية ؟ . نحن في العراق نعاني من الفكر الصدامي والتكفيري الاسلامي . فكل سني لم يكفر الشيعي هو كافر ويجب قتله. وكل كردي يجب ايضا قتله . هناك الان عقدة ومنهج تكفيري يدعو الى قتل كل العراقيين وانشاء دولة ودعوتهم الى تأسيس حكومة او دولة اسلامية تُقام على اساس الفكر القاعدي . هؤلاء جاءوا الى العراق قبل سقوط نظام صدام حسين وان مبالغ كبيرة أُعطيت لكل شخص عربي اسلامي ياتي للدفاع عن العراق ضد الغزو الكافر. واستمر هذا الوضع بعد 9 ابريل 2003 . وان كثيرا من الدول ساهمت بارسال العديد من الارهابيين لمقاومة النظام الجديد . ان العيب ليس في النظام القائم بل في النظرية السرية التكفيرية التي تعوق تقدم العراق" ( قناة الديار 27 نوفمبر 2006 ) .

ويبدو ان مؤتمرالمصالحة في مكة الذي حضره علماء عراقيون من الشيعة والسنة للتوقيع على عهد او وثيقة مكة باشراف منظمة المؤتمر الاسلامي وليتعهدوا جميعا بوقف نزيف الدم العراقي قد اصبح حبرا على ورق . فلقد صرح علي التميمي امين عام مرام بان المؤتمر ليس عراقيا وان ولادته كانت متواضعة والدعوات له فقيرة . انها لا تمثل ثقل علماء المسلمين في العراق ،لان المرجعيات لن تُمثل فيه وان الصراع في العراق سياسي وليس ديني. أُختيرت مكة لاتها اقدس مكان في شهر رمضان . الوثيقة تتحدث عن مسلم سني ومسلم شيعي ولا يمكن القفز على الاحداث . اختلف العراقيون حول الاحتلال وعلى نتائج الانتخابات وعلى الدستور وعلى المقاومة .كما انهم تجاوزوا على مقررات الوثيقة  وعلى حُرمات الانسان العراقي . هؤلاء هم الذين اختلفوا على هذه المحاور. لماذا يتحاور المحتلون مع المقاومة ولماذا لم نحاورهم بانفسنا . مشروع المصالحة يبُنى على الاطراف التي لم تشترك في المشروع الحكومي والمقاومة وان علينا ان نجمع هؤلاء لوقف الفتنة " .( قناة فضائية الديار 29 اكتوبر 2006 ).

 رشيد الخيون كتب في صحيفة الشرق الاوسط عن "صحيفة مكة " قائلا :" صحيفة مكة التي وقعها فقهاء عراقيون من السنة والشيعة توفر عشر وصايا : المسلم من شهد الشهادتين ظاهرا وحرمة دماء المسلمين ، حرمة دور العبادة ولا قتل على الهوية ، تامين المصالح الوطنية والمحافظة على استقلال العراق . واهم ما في الصحيفة انها وُقعت عند جدار الكعبة وهي اقدس بقعة باتفاق المسلمين وما تبقى يترك للضمائر . الا ان الخلاف ليس بين الطائفتين الشيعية والسنية ، والذين حضروا من العراقيين يعرفون جيدا ان النحر على الهوية في العراق يتم بفعل احزاب وكيانات سياسية  غلفت نوازعها السياسية بقشور الطائفية .ستستمر الاحزاب الدينية في تحشيد الاتباع باسم المذهب تحت شعارات حقوق السنة وحقوق الشيعة . والطائفتان لا حقوق لهما عند الرؤساء من اهل القصور سوى القتل على الهوية والحرمان من الكهرباء . وكتحصيل حاصل لا يهم زعامات الطوائف امر الصحيفة ولو شهد عليها جدار الكعبة . ان جوهر الحال هو قطع الاعناق ولا قطع الارزاق . اليست الطائفية اخصب الارزاق قي بلاد كثيرة الطوائف والاعراق . وكتب الخيون بنفس صحيفة الشرق الاوسط في يوم آخر تحت عنوان :التوافق العراقية : يد في الحكومة واخرى في المقاومة يقول :"  دعونا من الاوهام واختلاق البطولات ، فالبطولة التي تنصر العراقيين اليوم هي بطولة العقل والنزاهة في الفعل السياسي . ومن يحرض على المقاومة عليه ان يكون في مقدمة  الصفوف ، لا ان يجند الانتحاريين والاستشهاديين وهو يحرص كل الحرص على نفسه واولاده . فما ضره كتابة مقال تحريضي  او تكلم قصيدة لاهبة او يغسل اموالا مقابل تجارة الموت الرائجة ببغداد ؟ احوال العراق لا تتحمل اعترافا بمقاومة مسلحة لها هويتها الطائفية وستعطي المبرر الاشد لتكثير المليشيات وتصدر اوامر الحرب لشئوون العراق " ( صحيفة الشرق الاوسط 1 نوفمبر 2006 ) .

رون ريموند كبير المتحدثين باسم المفوض السامي لشئوون اللاجئين التابع للامم المتحدة قال امس:" ان آلاف العراقيين يهربون من بلادهم يوميا متوجهين الى سوريا والاردن وتركيا ومصر ولبنان والى دول الخليج نتيجة للعنف الطائفي الذي يجتاح هذه البلاد على شكل نزوح جماعي  منتظم وصامت . ان الموظفين يرون ان 2000 شخص يدخلون سوريا يوميا من العراق وان ما يصل الى 6،1 مليون عراقي يعيشون الان خارج العراق  غالبيتهم في الاردن وسوريا .كما ان هناك 5،1 مليون عراقي اخرين نزحوا داخل العراق بينهم 365 الفا نزحوا منذ فبراير الماضي وان هذا النزوح يشكل تحديا انسانيا لهؤلاء ويمثل صعوبة بالغة للوصول الى مساعدتهم ويجعلها مشكلة تفوق قدرة الوكالات الانسانية بما فيها المفوضية العليا لشئوون اللاجئين التابعة للامم المتحدة لان نصفهم يعاني من ظروف قاسية  نظرا لعدم وجود دخل ثابت ومعظمهم يعيش في الاحياء الفقيرة خارج دمشق في احوال تزداد سوءا بسبب البطالة المستمرة وعدم الحصول على تراخيص للعمل" .

 كما تحدث اندرو هاربر المنسق في الوكالة بشعبة العراق في جنيف بالتفصيل عن مأسي التي تتعرض لها الفتيات العراقيات المغرر بهنّ في العمل بعقود وهمية في سوريا عندما يُدفع لهن اجر شهري  يصل الى 300 دولار مع دفع اجر شهر مقدما قبل السفر وعند وصولهن الى دمشق يسقطن ضحايا في حلقات تجارة الجنس والدعارة . (صحيفة الاوبزيرفر البريطانية 14 اكتوبر 2006 ) ( وتقرير اندرو هاربر في صحيفة الغارديان البريطانية بعنوان : "عندما يتحول اليأس في بغداد الى حياة الرذيلة والعار في دمشق 16 اكتوبر 2006 ) .

 لقد شهدت العاصمة عمان نشاطا باتجاه المصالجة الوطنية منذ اكتوبر 2006 تركّز في محورين الاول اجتماعات بين وفد حكومي عراقي وشخصيات عراقية بينمها قيادات بعثية سابقة وضباط في الجيش العراقي المنحل يقيمون في عمان والثاني اتصالات بين فصائل المقاومة والامريكيين. على ضوء تصريحات الملك  عبد الله ملك الاردن من :" ان الاردن سيسنمر بجهوده المخلصة لبلورة موقف موحد لمواجهة التحديات  . ان شرف الانتساب الى الدوحة الشريفة يتوجب علينا كأول الناس بالدفاع عن الاسلام " كما صرح ايضا :"  نحن نقترب من عام 2007 واننا نركز جهودنا في عملية السلام الفلسطينية وعلى وشك اندلاع ثلاث حروب اهلية في فلسطين ولبنان والعراق " ( صحيفة الحياة 30 اكتوبر و26 نوفمبر 2006 )

وفي الوقت الذي سافر فيه رئيس الوزراء المالكي الى عمان عاصمة الاردن ولقائه بالعاهل الاردني الملك عبد الله مع لفيف من الوزراء والنواب العراقيين استعدادا للقاء الرئيس بوش العائد من اجتماع وزراء حلف الاطلسي الذي انعقد في ريغا بلتوانيا في 29 نوفمبر 2006 ، وبعد وصول الرئيس بوش الى عمان ، عقد مع رئيس الوزراء نوري المالكي بعد يوم واحد من وصوله مؤتمرا صحفيا تحدثا فيه عن الوضع في العراق والسبل الكفيلة بتأمين الاستقرار فيه . ومن خلال هذا المؤتمر حصل المالكي على مواصلة دعم ومساعدة  الادارة الامريكية لحكومة الوحدة الوطنية في العراق .

وتجدر الاشارة هنا الى ان الشيخ حارث الضاري امين عام هيئة علماء المسلمين في العراق قد توجه في نفس الاسبوع للقاء الملك عبدالله في عمان ايضا .كما انه تنقل بين عواصم الدول العربية الاخرى كالقاهرة والرياض وصنعاء . وقبل وقت قصير صدرت مذكرة من وزارة الداخلية العراقية تطالب بتوقيف الضاري وحضوره امام المحاكم العراقية .وقد صرح وزير الداخلية :" بان التحقيقات اوصلتتنا الى ان هناك مجموعة من الذين تم القبض عليهم يتم تمويلها من اجل القيام باعمال مخالفة للقانون وتزعزع الامن في بغداد ومناطق اخرى وان هؤلاء يدعون الى العنف الطائفي وتجديد الفتنة بين ابناء الشعب الواحد وبموجب هذه الامور تم اصدار هذه المذكرة  وسيتم ملاحقة حارث الضاري من خلال دوائرنا في الخارج " ( تصريح الوزير جواد البوراني في قناة فضائبة العراقية  16 نوفمبر2006  ) . ولقد اثارت هذه المسألة زوبعة من الاحتجاجات في الاوساط الاعلامية وتدخلت الجامعة العربية  مطالبة الحكومة العراقية بسحب المذكرة ( صجيفة الزمان 18 نوفمبر 2006 ). وعلق الكاتب عبد الرحمن الراشد في صحيفة الشرق الاوسط بعنوان حماقة مطاردة الضاري قائلا :" لماذا تريد الحكومة العراقية ان تضيف ازمة خطيرة الى مشاكلها الحالية انه امر محير . في هذا التصرف الذي فيه حماقة جعلت الحكومة الشيخ الضاري  فحأة زعيم السنة الاول في اعين عرب كثيرين . تحول الى مظلمة في اعين الناس . واذا كانت الحكومة جادة  في مطاردة المطلوبين  وملاحقة القيادات التي تحرّض على العنف الطائفي فعليها ان تصدر قائمة بالمطلوبين ومن بينهم الضاري نفسه من شيعة وسنة حتى يعرف الجميع انها جادة وان مطاردتها ليست ذات اهداف سياسية  لقادة الحكم الحالي " ( صحيفة الشرق الاوسط 20 نوفمبر 2006 ) . ولقد واصل الشيخ حارث الضاري تنقله بين العواصم العربية  مناشدا الراي العام انقاذ السنة في العراق من التدخل الايراني والاحتلال الامريكي ويدعو الى اسقاط حكومة الوحدة الوطنية في العراق ، في الوقت الذي يحظى به هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي كسب تاييد سورية العربية لحكومة المالكي ويقيم التبادل الدبلوماسي معها . وعندما وصل الضاري العاصمة صنعاء صرح امام اساتذة وطلاب جامعتها في مؤتمر عقده في 5 ديسمبر 2006 قائلا :" الحكيم ذهب الى امريكا حتى يتوسط لايران . ان الاحزاب المشاركة في الحكم متعاملة مع ايران وهي مدعومة من اجنحة الحكم في ايران مثل بدر . والطالباني مرتبط بحلف مع ايران وان امريكا تعتقد ان الحل بيد ايران لحل مشكلة العراق. واننا نقول لهم ان الحل بيد العراقيين انفسهم وهو بيد من احرجوا امريكا امام شعبها  وامام العالم .  المجاهدون في العراق قائدهم يقول انا مسرع للجنة " .

كما القى عبد السلام الكبيسي مسئوول العلاقات بهيئة علماء المسلمين المرافق للضاري خطبة رنانة وحماسية امام الحشد الكبير نفسه هاجم فيها السيد عبد العزيز الحكيم وهو موجود في زيارة الى واشنطن قائلا :" هناك من يقف في البيت الابيض قي نفس الوقت الذي يقف فيه حارث الضاري امامكم . وفي ذات الوقت من يقول لبوش عليك بالقسوة اكثر على البعثيين في العراق . وهو لم يقصد البعثيين  وانما يقصد المعارضين للاحتلال . هناك من يستحث البيت الابيض لقتل العراقيين . وهنا نقف بينكم لمنع اراقة دماء العراقيين . لقد رشحت الاحداث ان تكون المقاومة العراقية سيدة المقاومين في العالم . ولو بقي مجاهد واحد في العراق لاخرج الامريكان والعملاء " . ( قناتي الجزيرة واليمنية نقل مباشر للاحتفال بجامعة صنعاء في 5 ديسمبر 2006 ) .

وتعلق صحيفة البينة العراقية حول زيارة الضاري قائلة  :" لقد حلّ الضاري ضيفا على رئيس الجمهورية علي عبد الله صالح واستقبل في القضر الجمهوري وحصل على ضوء اخضر للاتصال بالبعثيين الهاربين والمقيمين في اليمن . واستمر الضاري في الدق على وتر التعصب المذهبي والطائفي . وذهب بعيدا في استثارة مشاعر الجماهير ضد الشيعة والاحزاب الشيعية في العراق . وان الخطاب الذي القاه الضاري في جامعة صنعاء بلغ حدا لو ان باب التطوع والتجنيد فُتح للمشاركين في الاحتفال، لسجل عشرات اليمنيين اسماءهم في عمليات انتحارية . ويشهد اليمن بناء على ذلك نشاطا محموما للبعث العراقي في بناء خلاياه وتنظيماته التي باتت تتغلغل في اجهزة الدولة اليمنية . وتتساءل الصحيفة ماذا تنتظر حكومة المالكي كي تتحرك . كل هذا التحريض ضد الحكومة العراقية الا يستحق اصدار مذكرة اعتقال بحق هذا القاتل ؟ "

 اما عن عدنان الدليمي رئيس جبهة التوافق وعضو البرلمان العراقي ، فقد صرح هو الاخر اثناء وجوده في العاصمة عمان قبل لقاء المالكي ببوش بانفعال كبير مستغيثا باخوته العرب دون الحاجة الى السفر الى الرياض او صنعاء حيث سافر اليها فريق آخر يقوم بالمهمة عندما قال :" على العرب ان ينتبهوا من ان العراق سيقع في ايدي ايران الفارسية . وان اخواننا الشيعة سيطروا على الوزارات من اجل اقصائنا والعرب نائمون وكأن الامر لا يعنيهم . وانا اطالب العرب الوقوف الى جانب اخوانهم السنة لانقاذهم مما يحيط بهم من قتل واعتقال . وان على العرب ان يصحوا لان العراق سيقع بيد الصفويين واننا ننتظر ان يصنع لقاء نوري المالكي( أي مع الرئيس بوش في عمان ) ان ينقذ العراق من هذه الاعمال البربرية والاجرامية ضد ابناء السنة ".

لكن عضو مجلس الاعيان الاردني مروان المعشر رد  قائلا :" نحن مع العراقيين وان ما يريده جلالة الملك هو ان يمنع هذا الفكر الاقصائي سواء من الشيعة او السنة . المطلوب حكومة عراقية يشعر فيها العراقيون انهم ممثلون فيها . وهذا ما تم فيه الحديث من قبل الملك مع المالكي ومع الرئيس بوش ايضا "( قناة فضائية الاردن في نشرة الاخبار 29 نوفمبر 2006 )  .

 وفي نفس الاثناء كان هارون محمد يتطاير غضبا في قناة المستقلة ويشن حملة ينادي فيها بوجوب الوقوف بوجه المخطط الامريكي الصهيوني الصفوي عندما قال:" المطلوب السماح لابناء السنة بالحصول على الاسلحة للدفاع عن انفسهم لان ايران تقدم الاسلحة من مختلف انواعها الى مليشياتها في العراق للقضاء على السنة . عيب علينا ان نقول اننا دولة عراقية لان الدول لها مؤسسات ومقومات . فهل هذه هي الدولة المحصورة بالمنطقة الخضراء او المراعي الامريكية في المنطقة الخضراء . نوري المالكي وضع حل المليشيات في اولوية برنامجه السياسي . فلماذا لم يحلها ؟ لان ليست له القدرة على ذلك لانه مدعوم من جيش المهدي . فهل بمقدوره ان يحل الكتلة التي ساعدته بالمجئ الى رئاسة الحكومة ؟ وبالتالي فهو لا يتمكن ان  يقدم على حل أي جماعة شيعية مرتبطة بايران" (هارون محمد في قناة فضائية المستقلة 11 ديسمبر 2006 ) .

كما وصلت مباشرة رسالة الدليمي الى العاصمة الرياض القريبة من عمان وتمت تلبيية النداء عندما نشرت صحيفة الواشنطن بوست الامريكية خبرا اذاعته العديد من الفضائيات العربية ونقلته صحيفة التايمز اللندنية مفاده "ان مستشارا امنيا سعوديا اعلن صراحة بانه اذا ما غادر الامريكان العراق فان من اول النتائج التي ستحصل هي تدخل سعودي كثيف لمنع مليشيات الشيعة المدعومة من ايران من القيام بذبح السنة . وسنقوم بتزويد البعثيين بالاسلحة والمال على نفس الطريقة التي تقوم بها ايران في العراق. كما اننا سوف نستخدم قوة النفط للحد من قوة ايران ودعمها المادي لاعوانها في العراق "

ولقد علقت الكاتبة موضي الرشيد على هذا الخبر في مقالة لها نشرتها صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن تحت عنوان " خيارات التدخل السعودي " كتبت فيها تقول :" جاءت تصريحات مستشاري الأمن السعوديين عن الدور المستقبلي الذي ستلعبه السعودية في حال انسحاب القوات الامريكية المحتلة للعراق . ترفع السعودية اليوم شعار حماية اهل السنة في العراق وهو شعار خلاب جذاب تحشد خلفه النفوس وتؤجج اكثر المشاعر بدائية وهمجية . وهي مشاعر تعد بتأجيج نار فتنة هي بالفعل قد بدأت والتهبت . رُفع هذا الشعار في لحظة خاصة يمر بها النظام السعودي ولها علاقة بالتدخل السعودي نفسه وليس بالوضع السني العراقي . جاءت مقالات المستشار الامني او ما يسمى كذلك لتعد الشعب السعودي بنصرة سنة العراق من باب انتشال النظام من مأزقه الحالي . هذا الخطاب يروق ايضا لقراء الواشنطن بوست  والذي يرسم لهم مأزق العراق وكانه سيكون اسوأ بكثير عندما تنسحب القوات الامريكية ، حيث ستدخل السعودية الى حلبة المصارعة بكل ثقلها النفطي وليس العسكري . اذ لا عسكر لها كما ثبت تاريخيا . ستطفح بئر النفط وتفيض بمحتوياتها لتغرق السوق وتكسر الاسعار وستضرب عدو امريكا الاول ايران  حتى ترتدع ويتم تحجيمها بعد ان عانت من تضخم الانا . ومقابل هذا التضخم ستقوم دولة الخيلاء السعودية بواجبها الديني تجاه السنة تماما كما حددته الولايات المتحدة . ويذكرنا هذا الموقف بموقف سعودي عمره اكثر من نصف قرن عندما كانت بريطانيا تتفاوض مع الاردن لسحب جيشها وانهاء وجودها العسكري في الاردن ، حينها هدد ملك السعودية بانه سيعود ويطالب بمعان والكرك في حال انهاء هذا الوجود البريطاني .واليوم تهدد السعودية بالتدخل في العراق في حال خروج الجيش الامريكي لحماية السنة وكأنها تطرح نفسها بديلا لاحتلال لم يحم السنة بل اشعل نار الفتنة بين اطياف المجتمع العراقي. وينذر التدخل السعودي الموعود بتفجير المنطقة ليس العراقية فقط بل العربية كلها.  ستكون حربا عشوائية لن تستطيع السعودية ذاتها ان تحمي نفسها منها بجدار او ما شابه ذلك . تعلم السعودية  جيدا تداعيات  تدخلاتها في دول الجوار بدأت في افغانستان حيث لم تستطع ان تستوعب تداعيات المرحلة الافغانية ولكنها لا تتعلم دروسا من تاريخها اما بسبب قصر النظر واما بسبب تبنيها للمصلحة الضيقة والتي تُحصر ببقاء الملوك على العروش وتحت حماية ووصاية خارجية ولو كان هذا البقاء على حساب شعب كامل يعاني من المشاكل الاجتماعية والسياسية وحتى النفسية من كثر التناقضات التي يعيشها . لن ينتشل شعار نصرة سنة العراق وتحجيم المد الايراني الشيعي النظام السعودي من مأزقه الحالي . ولربما يستطيع الشعار ان يحل الازمة في المرحلة الحالية ولكن في المدى البعيد ستكون عاقبة تمويل الحرب الاهلية العراقية وخيمة قد تطيح باكثر العروش حماية . يقتتل اليوم السني والشيعي في الساحة العراقية بتغدية من ملوك العرب ورؤسائهم بمعاونة الجيران القريبين والبعيدين . ان تدخل السعودية الصريح في حرب العراق لن يمر بسلام ولن تخرج منه القيادة السعودية منتصرة . كنا نقرأ التاريخ لنستفيد من دروسه وليس لنمر ونعيش على اطلاله . سينغمسون في المستنقع العراقي كما انغمس غيرهم . ان وعد السعودية الجديد ما هو الا امر لسياسة عمياء وجبانة ترفض ان تعترف بها ليس فقط سياستها الداخلية بل ايضا سياستها الاقليمية . تتلون السعودية في مواقفها السياسية حسب الظروف ولكن لها ثابتا واحدا متفقا عليه الا وهو المضي في المشروع الامريكي من نيكاراغوا الى افغانستان مرورا بالعراق ولبنان . نتمنى ان يدرك سنة العراق مخاطر الانزلاق في المخطط السعودي الجديد ويقروا ان عدو عدوي ليس دوما صديقي" .

 لكن الامير تركي الفيصل السفير السعودي في واشنطن اعلن ان الحكومة السعودية طردت مواطنها نواف عبيد  المستشار الامني السعودي من عمله بعد نشره لمقالته مثيرة الجدل في صحيفة الواشنطن بوست الاسبوع الماضي واكد على ان حكومته تنادي بوجوب العمل على وحدة العراق وتأييد حكومة الوحدة الوطنية فيه ضد الارهاب . وقد حثت السعودية الولايات المتحدة الامريكية على عدم سحب قواتها من العراق. كما اشار السفير السعودي الى ان السعودية لا تريد تفتيت العراق ولن تتدخل في الشأن العراقي حتى ولو خرجت القوات الامريكية منه لان العراق اصبح ملاذا آمنا لتدريب الارهابيين قبل اعادتهم الى بلدانهم لتنفيذ هجمات وتكوين خلايا ارهابية . وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السعودية اللواء منصور التركي ان مجموعة من الخلايا التي أُعتقلت في الحملة الامنية الاخيرة كانت متخصصة بتهريب شباب سعوديين متحمسين للجهاد الى مناطق مضطربة امنيا في اشارة الى العراق حيث تم اعتقال 136 مشتبها بهم من تنظيم القاعدة معظمهم من السعوديين وكان العديد من المنتمين لتنظيم القاعدة الذين شنوا هجمات داخل السعودية خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية تلقوا تدريبات في افغانستان بعد انضمامهم الى القتال ضد الاتحاد السوفييتي في الثمانينات . كما تذكر صحيفة القدس العربي ان نواف عبيد عمل بوظيفة باحث زائر في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى وهو معهد تفرع عن اللجنة الامريكية الاسرائيلية للشئوون  العامة "ايباك" الذي تنحصر مهمته في دعم اسرائبل واضافت الصحيفة ان عبيد يعمل فيما يسمى بمشروع تقييم الامن السعودي الذي لا تُعرف تفاصيله وموارده العامة .

 وتقول صحيفة الاهرام الدولي نقلا عن صحيفة الواشنطن تايمز الامريكية :" ان من المفارقات اللافتة للنظر ان  تقريرا اشرف عليه المستشار الامني للسفارة السعودية في واشنطن نواف عبيد الذي اقالته الحكومة السعودية من منصبه بعد نشره للمقال آنف الذكر في صحيفة الواشنطن بوست . وقد تم اعداد هذا التقرير من قبل مجموعة مشروع تقويم الامن الوطني السعودي في 40 صفحة " وجاء في هذا التقرير :"  ان ضباط المخابرات الايرانيين اخترقوا صفوف المليشيات والشرطة والجيش العراقي وان ايران استغلت الفشل الامريكي الواضح في العراق واخترقت وادي الرافدين . وبعد اعطاء التفاصيل حول عدد المليشيات المسلحة المختلفة من السنة والشيعة ، اوصى التقرير حكومة المملكة السعودية بوضع استراتيجية شاملة لمواجهة النفوذ الايراني . وشدد التقرير على ان العلاقات الدينية والقبلية القديمة بين العراق والسعودية تضع مسئوولية خاصة على عاتق السعودية لضمان امن وسلامة السنة في العراق. كما اوصى معدو التقرير بنقل فحواه الى الولايات المتحدة والتاكيد على القيادة الايرانية ان السعودية ستواجه هذه الانشطة ما لم تنزع طهران الى وقفها ".

اكدت مجلة النيوزويك الامريكية الاسبوعية وصحيفة الستاندرد النمساوية على " الحذر من الخطر الشيعي" وتحدثت النيوزويك بالاخص عن "التحذير الواضح" الذي وجهته حكومة المملكة السعودية الى الادارة الامريكية والذي قالت فيه :" اذا ما انسحبت الولايات المتحدة وسقط العراق في الفوضى فان السعودية ستجد نفسها مضطرة لحماية السنة من الابادة التي ستقود العراق الى التقسيم وسيطرة ايران على النصف الاخر منه " واضافت المجلة تقول :" ان الملك عبد الله ومساعديه يخشون من تحول الصراع في العراق الى اشبه ما حصل في البوسنة اوان يؤدي الى حرب باردة اقليمية تضغط فيها ايران الشيعية ضد السعودية والدول السنية الاخرى ".  كما ذكرت قناة فضائية العراقية بان الملك عبد الله حذر من المخاطر التي تهدد المنطقة في قمة دول مجلس التعاون الخليجي الاخير في الرياض عندما وصف الصراع بالمجنون والخطير القائم على خزان من البارود . ويذكر مراسل صحيفة اللوموند الفرنسية من المنامة في البحرين تصرح الامير مقرن بن عبد العزيز الذي قال :" ان بقاء القوات الامريكية في العراق يساهم في خلق ارهابين اكثر وان الوقت لم يحن بعد لترك العراق " معبرا عن امله في وضع جدول زمني لانسحابها .

اما صحيفة الهيرالدتربيون الامريكية فقد كتب فيها حسن فتاح مقالة عن " تهديد ايران الفارسية ضد الاسلام مما جعل التهديد الايراني يصعد بنفس قوة صعود البورصة " ، جاء فيها ان الشيخ موسى بن عبد العزيز المحرر في صحيفة "السلفي" قال ان ايران الثورية عادت للظهور الفارسي في المنطقة وانها اصبحت اخطر من اسرائيل  وهذا هو تصادم الحضارات الحقيقي " . ويضيف صاحب المقالة قائلا :" ان استقالة الامير تركي الفيصل من منصبه بعد 15 شهرا كسفير في واشنطن على نحو مفاجئ الاسبوع الماضي ، تثير الشكوك والتضارب في الاراء بشأن وجود انشقاق داخل الحكومة السعودية حول كيفية التعامل مع الولايات المتحدة في العراق وتوجيه السياسة السعودية الخارجية . فهناك من يقول ان خلافا وقع ما بين السفير الامير تركي الفيصل والامير بندر بن سلطان وزير الداخلية السعودي حول خطة الحكومة بشأن التعامل مع ايران . والمعروف ان الامير تركي ، حسب النقاش الجاري في اوساط العائلة المالكة السعودية ، يفضل تجنب التدخل في النزاع الطائفي ويقول ان الحل الوحيد للمشكلة هو بالتفاوض مع ايران . ولقد ظهر كل ذلك على اثر نشر نواف عبيد مقالته آنفة الذكر في الواشنطن بوست حول التدخل السعودي والمطالبة بالدعم المالي والعمل مع الدول السنية المجاورة كالاردن ومصر بتقديم السلاح والتدريب " .ويذكر كاتب المقالة ايضا ان عبد الرحمن الراشد الكاتب المعروف ومدير قناة فضائية العربية قد قال :" من إذن سيواجه الايرانيين غدا ؟  فقط الاسرائيليون ؟  انني لا اعتقد ان ذلك ممكنا".

 ( موضي الرشيد كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية في صحيفة القدس العربي 4 ديسمبر 2006 )وصحيفة التايمز اللندنية في 30 نوفمبر 2006 )( وقناة  الفضائية العراقية في نشرتها الاخبارية  29 نوفمبر 2006 ) و( وقناة فضائية الشرقية 7 ديسمبر 2006 ) و(صحيفتا الزمان والقدس العربي 5 و6 و8 ديسمبر   2006 )( وصحيفة الهيرالدتربيون الامريكية 12 ديسمبر 2006 ) و( صحيفة البينة العراقية 18 ديسمبر 2006 ) . و( مجلة النيوزويك الامريكية الاسبوعية 25 ديسمبر 2006 ) و(صحيفة الستاندرد النمساوية  19 ديسمبر 2006 )و ( صحيفة الاهرام الدولي 19 ديسمبر 2006 ) و(  حسن فتاح في الهيرالدتربيون الامريكية 22 ديسمبر 2006 ) و( قناة فضائية العراقية  16 ديسمبر 2006 ) و( صحيفة اللوموند الفرنسية 11 ديسمبر 2006 ) .

 أجرى مايكل هاستنغ حوارا مع الشيخ حارث الضاري نشرته مجلة النيوزويك الامريكية اجاب الضاري  على اسئلة المحاور قال فيه:" انهم يدّعون  باني ارهابي لاني ادعم المقاومة ( كما يقولون ذلك ) وطالما انا ادعم المقاومة  فاني ارهابي . ان القاعدة جزء من المقاومة . و المقاومة تتكون من نوعين . المقاومة التي تقاوم المحتل وهذه ندعمها مئة بالمئة والاخرى التي تخلط ما بين مقاومة الاحتلال وقتل الابرياء من الشعب العراقي . ورغم انها تسمي نفسها بالمقاومة الا اننا ندينها ولا ندعمها على الاطلاق . ومن اجل انهاء العنف فانه يجب وقف العملية السياسية والبحث عن بديل قوي يقدم لهم الامن للعراقيين والعراق من اجل انهاء هذه المهزلة التي يسمونها بالديموقراطية او ما يسمونه بالعملية السياسية التي تُعتبر احدى اكبر النكات حماقة في التاريخ " . واضاف الضاري يقول :" ان المالكي لا يستطيع وقف فرق الموت والجرائم واذا ما كان غير قادر على ذلك فان عليه ان يستقيل من منصبه لانه الشخص المسئوول  عن العراق واذا ما استمر الحال كما عو عليه ويبقى المالكي غير قادر على وقفه ،فان ذلك يعني انه موافق على ما يجري"  ( نص الحوار ما بين مايكل هاستنغ والشيخ حارث الضاري المنشور في مجلة النيوزويك الامريكية الاسبوعية عدد  11 ديسمبر 2006 ).

 وعلى خُطى شجاعة الشهيد الشيخ اسامة الجدعان شيخ عشائر الكرابلة في محافظة الانبار الذي أُغتيل بالمنصور في مايو آيار 2006 ، صرح الشيخ حمد فرحان الهايس بمناسبة تشكيل مجلس انقاذ الانبار قائلا :" نحن نمثل الشهداء . اننا نعيش عهد النفاق . اننا لا ننسى ونحن على الارض اننا نمثل الارامل والفقراء والمظلومين ولسنا مثل الذين يُزرعون في شوارع ومقاهي دمشق وعمان . ويكفي مزايدة علينا من قبل حارث الضاري . منذ الاول من سبتمبر خفت حوادث القتل لدينا 90 بالمئة . الا يفرح الضاري ما نعمله لحفظ ارواح المسلمين ؟

اما الشيخ عبد الستار ابو ريشة ، رئيس مجلس انقاذ الانبار  الذي يذكرنا بشجاعة المرحوم الشيخ الجدعان ، فقد صرح في مؤتمر صحفي قائلا :" كل الشيوخ الشرفاء الشجعان موجودون في المؤتمر . كلنا في ارض المعركة ضد التكفيريين القتلة المأجورين الذين جاءوا في اجندتهم من اجل قتل العراقيين . اذهب الى الرمادي وأخذ اراء اهلها في ارض الواقع . المعسكر هو معسكر الحق وخندقنا هو خندق الحق . تباحثنا مع الشيوخ الرموز في المحافظة وهم قلبا وقالبا معنا . وطالب الشيخ ابو ريشة الحكومة بالاسلحة لردع تحالف القاعدة مع الجماعات الصدامية "( النقل المباشر من فضائية قناة البغدادية 16 ديسمبر 2006 ) ,و( راجع الفصل الثاني ب حول اغتيال الشيخ اسامة الجدعان ) .

الا ان الامر لم يتوقف عند هذا الحد . فقد اذاعت اكثر الفضاءيات العربية ونشرت اكثر الصحف ومنها الهيرالدتربيون الامريكية التي ذكرت :" ان اكثر من 30 من العلماء المسلمين المعروفين في السعودية اصدروا بيانا لجميع المسلمين السنة في الشرق الاوسط يطلبون فيه وقوفهم الى جانب اخوتهم السنة ومساعدتهم ضد الشيعة في العراق مع الاهتمام بتعليم الناس بالخطر الذي يهددهم من الشيعة .وبعد ان اشادوا في دور المتمردين في هذا البلد ،حذرّ هؤلاء العلماء في بيانهم من ان المسلمين الشيعة قد سيطروا على العراق بالتآمر مع الصليبيين في محاولة لتهميش دور المسلمين السنة . وتجدر الاشارة الى ان اغلب العلماء الموقعين على هذا البيان ينتمون الى اهم الجامعات الاسلامية في السعودية التي تمثل اكبر مراكز السنة تشددا في المملكة . كما اكد هؤلاء العلماء على دور الجهاد او الحرب المقدسة في الاسلام على انها من اهم اعمدة الدين الاسلامي وان ما أُخد بالقوة لا يمكن استرداده الا بالقوة " ( صحيفة الهيرالد تربيون الامريكي 12 ديسمبر 2006 ) .

وبهذه المناسبة وبعد ان أُذكّر بالفتوى التي اصدرها العديد من علماء الدين السلفيين في السعودية الذين أفتوا "بجواز دخول القوات الاجنبية الى منطقة الخليج لمساعدة اخوانهم المسلمين واخراج صدام حسين من الكويت لانه كافر ويدين بعقيدة البعث عام 1991" ،  تلك الفتوى التي سببت خروج بن لادن على طاعة ملوك وامراء الخليج والجزيرة الذين سماهم بالفاسدين الخارجين عن الدين ، او بعد ان أُذكر بفتوى عبد الله بن عبد الرحمن بن الجبرين في المملكة السعودية الذي اعلن عن فتواه  " بعدم جواز نصرة حزب الله الرافضي وعدم الانضواء تحت امرته ولا يجوز الدعاء له بالنصر وان يتبرأ المسلمون منه .." اى حزب المقاومة اللبنانية  التي قاتلت ببطولة العدو الصهيوني في اسرائيل اثناء حربه الشرسة التي شنّها على لبنان في يوليو 2006 ، او الفتاوى الاخيرة لهؤلاء السلفيين السعوديين الصادرة بعد اعدام صدام حسين والتي تدعو الى ابادة الشيعة ، وبعد كل هذه الفتاوى ، نفهم مغزى ما يروم اليه امثال هؤلاء من اصحاب الفكر التكفيري الرجعي المتشدد الذي لن يجلب الا الفتنة التي تقود الى الدمار وشق صفوف المسلمين وسوء العاقبة .  وما على رجال الدين المتنورين والمسئوولين في المملكة السعودية الذين عبّروا عن دعمهم لسياسة حليفهم الرئيس جورج بوش والتزامهم لصالح حكومة الوحدة الوطنية في تحقيق الاستقرار في العراق ، الا الوقوف بشدة في وجه هذا التيار ذو المواقف المفضوحة المتناقضة من اخوة نواف عبيد وامثالهم وان يضعوا الامور في نصابها قبل فوات الاوان .

وبعد كل ما مرّ بنا ، لا شك اننا اصبحنا ندرك مدى الفزع والرعب الذي اصاب المجتمع  والاوساط السعودية الحاكمة والقلق الذي عمّ الدول العربية الاخرى . فالسعودية ليست معنية بالدفاع اليوم عن الاسلام فقط بل هي مهتمة بالدفاع عن النفط ايضا ( راجع ما جاء في حدبث الجنرال الامريكي والد في تقريره عن التهديدات التي باتت تواجه السعودية الفصل الاول ه ) .كما انه بات من البديهي والسهل ان نعرف اليوم الاسباب التي كانت وراء اوامر الرئيس جورج بوش الاب الى قائده شوارتزكوف وجيشه بالتوقف الفوري وعدم دخول بغداد لاسقاط نظام صدام حسين  في بداية مارس 1991 بعد ان تنكر الرئيس لوعوده ومخططاته التي ادت الى بقاء النظام في بغداد ودعمه في سحق انتفاضة الشعب العراقي وتصفيتها ( راجع ما جاء في كتاب الزلزال للقائد العراقي نجيب الصالحي في التمهيد ) . واليوم ورغم ان التاريخ يعيد نفسه كما يُقال ، اصبح بامكاننا ان ندرك ما اصاب الحكام السعوديين من جديد بسبب الوضع المأساوي الخطير الذي وصل اليه العراق . ولم يعد بالامكان ان يرد السعوديون ولا ان يفزعوا او ينتخوا بالسيف او ان يقدموا السلاح والمال. لان صب الزيت على النار سيزيدها اشتعالا حتى تصل بسرعة اليهم والى اطراف عربية اخرى .وفي مثل هذه الظروف يجب استخدام العقل والحكمة في طلب جمع الشمل والتفاوض مع جميع الاطراف المعنية لتقريب وجهات النظر والوصول الى الحلول المطلوبة لوقف سفك الدماء البريئة في شوارع بغداد وهتك اعراض الناس. وهذا بالتاكيد ما ذهب اليه السفير السعودي الامير تركي الفيصل المستقيل في واشنطن ، الذي ربما ينتظره العراقيون يوما ما سفيرا للسعودية في بلادهم ، بعد ان عرفنا كما مرّ بنا كيف  ضحى بمنصبه الرفيع في موقفه الشجاع  المشرف، لأن صب الزيت على النار سيحرق الجميع  ( راجع المؤتمر الصحفي لولي العهد السعودي سلطان بن عبد العزيز في هذا الجزء الذي سيرد ذكره لاحقا ) .

 لا نريد للعراق ان يقف على حافة الهاوية . فاين اهل العقل والحكمة ؟ المطلوب ان يسارع القادة في دول الجوار جميعا بالجلوس الى مائدة المفاوضات في المؤتمر الذي اقترح رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عقده  في كلمته التي وجهها عند افتتاح مؤتمر القوى والاحزاب السياسية للمصالحة الوطنية في 16 ديسمبر 2006 وليس انتظار ما سيقرره الرئيس بوش بعد عودة وزير دفاعه الجديد من زيارته الى بغداد  للوصول الى حل للمشكلة. ان البقاء متفرجين مترددين مرددين خطب عنتر بن شداد الحماسية واشعار عمر بن كلثوم سوف لن يؤدي الا الى مزيد من الشقاق والدمار واثارة العصبية القبلية من جديد سواء في داخل المجتمع السعودي او غيره وهو ما يأمل منه اخرون ان يتعكس ايجابيا على الوضع الامني داخل العراق .لا لن ننتظر ولن نريد ان ينتقل الدمار الى الآخرين. العراقيون ليسوا طلاب انتقام ولا يريدون اعتذارا بل انهم يطمحون ان يروا " بيل غيت " سعوديا او كويتيا او اماراتيا او أي عربي آخر يقدم الدعم لهم ضد امراض الطائفية ووقف طغيان الارهاب ويرعى المحرومين من الاطفال اليتامى ويضمد جراح المرضى والمعوقين ويعمل باخلاص من اجل وقف نزيف الدماء  .

 وبعد ان أدان رئيس ديوان الوقف الشيعي في العراق صالح الحيدري بيان هؤلاء العلماء واعتبر انه مثير للنعرات الطائفية في العراق وان العراقيين بجميع اطيافهم يستنكرون هذا البيان ، قال :"ان الشعب العراقي متمسك بوحدته وان الخزي والعار سيلحق بالذين يريدون للعراق الدمار والفرقة من اصحاب الاقلام الاجيرة المجرمة التي يعرفها العالم اجمع " ، كما سارع مكتب المفتي العام في المملكة السعودية باصدار بيان اكد فيه على ضرورة التوحيد بين جميع المذاهب ونبذ الفرقة وتحقيق المساواة وعدم الظلم مشيرا الى ان رأي هؤلاء العلماء لا يمثل وجهة نظر المملكة او دار الافتاء العام وان هذا البيان هو رأي شخصي لهؤلاء العلماء واننا نرفض كل كلام يدعو الى العنف واراقة دماء المسلمين . فهل يكفي مثل هذا البيان من مكتب دار الافتاء ام ان حكومة المملكة تتحمل مسئوولية اتخاذ اجراء آخر مثلما اتخذته من قبل بحق نواف عبيد بعيدا عن ازدواجية المعايير في هذا الشأن حتى لا نصدق ما تحدث عنه كل من مارك هولنغزورت في كتابه " بابيلون السعودية " و بريان ايادز في مجلة الريدرزدايجست ؟ (راجع الفصل الاول (ه) حول كتاب بابيلون السعودية ومقالة بريان ايادز في الريدرزدايجست ) و( راجع صفحة الانترنت حول فتاوى السلفيين السعوديين ضد الشيعة ) .

 لكن المهاترات ظلت مستمرة من كل صوب . ففي ندوة " خيارات السنة في العراق بعنوان  : العراق الى اين" عُقدت في اسطنبول بتركيا في 13-14 ديسمبر 2006 ، جلس فيها عدنان الدليمي الى جانب عبد الله النفيس الذي اشاد بالمقاومة الوطنية ودورها ضد الاحتلال الامريكي الذي سبق وان حذّر من وجوده في العراق  بالاضافة الى آخرين شاركوا في هذه الندوة وظهروا بالنقل المباشر على شاشة قناة فضائية الجزيرة . وفي هذه الندوة اخد الدليمي يصرخ متشنجا ويطلق نفس النداءات التي رددها في عمان التي دون شك استاء عقلاؤها من تصريحاته المتطرفة . ويبدو ان الدليمي لم يكتف بما صرح به في عمان فجاء الى ارض الاجداد من آل عثمان ليصرح في اسطنبول من جديد :" انني ادعو الدول العربية والاسلامية ان تضع برنامجا يقف امام ايران والغزو الايراني للعالم الاسلامي ، برنامج واسع مخطط ومدعوم من قبل الدول العربية والاسلامية . وخاطب الحضور مطالبا الدفاع عن السنة في العراق وقال لماذا لا تنصرون اهل السنة . هل انكم تخافون ان يقولوا عنكم طائفيون .. نعم نحن طائفيون . نعم نحن طائفيون  " .

اما عن المتحدث باسم الجيش الاسلامي ابراهيم الشمري فقد قال في هذه الندوة من خلال تسجيل صوتي له :" تذكروا انكم عندما تنامون فان اخوتكم لا ينامون.عين ترقب الصفويين واخرى ترقب الصهيونيين.  وعاتب الشمري شعوب العالم العربي عن تخلفهم عن نصرة اهل السنة وهم يُذبحون بخنجر صليبي صفوي يهودي " .

الا ان علي الدباغ الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية ردّ على هذه الندوة بشكل دبلوماسي مهذب قائلا :" ان الحكومة العراقية تُعبر عن اسفها لانعقاد هذا المؤتمر في تركيا . هذا المؤتمر الذي يرسل رسالة خاطئة الى داخل العراق تترجم الى عمليات عنف . وان مثل هذه المؤتمرات هي ضد الشعب العراقي وتزيد من الاستقطاب والتحريض الطائفي  . وان  الرسالة التي وجهها المؤتمر هي رسالة صارمة بحق الشعب العراقي . واعرب عن امله ان تمتنع دول الجوار عن عقد مثل هذه المؤتمرات " ( صحيفة الزمان والصباح والقدس العربي 15 ديسمبر 2006 ) ( وقناة فضائية الجزيرة 14 ديسمبر 2006 ) .

ويعود رشيد الخيون معلقا على مؤتمر اسطنبول عندما كتب في صحيفة الشرق الاوسط معاتبا عدنان الدليمي باسلوب الكاتب الرزين  وهو يقول :" ما زلت أمل من الشيخ عدنان الدليمي غير ما سمعته عنه بعمان في مؤتمر ( استذكار مئوية حسن البناء) و (مؤتمر نصرة اهل العراق باسطنبول) ! وما الاحتفال الاول الا تجديد الاصرار على التحاقد والتباغض السياسي تحت عنوان الدين . ولا تحُمد في الثاني مخالفته لوثيقة مكة والمسلمون على ابواب الحج .سدارة الدليمي الفيصلية ولهجته البغدادية وما صدر عنه باستبدال مؤتمر اهل السنة باهل العراق  دفعني الى الكتابة قلقا من فقد عاقل طيب الطوية . الا ان نبرة صوت الدليمي الحادة ودمعة الاثارة الساكبة اثناء خطابه بعمان يُذكر بالشاعر الذي تهيجه الجموع ويهيجها . فلا احسب نخوته للمحيط السني ضد مواطنيه الشيعة : " اسرعوا قبل ان تصبح بغداد عاصمة للصفويين" ، الا العودة الى حماسة المحاربين وكأنه عمر بن كلثوم يقف مرتجلا " الا لا يجهلن احد علينا ... (وللاسف لم يكمل الخيون بيت عمر بن كلثوم وبعد الاستئذان منه ، اود ان أُكمل البيت مع ابيات اخرى من معلقة عمر بن كلثوم ، احدى المعلقات السبع التي هاجم فيها عمر بن هند الذي كان ملكا وشيخ قبيلة مثله في العصر الجاهلي . وفي هذه الابيات  يتجلى الحماس والفخار والغرور والمبالغات الفارغة لهؤلاء الشيوخ الذين كانوا لا يملكون سوى الخيم وبعض من الابل والسيوف في شبه جزيرتهم . وينشد عمر بن كلثوم  :

"أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نُخبرّك  اليقينا ... ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ملأنا البرحتى ضاق عنا ..وظهر البحر نملاؤه سفينا ..لنا الدنيا ومن أضحى عليها ..ونبطش حين نبطش قادرينا  اذا بلغ الفطام لنا صبي ... تخر له الجبابر ساجدينا " .

وعلى هذا النحو اراد الخيون ان يقارن حماسة الدليمي واضاف يقول :"ومع ذلك كان ظهور الدليمي على غير عادته بفعل حماسة جموع اخوان المسلمين التي لا تخسر خيلا ولا فرسانا في الهيجاء ببغداد ! ونراه ارتجل في مؤتمر اسطنبول ابلغ حماسة من الاولى . واما الجماعة نفسها التي لم تنزع ثوب الحداد بعد على ابي مصعب الزرقاوي "الشيعة يسحقون السنة باقدامهم" ، وباكثر تفزيعا ، ناشد الدليمي المؤتمرين ان يصبح عنوان المؤتمر " نصرة اهل السنة بالعراق " ... ! وليس الشيخ الدليمي جديدا على بغداد عندما درس في الخمسينات طالبا في دار المعلمين ثم في كلية التربية واول رئيس لها كان الصابئي عبد الجبار عبد الله عالم الفيزياء . ودرس على كثرة من الاساتذة ( الصفويين) حسب نعته لمواطنيه من المذهب الاخر وفي مقدمتهم عالم نحو اللغة مهدي لمخزومي" .

وبعد ان يسترسل الخيون في الحديث عن تاريخ حياة الدليمي الذي أُضطر الى الاغتراب أضاف يقول :" تبين ان الجميع من صفويين وعثمانيين وبعثيين انفسهم غدوا تحت اقدام ذلك النظام ، اما قتلى واما خارج الحدود . والجميع تنفس الصعداء بعد تبدل الاحوال .وان شرور الحاضر تحتاج الى تعميق ما بدأ به الدليمي وهو تكريس فكرة اهل العراق وعندها سيرى الشيخ هؤلاء (الصفويين) اقرب له من حبل الوريد . فكيف اذن يفك الشيخ هذا التشاكل ليُفتي : ان الشيعة يسحقون السنة! ويعطي فرصة لرافعي رايات الفتنة من خارج العراق ولعصابات الفتنة في داخله من اشرار الطائفيين الذين من الواجب الوطني والفقهي فضحهما  . واذا ما حُشد المحيط السني لحماية السنة ، مثلما قام بالواجب عبد الرحمن النعيمي رئيس مؤتمر اسطنبول ، فما الخطأ في ان تحشد ايران نفسها لحماية الشيعة ؟ ما زاد في اهتمامي هو على ما اظن ان الشيخ الدليمي ينتسب مذهبيا الى الامام ابو حنيفة النعمان ( ت 150 ه ) الذي يفاخر كونه إمام السهولة  والتسامح. ولم يكن خصما لعلوي او شيعي بقدر ما كان ناصرا ورائدا . وما التقابل بين قبتي امامي المذهبين ومنائرهما عبر دجلة الا علامة رضاء لشراكة العيش ببغداد . وما اراد ابو حنيفة ان تبقى بغداد له وحده مثلما وزع عقارها الشيخ الدليمي في خطابه . بل هي لموسى بن جعفر ولأبي المنصور الحلاج ولمعروف الكرخي وللشريفين الرضى والمرتضى ولابراهيم بن هلال الصابئي وكل النصارى وحاخامات اليهود وعبد القادر الكيلاني والشيخ معروف الرصافي. اتمنى على الشيخ وانا ما زلت اعده من احد العقلاء ان لا يغرب عن اشراقات ابي حنيفة فما هكذا تكلم !"   (الكاتب رشيد الخيون  " ما هكذا تكلم ابو حنيفة " في صحيفة الشرق الاوسط 27 ديسمبر 2006 ) و( من كتاب " مجاني الأدب" للويس شيخو حول معلقة عمر بن كلثوم الصادر برخصة مجلس رعاية بيروت الجليلة 1910 ) .

اما الكاتب المصري المعروف فهمي هويدي فيوجه دعوة بعنوان "ترشيد الغضب" جاء فيها :" اني ادعو الى ترشيد الغضب الشائع هذه الايام بين أهل السنة وكبح جماحه، حتى لا يتحول من عتاب واحتجاج يدعو الى تصويب الاخطاء لتمتين وحشد صفوف الامة لمواجهة اعدائها الحقيقيين، الى فتنة كبرى وانتحار جماعي لأهل السنة والشيعة معاً. في هذا الصدد، فالتحذير واجب من أقوال الغلاة وممارستهم، التي تتراءى لنا من فوق بعض المنابر، عبر فتاوى واتهامات تروج لها مواقع بلا حصر لها . إنني لا استطيع أن أحسن الظن بتلك اللوثة التي اصابت البعض، حتى جعلتهم لا يكفون عن التحريض والتهييج وإشعال الحريق في كل اتجاه، ولعلي لست بحاجة الى التذكير بأن الغلاة لا تعنيهم الامة في شيء، ولا يشغلهم مصيرها في أي باب  وما يعزز شكنا وارتيابنا فيما يجري ان دعاة الخصومة الذين يطلقون نفير الحرب والابادة الفكرية، لم نسمع لهم صوتا ولم نر لهم حضورا في ساحات المعارك المصيرية الشريفة التي تخوضها الامة، سواء ضد الاحتلال والهيمنة الاجنبية أو ضد الجرائم التي ترتكب بحق شعوب الامة، وفي المقدمة منها الشعب الفلسطيني، فضلا عن ذلك، فقد كان مدهشا أن نرى في مقدمة المهاجمين للشيعة والمحرضين عليهم أناسا لم نعرف عنهم غيرة على السنة يوما ما.

ان الاعتراف بخطأ الذات ومصارحة الآخر بخطئه، من آيات الترشيد الذي ادعو اليه، ولا مفر في هذا الصدد من الاقرار بأن ادانة ممارسات الغلاة في جماعات أهل السنة كانت أعلى صوتا وأوسع نطاقا من الادانات المفترضة التي كان يفترض صدورها من مراجع الشيعة في العراق وايران. انني اكرر نداء وجهته من قبل في هذا المكان، راجيا ألا نسلم الامر للغلاة الذين هم رعاة الفتنة وسدنتها، وان تمد الجسور بين العقلاء كي يرفعوا اصواتهم بما يجنب الامة الوقوع في مستنقع الفتنة، ولكي ينبهوا الرأي العام الى الاعداء الحقيقيين الذين يتربصون بالامة بكل أطيافها، واذا كان على عقلاء الجانبين ان يتحملوا مسؤوليتهم في هذا الصدد، فإن السياسة الايرانية تتحمل مسؤولية خاصة، لأنها بحكم الدستور دولة الشيعة الامامية، فضلا عن ان نفوذها المعنوي عليهم لا ينبغي التقليل من شأنه، رغم الحرص الذي يبديه أغلب الشيعة العرب على الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين السياسة الايرانية، وتمسكهم بأن تكون علاقاتهم بإيران الدولة والمراجع هؤلاء الشيعة وطنيين وعروبيين لهم تحفظاتهم الكثيرة على السياسة الايرانية"  ( صحيفة الشرق الاوسط 30 يناير 2007 ).

فاذا كان ما مرّ بنا كما يظهر هو موقف الاسلاميين المتطرفين ومطالبتهم في نصرة السنة ، ففي حوار مع فاضل الربيعي في قناة البغدادية ردّ فيه على اسئلة المحاور حول المقاومة ودور حزب البعث في العراق قائلا :" المقاومة هي اللاعب الحقيقي الذي سيقرر مصير الامريكان في العراق وانه لا يوجد الى الان اتفاق او اتصال او مفاوضات او اتفاقات بين المقاومة والامريكا . وان المقاومة غير مسئوولة عن الفوضى وهي تستهدف الاحتلال وعملاء الاحتلال. تطالب المقاومة بالانسحاب التام لقوات الاحتلال في فترة لا تتجاوز الستة اشهر  واقامة حكومة وطنية تقودها المقاومة وتدير شئوون البلاد لمدة عامين لاقرار دستور جديد . وتلغي كل ما جاء به الاحتلال من قوانين تعسفية تشيع المحاصصة الطائفية  واعادة بناء الدولة على اسس وطنية وحكومة وطنية . المقاومة هي اداة القوى الوطنية من البعثيين والشيوعيين والناصريين والاسلاميين والقوميين وغيرهم . كلهم شركاء  ويجب عليهم ان يتوافقوا على برنامج الاستقلال والتحرر الذي طرحة حزب البعث الذي يقود العراق نحو التحرر الشامل" . وفي سؤال عن العنف وسقوط الضحايا وانهار الدم ، اجاب الربيعي قائلا : عندما احتل البريطانيون العراق ودخل الجنرال مود بغداد عام 1917  جرى حرق سوق السراى ولقد تبين بعد اشهر انهم كانوا يريدون ارغام  التجار وتدميرهم وهكذا بدأ تفكييك  قوة التجار العراقيين واحلال طبقة تجار جديدة من اليهود . وان ما يريده الامريكان اليوم هو احلال طبقة تجار جديدة من اللصوص وهذا ما تقوم به في الوسط الاعلامي والتجاري واحلال وجوه جديدة . لاعمال القتل البشعة الجارية هي جزء من عمليات تطهير عرقي وهذا ينفذ بيد عراقية و ان فرق الموت هي من عشرة الآف عضو تنتسب لجلال الطالباني ومسعود البرزاني والجلبي هؤلاء هم فرق الموت . وقبل ثلاث سنوات سار الامريكان على تنفيذ هذا المخطط للعداء للعروبة وخلق قوى تجارية مرتبطة بالغرب وان قرار حل الجيش هو ليس قرار  الحزب الجمهوري بل حزب الليكود وهو من تدبير الصهيونية .وان المقاومة هي التي ستعيد الامور الى نصابها . هناك قوى باسلة مهمتها انتزاع الاستقلال من الاحتلال وتسترد الاستقلال الاول عندما طردنا البريطانيين في فجر ثورة تموز واليوم هو طرد الامريكان  وتحقيق الاستقلال التام الشامل والعميق . كل الذين دفعوا العراق الى الهاوية وكانوا مسئوولين عن دمائه وفي المقدمة قوات الاحتلال واعوانه. ادعو الامريكان ان ياخذوا  عملائهم معهم وينوا لهم احياء  في امريكا ليعيشوا هناك . ومن يريد ان يتراجع نرحب به وليس امامهم الا الجلوس مع المقاومة . وان الاشهر القادمة سمتها الرئيسية تصاعد عمليات المقاومة وايقاع المزيد من الخسائر بقوات الاحتلال وفتح سبل التفاوض مع الامريكان . يكفي هذا القتل . وعليهم ان يجلسوا مع المقاومة ونحن على استعدادا لقيام افضل العلاقات مع الولايات المتحدة . " ( اللقاء الخاص مع فاضل الربيعي بقناة البغدادية 9 ديسمبر 2006 ) .

 ولقد سبق وان نقلت قناة فضائية البغدادية في 25 اكتوبر2006 حوارا آخر مع تايه عبد الكريم الوزير في حكومة صدام حسين سابقا اثبت صحة ما تريده وتعمل من اجله الادارة الامريكية حاليا بعد ان تم الحديث علنا عن طبيعة المفاوضات الجارية ما بين المسئولينن الامريكان وبالاخص خليل زلماي زادة السفير الامريكي ببغداد واللقاءات التي تمت في عمان بالاردن . ولقد اكد تايه عبد الكريم على دور المقاومة الوطنية العراقية الشريفة وشروطها في هذه المفاوضات وقال ان المقاومة العراقية والطرف الامريكي هما اللاعبان في الساحة العراقية اللذان يقرران مصير العراق واذا لم يكن هناك لقاء وحل فلن يكون هناك حل آخروحدد تايه عبد الكريم شروطه في التفاوض طالبا بانسحاب القوات متعددة الجنسيات من المدن والقصبات الى قواعدها واعلان جدول زمني للانسحاب واجراء انتخابات ديموقراطية جديدة لان الانتخابات السابقة جرت على اساس طائفي ومحاصصة وقال اننا نعتبر ان وجود القوات الاجنبية في العراق وكل من يتعاون معها امر غير شرعي . وفي رده على سؤال المحاور حول من يقتل هذا العدد الكبير يوميا من العراقيين ويقوم بالتفجيرات والاغتيالات واعمال الخطف ، رد تايه عبد الكريم قائلا ان المقاومة غير ارهابية وان كل ما يجري من سفك للدماء على ارض العراق تساهم فيه قوات الاحتلال والموساد  وبعض المخابرات التي قد تكون منها الكويت . كما انه طالب بالغاء كل ما قام به يريمر الحاكم الامريكي في العراق سابقا وكذلك الغاء الانتخابات والدستور والبرلمان العراقي . وذكر ان عودة حزب البعث الى العمل السياسي هو امر مرهون بالظروف التي ستتمخض عنها المفاوضات . وقال في الختام انا ادعو الى قيام جبهة وطنية تضم كل القوى القومية والاسلامية الوطنية وانني اعمل من اجل ذلك  . كتب جابر حبيب جابر في صحيفة الشرق الاوسط وكأنما كان قد اعد الرد على كل من الربيعي وتايه عبد الكريم  عندما قال :" عندما يستمع الى ذلك العراقي الذي يرى نتائج فعل المقاومة وفضاء الاستباحة الذي اشاعته تهتز يقينياته ويدب الشك في نفسه ويظن انهم يتحدثون عن مقاومة اخرى وضعت في مصاف المقاومات الشهيرة التي عرفها عصرنا الحديث . ولكنها تختلف عن باقي المقاومات ليس فقط في اسلوبها بل وحتى في مضمونها، اذ لا يعرف عنها تبنيها شعارات اواهداف تمثل حاجات انسانية او مجتمعية او وطنية ، فهم لا يقاتلون من اجل الحرية ولا من اجل العدالة ولا من اجل وقف الظلم ولا من اجل حقوق الانسان ولا من اجل حقوق الاوطان بكل اطيافها ، فلم يعرف في خطابهم اى اشارة  للظلم المجتمعي او لمفاهيم العدالة او الانحياز للطبقات الاكثر انسحاقا . فمفهوم الحرية عندهم اخذ بعدا آخر احاديا بان لا يحكمك من هو من غير فئتك  بعد ذلك لا يهم ان يكون ظالما . وفشلوا بل غاب عنهم قبول الاخر حتى القدرة على التعايش معه . اما المختلف الذي يقبلونه فهو الادنى درجة ، ولم يرثوا لاهوت التحرر الاسلامي النهضوي، الذي كان يقاتل الداخل المستبد بقدر الخارج الغازي ، بل انهم تحالفوا مع اكثر الانظمة قمعا وشمولية .بل وحتى مبررها الاوحد وهو اخراج المحتل بات موضع تساؤل ناهيك عن انها لم تتقدم خطوة باتجاهه بل وبعبقرية تحسد عليها جعلت من استمرار وجوده مطلبا عراقيا لغالبية القوى السياسة وعامل ضامن وتطمين لعموم الشعب من انزلاق الى فوضى شاملة . والذي يستدعي عند ذلك ان تحرص المقاومة على تنازلات سياسية استحصلتها بدمائها لا ان تعمل على تهديمها، كما يوازي ذلك حرص آخر على شعب عملت على تحريره  من محتليه لا ان تحرر الوطن من ابنائه . ثم الا تحتاج هذه المقاومة الى جردة حساب وان توازن جدوى قتل مئات الاف من العراقيين كاعراض جانبية لمقتل اقل من ثلاثة الآف جندي امريكي ؟ فبدلا من استهداف المحتل باتت تستهدف وبكثافة الحكومة واجهزتها وعندما اشتد ساعد الحكومة وقواتها تحولت هذه المقاومة الى استهداف المواطنين بغية اثارة نقمتهم على الحكومة . الا ان الحكومة بادلتها رسالة اكثر ايجابية تعبر عن عدم الاكتراث فتحولت المقاومة الى استراتيجية استثارة الشعب نفسه ودفعه للاقتتال والانتقامات المتبادلة والفوضى والحرب الاهلية .  وما جلبت المقاومة للمعاقل التي تنطلق منها  وللمكون الذي جاءت لنصرته  غير الاعتقال والقتل والتشريد والاستهداف الانتقامي على الهوية وشل الحياة والتعطل والبقاء على هامش العملية السياسية . ربما سيرد بان هذه ليست اعمال مقاومة بل ارهاب والمقاومة الشربفة لا تستهدف الا المحتل . ولكن هذا الخراب الذي عمّ البلاد وهروب ابنائه ونخبه وقفال اسواقه وشل اقتصاده وتعطيل استثماراته وعشرات الملتحقات يوميا بالامهات الثكالى والارامل والميتمين . فهذا بفعل من ؟ ثم اوليس حري بالمقاومة الشريفة عندما تلحظ ان 95 بالمئة من الاعمال باتت توجه الى العراقي ولأمنه ولماله ولعرضه ان تتوقف لكي لا تبقى الاوراق مختلطة ؟ .  ان طريق انهاء الاحتلال وانتفاء الحاجة الى قواته مرهون بتحقيق حد من الامن والاستقرار وبناء قوات الامن والجيش العراقية ، لذا فاي عمل يعطل هذا البناء لا يمكن فهمه الا في خانة اطالة عمر الاحتلال لا انهائه ، مهما سوغ المسوغون . وبين هذا وذاك نظل مشكلة العراقيين بين حكومة لا قدرة لها وبين "مقاومة" لا قلب لها . ( جابر حبيب الجابر في صحيفة الشرق الاوسط 15 اكتوبر 2006 ) .

 ومن خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدة السيد عبد العزيز الحكيم في عمان قال فيه :" لا يمكن حدوث هذه الحرب الاهلية نظرا للروابط القوية بين ابناء الشعب العراقي ولا يوجد رابح في الحرب الاهلية . وفي جامع الحسين بعمان ليوم الجمعة قال السيد الحكيم :" اننا حريصون على وحدة العراق واننا سنقف امام اية محاولة لتجزئة العراق ونحن حريصون على بناء دولة القانون . نحن نريد دولة تخدم الجميع وتعبر عن ارادتهم لا دولة شيعية تقصي الستة ولا دولة سنية تقصي الشيعة .ورفض الحكيم طلب كوفي عنان امين عام الامم المتحدة  بعقد مؤتمر دولي بشأن العراق بعد ان صرح بانه يجب اتخاذ اجراءات سريعة لمنع حدوث حرب اهلية في العراق  وعلى غرار ما حصل في يوغسلافيا عندما نجحت مثل تلك الظروف . واضاف السيد الحكيم قائلا :" ان مقترح الامين العام غير صحيح وغير قانوني وغير شرعي. الحكومة العراقية تكونت على اساس الشراكة وان نصائح قضايا تتعلق بمصيره في الخارج غير مقبولة . ان الحل في بغداد وليس في المؤتمرات خارج العراق"(النقل المباشرمن فضائيتي العراقية والاردنية في 1 ديسمبر 2006 ) . كما كذّب السيد الحكيم الاشاعة التي عمت الاوساط الاعلامية بعمان من انه صرح بانه" في حالة وقوع حرب اهلية فان السنة هم الخاسر الاكبر فيها" عندما قال :"  انا تعجبت . انا لم التق باي وسيلة اعلامية ورأسا كذبنا امس وصدر تكذيب باسم الائتلاف واليوم صدر من الديوان الملكي في عمان . وان هذا الخبر اراد افشال علاقتنا وهذه الزيارة وانكشف الموضوع وتم تطويقه . اننا ضد الحرب الاهلية ولدينا ايمان كبير ان لا تقع أي حرب اهلية ولا سمح الله ان حدث ذلك فالخاسر هو الشعب العراقي . فلا خاسر اكبر واصغر . ان هناك من يريد الفتنة داخل البلاد : . ان علينا جميعا ان نجلس ونشترك ونتحدث . لا ان يذهب الاخرون وينادون تعالوا يا عرب !" ( لقاء خاص بالسيد عبد العزيز الحكيم مع قناة فضائية العراقية 30  نوفمبر 2006 ) .

ولقد سبق وان نقلت صحيفة الحياة عن صحيفة لوس انجلس تايمز الحديث عن اعضاء في لجنة جيمس بيكر قولهم ان التفكير ينصب حاليا على خيارين يمثلان تراجعا في السياسة الامريكية في العراق ، احدهما : سحب القوات الامريكية على مراحل واشراك ايران وسورية في جهود وقف الاقتتال فيما اُضيف اقتراح ثالث يقضي بالتركيز على ضمان الاستقرار والتخلي عن هدف احلال الديموقراطية في العراق ( صحيفة الحياة 19 اكتوبر 2006 ) و ( راجع حول ما جاء عن تقرير لجنة الدراسة برئاسة بيكر- هملتون بعد صدوره في 6 ديسمبر 2006 في  "الديموقراطية بين النظرية والتطبيق" ، الفصل 3 ب 3 ) .

ولا ننسى ان هذا التقرير اثار ردود افعال كثيرة ومتضاربة  الآراء سواء في الداخل الامريكي او في العراق والدول المجاورة .ولا حاجة بنا الى تعداد ردود الافعال المتعددة والمتفاوتة حسب مصالح الاطراف المعنية ، ولكن تجدر الاشارة الى اهمها واكثرها قوة وتحديا حيث انتقد القادة الاكراد التقرير، وبالاخص رئيس الجمهورية جلال الطالباني ، عندما صرح الى احد المراسلين باللغة الانجليزية وهو في مكتبه قائلا :" ان هذا التقرير غير عادل وانه خطيرجدا ويتضمن فقرات من شأنها تقويض سيادة العراق وانني ارفض التقرير بشكل كلي لانه يتعامل مع العراق كمستعمرة امريكية صغيرة يفرض شروطه عليها ويتجاهل حقيقة كوننا بلدا سيدا ومحترما. هناك الكثير من الناس يسألون لماذا لم يتحقق الامن  والجواب هو ان ايدينا مقيدة . ان رئيس الوزراء لا يستطيع تحريك عشرة جنود من مكان لآخر دون الحصول على موافقة القوات الامريكية ".ثم اضاف قائلا:" انا ورئيس الوزراء المالكي طالبنا باستمرار تسليم المزيد من المسئووليات الامنية. واننا سنبعث برسالة حول موقف الحكومة من النقاط الرئيسية في التقرير ونذكر ان ما جاء فيه من توصيات هي بمثابة اهانة "  وهناك اخرون قالوا :" اذا لم يتم مساعدة الحكومة فان الامر سيبدو كما لو انه بعكس ما يتحدثون عن الديموقراطية ". ( النقل المباشر من قناة العراقية 8 ديسمبر 2006 ) و( صحيفة الول ستريت جورنال 19 ديسمبر 2006 ). 

 هل باستطاعتنا ان ندرك ما الذي طرأ على طبع الرئيس الطالباني الهادئ حتى يشُن هذا الهجوم العنيف على تقرير بيكر ؟ ولكن علينا ايضا ان نعرف ان التقرير اوصى في صفحة 72 بانسحاب كل القوات العاملة في العراق بحلول الربع الاول من عام 2008 تاركة وراءها من 10 الى 20 الف جندي مهمتهم تدريب ومساعدة القوات العراقية  ، أي ان التقرير تجاهل رغبة الرئيس الطالباني ، تلك الرغبة التي صرح بها الى مراسل الواشنطن بوست عندما قال :" اعتقد اننا سنحتاج الى قوات امريكية لفترة طويلة وحتى لقاعدتين عسكريتين لمنع التدخلات الاجنبية . وانا لا اطلب بوجود  100 الف جندي امريكي بل ان 10 الاف جندي وقاعدتين جويتين امر كاف وهذا سيكون في مصلحة الشعب العراقي ومصلحة السلام في الشرق الاوسط " .  (صحيفة الشرق الاوسط نقلا عن الواشنطن بوست 16 سبتمبر 2006 ) . ويعلق الكاتب جمال محمد تقي في القدس العربي في مقالة بعنوان " العملية السياسية العراقية في الانعاش " ويقول :" ان جلال الطالباني اتهم بيكر بقلة الخبرة وبيكر ردّ على الطالباني رئيس جمهورية العراق  في اقرار الحقيقة لانه لا يفكر بطريقة عراقية وانما بطريقة رئيس عشيرة كردية " ( صحيفة القدس العربي 24 ديسمير 2006 ) . 

ولنذهب الى التقرير ونرى ما جاء في باب  " الاقتصاد : قطاع النفط والسياسة النفطية " . وبعد ان يصف الوضع الاقنصادي ومعدلات عائدات النفط في الناتج المحلي وميزانية الدولة ، يقول التقرير :" ان الفقرة 108 من الدستور  تنص على ان النفط والغاز هما ملك للشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات " . كما يشير التقرير الى :" ان المادة 109  تخص واجبات الحكومة الفدرالية تجاه  ادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الموجودة حاليا " هذه المادة التي اثارت الخلاف نحوها فيما يخص ذكر المصادر" الجديدة "او "الموجودة حاليا". كما يقول التقرير :" ان قادة الاقاليم يشككون في امر هذه المادة ويرفضون هذا الاقتراح مؤكدين على حقوق الادارات المحلية في اطلاق يدها المباشرة على العائدات النفطية وبالاخص القادة الاكراد الذين تهجموا عليها زاعمين ان لهم الحق في السيطرة المستقلة على موجودات النفط التي لديهم و التوقيع على عقود الاستثمارات مع شركات النفط الاجنبية في شمال العراق " ( راجع تقرير لجنة بيكر –هاميلتون المنشور على الانترنت ) . ومثلما كتبت صحيفة الفيغارو الفرنسية تحت عنوان ."  تقرير بيكر الذي اغضب الاكراد العراقيين " عندما  قالت :" ان مسعود برازاني انتقد " الصديق الامريكي"  بانه لم يرغب بالاستماع اليه . وان لجنة بيكر لم تقم بزيارة الاقليم واخذ اراء المسئوولين فيه . كما ان التقرير تجنب الحديث في الواقع عن قضية الحقوق السياسية للاكراد وانه متشدد وعلى نحو خاص بشأن المشاريع الكردية المتعلقة بضم قطاع النفط في كركوك" . واضاف برزاني القول :" ان أي تاخير ستكون له عواقب وخيمة وسوف لن يُقبل من قبل شعب كردستان . وبما ان التقرير اكد على ان عائدات النفط وتوزيعها هو بيد الحكومة المركزية في بغداد واذا ما طبقت هذه التوصيات مع غيرها التي لا تسمح للسلطات الكردية بالسيطرة على الموجودات النفطية غير المستغلة التي سيتم اكتشافها، فانها ستكون بمثابة النهاية لامتيازات كردستان " وتضيف الصحيفة قائلة :" ان مثل هذه القضايا تقع في قلب المسائل المختلف عليها ما بين بغداد وحكومة كردستان  . اضف الى كل ذلك ، ان الاكراد انتقدوا لجنة بيكر التي رأت وضع كافة القوات الامنية تحت سيطرة الحكومة  الامر الذي سوف يمنع القوات الكردية من حماية الحدود الخارجية لاقليم كردستان كما انه يعني حل قوات البيشمركة الكردية "  (تيري اوبيرله في صحيفة الفيغارو الفرنسية  10 ديسمبر 2006 ), (صحيفة الزمان 16 ديسمبر 2006  ) .

ويعلق الكاتب فاضل الربيعي على نفس الموضوع في صحيفة الجزيرة تحت عنوان " الاكراد الغاضبون " قائلا :" يمكن تحديد جوهر المشكلة انطلاقا من الحدث الراهن ، نعني صدور تقرير بيكر-هاملتون . فكيف فهم الاكراد التقرير؟ ولماذا هم غاضبون على صديقهم العجوز بيكر ؟ سوف أُلخص لكم النقد للتقرير في نقطتين ،الاولى "انه سئ وغامض بعض الشئ" لاته شطب تقريبا الحلم الفدرالي... عندما شدد واضعوا التقرير على وحدة العراق ومنع تقسيمه الى فيدراليات . أي العودة الى فكرة الاهتمام بالمركز مرة اخرى . والثانية "انه الاكثر سوءا بين كل التقارير والمواقف الامريكية التقليدية من القضية الكردية" ، لانه شطب والى الابد حلمنا ، القدس الكردية ( كركوك ) وذلك حين دعا الى حماية كركوك النموذج للتعايش التاريخي بين القوميات وبالتالي حرمان الحزبين الكرديين من الاقتراب من الكنز النفطي . ان ما لم يفهمه ويصدقه الاكراد في التقرير ..هو ان الولايات المتحدة الامريكية تدعوهم اليوم الى ادراك حقيقة ان الوظيفة التاريخية لسلاحهم وقضيتهم قد انتهت الى الابد .ليس ثمة بعد الان صدام حسين يمكن ان يشكل وجوده حافزا لدعم الاكراد ..ان المشكلة انهم ما زالوا يعتقدون بخلاف الواقع ان قضيتهم مقدسة وازلية ، وان سلاحهم مقدس وازلي وان لديهم مهمة لم تنته بعد . بينما يقول التقرير للشيعة : ها قد ساعدناكم "في تدمير دولة الاقلية السنية " ولكن ما سوف تحصلون عليه في النهاية من حطام هذه الدولة ليس بكل تاكيد " دولة الاكثرية الشيعية" "وليس فدرالية أل البيت "بل امتياز الاكثرية وحسب، أي رمزية الحق في تاليف حكومة عبر صناديق الاقتراع . اما الفدرالية فمن الافضل نسيان امرها لصالح العيش مع الاخرين . وفي هذه اللحظة من التاريخ العسكري الامريكي ، وحيث ينشغل الجميع بمسألة اخراج المارد العالق داخل عنق الزجاجة ، فان كل ما يعد به التقرير هو وضع القضية الكردية الان على الرف بانتظار تدابير شاملة تخص الوضع العراقي " ( فاضل الربيعي في صحيفة الجزيرة 7 يناير 2007 ) .

وفي حوار مع البروفسور مايكل غانتر استاذ العلوم السياسية في جامعة تنيسي الامريكية بقناة فضائية الجزيرة نستطيع ان نفهم كيف تلعب المصالح الامريكية الدور الكبير في علاقاتها مع الاطراف المعنية بالمنطقة عندما صرح قائلا :" اننا نتذكر كيف قررت الولايات المتحدة التوقف عن تقديم الدعم للاكراد عندما قطع شاه ايران دعمه لهم بعد التوقيع على اتفاق الجزائر مع  العراق عام 1975 بناء على المصالح الامريكية في حينه . وقد تعلم الاكراد من هذا الدرس ان لا يعتمدوا على الدعم الامريكي واصبحوا اكثر تفهما ودبلوماسية . الاتجاه اليوم يعتبر الاكراد عنصرا صغيرا من الوضع العام في المنطقة وان مصالح الاكراد قد لا تتفق ومصالح الولايات المتحدة الامريكية وعليهم ان لا يطلبوا الكثير وان يتوافقوا مع جيرانهم " (مراسل قناة فضائية الجزيرة فقرا  في حوار مع مايكل غونتر 8 يناير 2007 ) .

وبعد كل هذا ، اذا ما جاز لنا ان نتساءل بامانة ، هل يصبح التقرير حقا  بمثابة اهانة او تقويض لسيادة العراق وانه يتعامل مع العراق كمستعمرة امريكية في الوقت الذي يطالب فيه رئيس الجمهورية جلال الطالباني بوجوب اقامة قواعد عسكرية وبقاء العدد الكافي من القوات الاجنبية على اراضيه ؟ انها مفارقات غريبة تصدر من مسئوول عراقي في اعلى درجات السلطة بالدولة !

وبعد ان ظلت الانظار متجهة صوب عقد مؤتمر القوى والاحزاب السياسية للمصالحة الوطنية الذي تأجل لاكثر من مرة ، أُفتتح المؤتمر في 16 ديسمبر 2006 الذي تُليت فيه بالنيابة كلمة رئيس الجمهورية جلال الطالباني الذي غاب بسبب وعكة صحية ، بالاضافة الى كلمات رؤساء الكتل السياسة بعد ان القى رئيس الوزراء نوري المالكي كلمته التي كانت بمثابة برنامج عمل كبير ومتكامل لحكومته عندما قال :" شكل هذا المؤتمر استمرار الشعب العراقي في تحديه وأمله وايمانه في وضع حد لانهار الدماء في العراق واقامة عراق على اساس قاعدة الوحدة الوطنية وليس على اساس المجموعات الطائفية . ان المصالحة الوطنية هي خشبة الانقاذ للوصول الى الامن والازدهار . وانني  اجدد الالتزام بالسيطرة على المليشيات والمسلحين واتخاذ موقف حازم تجاه المنظمات الارهابية وبلورة موقف وطني ضد الارهاب والصداميين لوضع حد للعنف في البلاد " وبعد ان تحدث المالكي عن مشروع قانون النفط الجديد وتوزيع الثروات على المواطنين وكذلك مشروع الاسكان لحل مشكلة السكن في البلاد و العمل على انجاز العهد الدولي مع الامم المتحدة والدول ذات العلاقة  ، تطرق الى موضوع البعثيين عندما قال :" علينا ان نفرق بين من لم تُطخ اياديهم بدم العراقيين " وكذلك الى افراد الجيش السابق وضمهم الى القوى العسكرية الحالية وصرف رواتب للذين سوف لم يتم دمجهم  . كما اعلن المالكي عن نيته في اجراء تعديل وزاري والاتفاق مع القوات المتعددة الجنسيات على نقل ملفات الامن الى الحكومة الوطنية. ولم ينس دول الجوار العربية التي رأى ارسال وفود اليها والدعوة الى مؤتمر اقليمي للوقوف ضد الارهاب وانجاح مؤتمر المصالحة الوطنية . وقال في ختام كلمته :" لابد لنا ان نستذكر جميع الشهداء والمضحين  في سبيل بلدنا العزيز وان نقف وقفة اجلال لهم . ويبقى العراق بيتنا العزيز الذي يضمنا جميعا . وان الولاء يجب ان يكون للعراق وليس لطائفة او حزب " .

نعم انه برنامج يبعث على الامل والتفاؤل ولكن يبقى الانسان العراقي متطلعا الى النتائج الايجابية والفعلية على ارض الواقع بعد ان بات اسير اليأس والحيرة والضياع وعدم الثقة باكثر المسئوولين بالدولة . ومن هنا فاننا ندرك لماذا وصف سليم عبد الله عن جبهة التوافق العراقية المؤتمر بانه خط الدفاع الاخير في مواجهة الوضع الحالي في البلاد واعتبر ان المؤتمر فرصة للسياسيين لوضع كل ما لديهم من اجل اثبات قدراتهم على حل المشكلات الامنية والانتهاء من الخلافات الموجودة .

شاركت في هذا المؤتمر الاحزاب السياسية والشخصيات العراقية وشيوخ القبائل ورجال الدين من كل الاطياف ومنظمات وشخصيات معارضة للعملية السياسية من بينهم بعثيون وفدوا من خارج العراق في الوقت الذي قاطع حضور المؤتمر كل من هيئة علماء المسلمين وجبهة الحوار الوطني والتيار الصدري لاسباب تتعلق بالاحتجاج على وجود الاحتلال اوحضور البعثيين هذا المؤتمر .

وبعد ان القى العديد من رؤساء الاحزاب والكتل البرلمانية كلماتهم في اليوم الاول للمؤتمر ،  انصرفت اللجان الاربع التي شُكلت لدراسة ما اختصت به من اعمال في اليوم الثاني والاخير للمؤتمر ، مثل لجنة التوازن حول دخول احزاب جديدة والاهتمام بالشخصيات الوطنية ولجنة الجيش برئاسة نجيب الصالحي " القائد العراقي الذي شارك في غزو صدام حسين للكويت عام 1990 وصاحب كتاب الزلزال ( راجع التمهيد ) " ، حول دعوة منتسبي الجيش العراقي المنحل للعودة والمساهمة بمسيرة الامن والاعمار ودعم الوطن وشمول من لا يرغب منهم بالتقاعد وضرورة فتح صفحة جديدة في العلاقات بين ابناء العراق وكذلك الدعوة الى حظر  تشكيل المليشيات المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة . ولجنة الدستور حول اعادة النظر في مواد الدستور وخاصة المادة 7 بشأن التعامل مع حزب البعث المحظور وتنظيم هيئة اجتثاث البعث والعمل على توسيع الثقافة الدستورية وكذلك لجنة السيادة حول وضع جدول زمني لانسحاب القوات الاجنبية على ان يكون متوافقا وتطور القوات الامنية العراقية مع النظر في موضوع حل المليشيات .

 وعند الانتهاء من اعمالها قامت اللجان بوضع توصياتها وتقديمها الى مجلس النواب ليجري التصويت عليها واقرارها .كما أُعلن عن تشكيل تكتل جديد في اطار سياسي يضم القوى الرئيسية طابعه التخطيط لدعم الحكومة وان تكون ابوابه مفتوحة للجميع من اجل تشكيل جبهة برلمانية عريضة غير خاضعة للتوجهات الطائفية والقومية تمكن من تقريب وجهات النظر فيما بينها في اطار من المصارحة والثقة المتبادلة .

ولقد صرح اكرم الحكيم رئيس الهيئة العامة للمصالحة الوطنية ووزير الدولة لشئوون الحوار الوطني في كلمته عند افتتاح المؤتمر بهذا الخصوص قائلا :" انني اشعر بالمسئوولية الكبيرة وخاصة عندما يكون الحديث في مثل هذه المرحلة الخطيرة  التي يمر بها العراق . ان الاجنماع فرصة كبيرة . لقد وجهنا الدعوة الى جميع الاطياف العراقية واهتممنا بمن هم خارج العملية السياسية . ولا اخفي سرا اذا قلنا اننا وجدنا استجابة من خارج العملية السياسية خلافا للدعاية ضد ذلك . لابد من بناء كتلة سياسية موحدة لدعم الحكومة وقراراتها والدستور وعدم الخضوع لاي ابتزاز ارهابي او حزبي.  وانا أأمل صدور بيان يسمى ببيان المصالحة الوطنية  . وان الجميع بحاجة الى عقد جديد للعيش فيما بينهم".

ووسط تفاؤل كبير اختتم المؤتمر اعماله للخروج بتصورات مشتركة لدعم العملية السياسية من خلال اعتماد مبدأ الحوار فيما بين مكونات الشعب العراقي والاحتكام الى الثوابت الديموقراطية لبناء عقد اجتماعي يتفاعل مع الدستور  . ولم ينس المرجع الشيعي السيد السيستاني  دعمه للمؤتمر عندما نقل مندوبون من مكتبه ما جاء في بيانه بالقول :" انني واثق انكم ستنجحون باذن الله . لانكم حريصون على مصلحة الوطن . ان البلاد بحاجة الى هبّة حقيقية لمواجهة الارهاب والفكر المتشدد لمجموعة غير واعية لحقيقة الاسلام . ان المصلحة الوطنية مبدأ انساني واسلامي ووطني . وان من لايؤيدها لا يحق له ان يتحدث باسم الاسلام والوطن " ( النقل المباشر للمؤتمر من قناة تلفزيون العراقية 16 ديسمبر 2006 ) .

لكن خطباء المساجد في يوم الجمعة المصادف 22 ديسمبر2006  توجهوا بالنقد اللاذع وشنوا حملات عنيفة على الحكومة بسبب تداعيات الانهيار الامني في عموم البلاد وخاصة عبد المهدي الكربلائي الذي انتقد سفر اكثر من مئة عضو في المجلس النيابي بالاضافة الى اعداد كبيرة من رجال الدولة الاخرين الى الاراضي المقدسة لاداء فريضة الحج مرة واحدة. وقال انها مسئوولية دينية ووطنية وامانة في اعناقهم ان يتركوا المجلس اشبه بجهاز مشلول لا يستطيع اتخاذ القرارات . كما انتقد خطباء آخرون هؤلاء النواب والمسئوولين الاخرين ساخرين قائلين:" يبدوا ان السادة قد اطمأنوا الى استقرار الامن وتحسن الاوضاع وتركوا البلاد عندما لم يجدوا هناك ما سوف يقلقون عليه" .

وما ان انتهى المؤتمر حتى واصلت حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي تحديها في تنفيذ برنامجها بالعمل على وضع الخطط الجديدة بشأن الامن والاستقرار وخاصة في العاصمة بغداد والاستعداد لاستلام الملفات الامنية من قوات الاحتلال وتطوير العملية السياسية والنظر الى دور دول الجوار في دعم الامن ومكافحة الارهاب بالعراق في استراتيجية جديدة يتم العمل بها اعتبارا من بداية العام الجديد 2007 .

وفي مثل هذا الوقت بالذات زار العراق العديد من الشخصيات مثل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الذي اجتمع بالمسئوولين العراقيين وتباحث معهم حول الوضع الامني وتطور العملية السياسية وقدم دعم حكومته لمسيرة الديموقراطية . وذكر بلير ان التحديات التي يواجهها العراق كبيرة ولكن لدينا التصميم على مواصلة دعمنا للمسيرة الديموقراطية في العراق والمحافظة عليها . كما زار العراق وفد الكونغرس الامريكي الذي كان من بين اعضائه السناتور جون كيري مرشح الرئاسة الامريكية السابق الذي اكد على دعم الحزبين الجمهوري والديموقراطي في امريكا للعملية السياسية في العراق والتوصل الى حل سياسي يرضي جميع العراقيين . وما ان انهى دونالد رامزفيلد وزير الدفاع الامريكي المستقيل زيارته المفاجئة الى بغداد ، حتى وصل اليها روبرت غيتس وزير الدفاع الجديد ليجتمع مع المسئوولين العراقيين ويقدم الدعم الى حكومة الوحدة الوطنية وليخرج باتفاق معها على استراتيجية مشتركة واسعة لاحلال الامن في بغداد وليعود الى واشنطن ناقلا تقريره عن هذه الزيارة الى الرئيس بوش الذي استلمه في مقر اقامته بكامب ديفيد من اجل اعداد خطابه الذي سيلقيه الى الامة في بداية العام الجديد 2007  .

وبعد ان صدرت احكام محكمة الجنايات العراقية الكبرى ببغداد برئاسة القاضي رؤوف عبد الرحمن بالاعدام شنقا حتى الموت على المتهمين  بمجزرة الدجيل يوم الخامس من نوفمبر 2006 ،وهم كل من صدام حسين وبرزان التكريتي وعواد البندر وبالحكم المؤيد على طه ياسين رمضان ، اخرج القاضي رئيس المحكمة المحامي رمزي كلارك من قاعة المحكمة بعد ان قدم مذكرة رأى فيها القاضي اهانة للشعب العراقي . وبعد صدور الاحكام وانتشار الخبر في الشارع العراقي ، قامت مظاهرات من جموع احتفلت بهذا الخبر بينما نددت جموع اخري فيه في  اطراف معروفة من العراق . كما اغتنم رئيس الوزراء نوري المالكي المناسبة ووجه كلمة الى العراقيين قال فيها :" نزفُ للشعب العراقي هذا الحكم التاريخي الذي يُعد انصافا لضحايا عوائل الدجيل ونهاية لمرحلة سوداء وانني اناشد الجميع للاستجابة لمبادرة المصالحة " . اما السيد عبد العزيز الحكيم فقد صرح قائلا ايضا :" نبارك لكل الشعب العراقي وبالخصوص امهات وابناء واخوات الشهداء . الشعب العراقي هو شعب الشهداء . ونبارك لكل الشهداء العراقيين هذا الانجاز الكبير بحكم الاعدام على هذا المجرم والحمد لله صدر هذا الحكم . واننا نتوجه الى الله تعالى بالشكر لانه مكن العراقيين بهذه المحكمة  من اصدر الحكم العادل بحقه وان هذا اليوم يجب ان يكون منطلقا لوحدة اعراقيين  وان مصير صدام يجب ان يكون درسا لجميع الطغاة " .

 اما غسان العطية فراح الى ابعد من ذلك عندما قال :" ظاهرة صدام حسين جزء من مأساة العراق ويتحمل صدام حسين الجزء الكبير منها . علينا ان نوقف حملة الدم وكان املي الوصول الى حلول وسط . الدرس واضح اخطاء صدام حسين كثيرة . كنت أمل ان يؤجل صدور الحكم شهر او شهرين حتى يُعطى مجال للحوار والمصالحة  . لقد دخلنا في مأزق كبير . اننا لا نريد ان ننزلق في مرحلة حرب اهلية . وعلى الحكومة ان توقف او تعلق هذا الحكم ."

 وعلق ارشد توفيق وهو سفير عراقي سابق قائلا :" على البعثيين نقد تجربتهم . وعليهم ان لا تاخذهم العزة بالاثم . وان يعرفوا ان قائدهم استولى على شئوون العراق وسخرها في سبيل العائلة وما عليهم الا اعادة النظر ونقد تجربتهم وان يحاسبوا على اخطاء صدام حسين بعد ان زجّ العراق في حماقات وحروب لا طائل منها . ان صدام استغل الحزب والبعثيين انفسهم وقد خدعهم . فهذا النفر القليل المخدوع بقائدهم الذي كان مسئوولا عن الخراب الذي نحن فيه وجلب الاحتلال ، عليهم ان يعيدوا النظر في ولائهم وقيادة حزبهم " ( قناة فضائية البغدادية في برنامج العراق الى اين) و( فضاءيات الشرقية والعربية في 5 ديسمبر2006 ) . 

 وبعد 55 يوما من صدور احكام محكمة الجنايات الكبرى في قضية الدجيل ، ومرور 30 يوما على قرار محكمة التمييز الذي صادق على الحكم ، نُفذ حكم الاعدام شنقا حتى الموت بصدام حسين وليس باطلاق النار عليه كما كان يتمنى باعتباره عسكريا وذلك فجر يوم السبت الموافق 30 ديسمبر 2006 الموافق لليوم الاول من عيد الاضحى للعام 1427 للهجرة .

وتناقلت مختلف الفضائيات العربية والاجنبية هذه الاخبار مع نشر صور الاعدام على شاشاتها طوال هذا اليوم واليوم اللاحق . وبالاخص صور المظاهرات التي خرجت في تكريت التي نددت بالاعدام . اما عن الاحكام الخاصة برفاق صدام ، فقد تم تأجيل تنفيذ الحكم بحقهم الى ما بعد ايام العيد . وتباينت ردود الافعال من مختلف الاوساط العربية والدولية بين مؤيد ومتأسف على سرعة تطبيق الحكم وتوقيته . فالرئيس بوش صرح بان تنفيذ الحكم بصدام حسين هو حدث بارز على طريق الديموقراطية وقال ان الحدث سوف لن يُنهي العنف بالعراق ولكنه حدث مهم في تاريخه . اما الرئيس الليبي معمر القذافي فقد اعلن الحداد في البلاد لمدة ثلاثة ايام مع الغاء مظاهر الفرح ايام العيد كما لو ان كارثة كبرى حلت بالجماهيرية العظمى بالاضافة الى اعلانه عن اقامة تمثال لصدام حسين .واستهجنت واستغربت السعودية من تطبيق حكم الاعدام في غرة عيد الاضحى . وتأسفت مصر العربية تطبيق حكم الاعدام في اول ايام العيد واقامت بعض الكتل مجالس العزاء فيها مثلما اقامها اخوتنا الفلسطينيون ايضا . كما شاركت رغد ابنة صدام حسين الكبرى في اعتصام امام مبنى نقابة المهن العمالية في عمان بالاردن .لكن ايران قالت ان الاعدام جاء انتصارا للشعب العراقي . والفاتيكان اعتبره عملا مأساويا. والخارجية البريطانية قالت ان صدام دفع ثمن جرائمه . ولقد اذاعت قناة فضائية العراقية خبر تنفيذ الاعدام فجر هذا اليوم وبثت صوره بعد ساعات قليلة منه . وتم نقل الجثمان الى مسقط رأسه في قرية العوجة لدفنه بعد اجراء المراسيم المعتادة والصلاة عليه ملفوفا بالعلم العراقي من قبل ابناء عشيرته الذين اقاموا مجالس الفاتحة رغم الملابسات التي جرت اثناء تنفيذ حكم اعدامه .

لكنه خاب ظن الخبير القانوني بديع عارف محامي الدفاع عن طارق عزيز الذي قال قبل يوم واحد من تاريخ شتق صدام حسين بان الاعدام سوف لن يُنفذ وسوف يستعملون ورقته كورقة مساومة للضغط على المقاومة من اجل التفاوض ( بديع عارف من قناة فضائية العربية 29 ديسمبر 2006 و النقل المباشرلبيان المالكي من قناة فضائية العراقية في 30 ديسمبر 2006 ).

وبمناسبة اعدام صدام حسين قال مثال الالوسي:" لقد سُدت الابواب على ضعفاء النفوس . لقد انتهوا الى لا عودة . وسُد الطريق امام البعثيين  للعودة الى حكم  البعث الفاشي في عام 1963 و1968 وسنوات اخرى. البعثيون يريدون اثارة الفتنة واغتيال العملية السياسية  بعد ان خسروا كل شئ وبدأوا يحتالون لانهم لم يجدوا غير الحيلة والمتاجرة .ان عليهم ان يستمعوا الى البيان الذي وجهه المالكي الى البعثيين الشرفاء للدخول في العملية السياسية من اجل المساهمة الحقيقية في طي صفحة مؤلمة من تاريخ العراق . هناك فرق بين البعثيين والصداميين . فالصداميون اليوم انتهوا . ويجب عليهم ان يدركوا ما يرمون اليه من خلق جزائر جديدة .اننا سنغير من اسطورة المليون شهيد "( مثال الالوسي امين عام حزب الامة في قناة البغداداية 31 ديسمبر 2006).   

ولم يصمت مؤيدو صدام حسين واتباعه من حزب البعث وعشيرته الذين بايعوا عزت ابراهيم الدوري الشخص الثاني في مجلس قيادة الثورة في السلطة السابقة بالعراق والمطلوب للقوات الامريكية المحتلة التي رصدت مبلغ عشرة ملايين دولار لمن يدل على مكانه .وقالوا انهم سيقودون المعركة لتحرير العراق المحتل من الغزو الامريكي البريطاني و الايراني والمجرمين الاشرار والصهاينة والفرس الجدد لاستعادة وحدة العراق ( صحيفة الحياة 1 يناير 2007 ) .

اما رئيس الوزراء نوري المالكي فقد اعلن في بيان وجهه الى البعثيين الشرفاء هذا اليوم قائلا:" ان اعدام صدام انهى جميع المراهنات " وطلب منهم طي صفحة مؤلمة من تاريخ العراق والانخراط في العملية السياسية من اجل المساهمة الحقيقية في بناء العراق . وبالاضافة الى مشهد تنفيذ الاعدام الذي صور بشكل رسمي ، ظهر هناك مشهد آخر صُور بشكل  خفي من جهاز خلوي نقال وصل الى اجهزة الانترنيت في كافة انحاء العالم ، اظهر ان المشرفين على الاعدام كانوا على عجل من امرهم ودون مستوى الخبرة المطلوبة او المسئوولية وعلى نحو غير موفق لما صدر منهم من هتافات غير ملائمة . وعلى اثر انتشار هذه  الصور التي صُورت بشكل خفي ، دعى رئيس الوزراء نوري الماكي الى فتح تحقيق حول تسريب هذه الصور لان  ما جرى يُدلّل على مدى تعثر سير عملية الاعدام التي وللأسف الشديد قد تنعكس سلبا على عملية المصالحة الوطنية وعلى حكومته . وان ما صرح به المالكي بالقول :" انني لا ارغب في تجديد ترشيحي لرئاسة الوزراء للفترة المقبلة وانني لم ارغب بقبول هذا المنصب الا لخدمة وطني وانني ارغب بالتخلي عنه حتى قبل انتهاء المدة " ما هو الا الدليل على الظروف الحرجة وضخامة حجم التحديات التي  يمر بها هذا الرجل الذي نذر نفسه لخدمة العراق . وبمناسبة الذكرى 86 لتاسيس الجيش العراقي القى رئيس الوزراء نوري المالكي كلمة ندد فيها بعنف حول ما صرحت به بعض وسائل الاعلام والحكومات العربية قال فيها :"  اننا نرفض وندين ردود الفعل تلك سواء الرسمية منها او التي جاءت من وسائل الاعلام من بعض الحكومات . واننا نؤكد بان الحكومة العراقية قد تضطر لاعادة النظر في علاقاتنا مع كافة الدول التي لم تحترم ارادة الشعب العراقي طبقا للمبدأ العام وعلى اساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل . اننا نستغرب ردود الفعل لتلك الحكومات التي تاسف لما حدث للطاغية بحجة ان اعدامه في اول ايام العيد كان ينتهك مثل هذه الاعياد . اننا نعتبر ذلك تحريضا للفتنة وتدخلا في الشأن العراقي الداخلي واهانة صارخة لعوائل الشهداء . ان قرار اعدام الطاغية صدام لم يكن قرارا سياسيا كما يدعيه اعداء الشعب العراقي ولكن هذا القرار جاء على اساس محاكمة عادلة  لا يستحقها مثل ذلك الدكتاتور" ( قناة  الفضائية العراقية 6 يناير 2007 ) و(صحيفة اللوموند الفرنسية 4 و6 يناير 2007 ) .

ومثلما توقع الكثيرون ، لم تمر الحادثة بسلام حيث تم تفجير عدد من السيارات المفخخة في بغداد والمدن الاخرى راح ضحيتها العديد من الابرياء . وخرجت الجماهير في مظاهرات مؤيدة للحدث . كما خرجت جموع في الرمادي وتكريت مستنكرة تطبيق حكم الاعدام .واخيرا لا يسعنا الا ان نردد قوله تعالى : "ولكم في القصاص حياة يا اؤلي الالباب لعلكم تعقلون (قناة الفضائية العراقية والشرقية والعربية والجزيرة والس ان ان الامريكية والعديد من القنوات الاخرى( 29 و30 ديسمبر 2006 ) .

وفي هجوم عنيف شنه عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي من لندن تجني فيه على الشعب العراقي جاء فيه :" أشعر بالحزن والاسى ونحن نرى زعيما عربيا يقترب من حبل المشنقة . الفارس الذي قاوم الغزاة . الزعيم القوي الوحيد الذي اطلق 40 صاروخا على تل ابيب ووقف الى جانب المقاومة الفلسطينية واليوم يرقص الصفويون فرحا لاعدامه . صدام حسين يترك العراق وقد تحول الى مقبر جماعية . اعدام صدام لن يحل مشكلة العراق . صدام حسين سيدخل التاريخ على انه آخر رئيس للعراق الموحد . فبعده سيأتي عراق آخر مختلف منزوع الكرامة والعزة منهوب الثروات من قبل الشعوبيين والصفويين ومن يدعمهم . انها نهاية مرحلة مشرفة مشرقة وبداية مرحلة قاتمة مظلمة ونامل ان نكون مخطئين " عبد الباري عطوان في القدس العربي 30 ديسمبر 2006 )

عبد الباري عطوان لم يعبر هنا عن الحزن والأسى باي كلمة عن الكوارث والمجازر والجرائم او الظلم والمآسي التي حلت بالشعب العراقي والشعوب المجاورة للعراق والانسانية اثناء حكم "الزعيم القوي الوحيد" . اليس من واجبات الكاتب والصحافي ان يكون امينا وموضوعيا وعادلا على الاقل ؟ . اننا ندرك مدى الفاجعة التي اصابت عطوان والمصاب الجلل والخسارة الفادحة التي حلت به وبامثاله بعد سقوط النظام ، حينما فقد الاحساس بالتمييز بين الحق والباطل وتشوشت الرؤيا لحقائق الامور امامه ولم يعرف متى ومن يهاجم وكيف يحزن ، لان انسانا يعيش الاجواء الضبابية القاسية في لندن هذه الايام لا يمكنه ان يتمتع بصفاء الرؤيا على الاطلاق رغم تمتعه بديموقراطية الانجليز واستغلالها الى ابعد الحدود . العراق سيبدأ المرحلة المشرّفة المُشرقة الجديدة من تاريخه انشاء الله ولن تُنزع كرامة الشعب العراقي ولا عزته . وان ثرواته ستكون لجميع ابنائه وليس كما كانت نهبا للحاكم واهله واعوانه وعملائه والمنتفعين اصحاب كوبونات النفط المنتشرين في ارجاء الارض مهما طال الانتظار والزمن .

وكتب جيم هوغلاند في صحيفة الشرق الاوسط يقول :" العراقيون اعدموا صدام حسين بطريقة جعلت الدكتاتور السادي يبدو وكانه شخص نبيل مقارنة بمستوى سلوكهم المنحط في تلك اللحظة . يمكن القول ان سوء ادارة الاعدام تحمل رسالة واضحة للرئيس بوش ، عليه ان يستوعبها قبل القاء خطابه الحاسم حول العراق والرسالة هي : اذا كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي واعوانه لا يستطيعون التحكم في غرفة الاعدام التي تحتوي على 20 شخصا ، فكيف يمكن ان ياملوا في ادارة بلد يمر في طور التفكك تحت ثقل الاحقاد الطائفية والاثنية ؟ "  ( جيم هوغلاند في صحيفة الشرق الاوسط 6 يناير 2007 ) .

وبينما كنت اشاهد صور الاعدام على الانترنت واستمع الى الضجة والفوضى التي صاحبت تلك اللحظات الرهيبة ، خطر على بالي قصة الانقلاب البعثي المدعوم من قبل المخابرات المركزية الامريكية في حركة 8 فبراير 1963 ضد حكم عبد الكريم قاسم عندما قادوه الى مبنى دار الاذاعة في الصالحية ،  وكيف نفذ الرفاق حكم الاعدام فيه في شهر رمضان بعد اهانته وهو في بزته العسكرية وطلعته البهية الانيقة في محاكمة صورية فيما بينهم ، ولربما بقرار امريكي ايضا كما قال حسن العلوي بشأن اعدام صدام . ولم يُسمح لاهل عبد الكريم قاسم بعد اعدامه ونشر صورته في التلفزيون ، بتشييع جثمانه اوالصلاة عليه او اقامة مجالس العزاء او دفنه من قبل عشيرته او الخروج في مظاهرات احتجاج تحمل صوره وتندد باعدامه من قبل محبي شعبه ، بل احتار الرفاق باختيار المكان المناسب لدفنه سرا ولم يجدوا اخيرا ، مثلما تناقلته الاخبار، غير مياه دجلة التي رُمي فيها جثمانه بعد لفه في كيس ربما لم يحصلوا عليه بسهولة. كما اننا لا ننسى كيف كان يُعدم العراقيون المعارضون لحكم صدام حسين او المشتبه بهم وكيف كان يُطلب من اهلهم دفع ثمن الرصاصات التي أُعدم بها ابناؤهم دون حتى اعادة جثثهم الى عوائلهم . يا لهول الفارق ما بين الاعدامين .  ( لن انسى ما قصه عليّ زميل الدراسة في دار المعلمين العالية اثناء لقائي الاخير معه في يونيو عام 1990 ببغداد من مذكراته اثناء فترة عمله مع حزب البعث، وخاصة مشهد الدقائق التي جرى فيها تنفيذ اعدام عبد الكريم قاسم بدار الاذاعة في الصالحية التي كان شاهدا عليها .وكيف انفجر فجأة ، وهو يحدثني، وكاد ان ينهار لحظة الوصول في كلامه الى اطلاق النار على عبد الكريم قاسم وهو يضرب بيده بقوة على الطاولة التي امامه ويصرخ متشنجا ومكررا : أهذا الذي قتلناه ! أهذا الذي قتلناه ! . لقد اذهلني وادهشتي هذا الموقف الغريب من نوعه في حياتي . ولكنني كنت اقدر انه كان بمثابة صحوة الضمير المعذب والاحساس بالذنب في الجريمة الوحشية التي لا تغتفر عند وقوعها امام عينيه .

تحدث المفكر العراقي المعروف حسن العلوي في اتصال تلفوني طويل من مقره في دمشق مع محمد الهاشمي في قناة المستقلة  بلندن حول اعدام صدام جاء فيه :" اما عن اعدام صدام حسين في اول ايام عيد الاضحي فذلك لاننا معتادون على ذلك ولم يفكر في ذلك احد في العراق . ان اشهر الحرم مستباحة . يستبيحها الشيعي والسني والبعثي . قُتل عبد الكريم قاسم في 14 رمضان وهو نفسه اعدم 20 ضابطا في أُم الطبول في شهر رمضان. وصدام حسين اعدم 21 من اعضاء القيادة القطرية في 8/8 /1979 وفي شهر رمضان ايضا . ولكن الان نسأل كيف يتم ذلك من قبل اسلاميين ؟ صدام محظوظ ان ينتهي مصيره هكذا بدون خوف . وضع شئ من الكريما على شعره وحلق ذقنه وتعطّر ورفض ان تُشد عيناه تماما مثلما فعل عبد الكريم قاسم . اما عن الموقف العربي من الاعدام  فانه عند الجانب العراقي ضعيف. عبد الكريم قاسم كان يحبه الشعب وكان الجيش يؤيده ولكن عندما وقف الشعب العربي ضده ، سقط عبد الكريم قاسم . ان اخطر ما تواجهه الحكومة الحالية في العراق هو اعدام صدام حسين والموقف العربي من هذا الاعدام . لان العرب لم يروا صدام وهو يعدم محمد باقر الصدر . أُعدم صدام السني وليس الدكتاتور. العرب سُنة لا يهمهم من يُعدم من الاكراد. السياسة العراقية يجب ان تاخذ بهذا النظر لانها حكومة شيعية . ومن هنا اقول ليس لها مستقبل . هذا العنف السياسي الموجود ليس له علاقة بالشيعة  ان اعدام صدام ليس بقرار صفوي وانما بقرار امريكي قانوني وسياسي.استخدام المصطلح الصفوي هو مشروع تعجيم الشيعة . الصفوية هي قتل الاخر . أي السني يقتل الشيعي صفويا والشيعي يفتل السني صفويا . لو تأخر اعدام صدام حسين كان من الممكن ان يُحرج امريكا . كان بامكان صدام حسين ان يقاتل من قفص الاتهام . وكان ممكن ان يُسقط بوش. ولا ادري لماذا لم يتكلم . ولهذا استعجلوا بقتله . الدكتاتور انتهى واعدامه كله شيعي وبحضور العديد من الاشخاص المسئولين الشيعة أي بحفلة شيعية لاعدام صدام . هذا المنظر دمر الشيعة . موفق الربيعي يجب ان يُحاكم من قبل البرلمان . يجب ان نقول اننا اخطأنا . هو مسئوول عن هذا الاهمال . والصور هو الذي صورها والكاميرة له . من إذن قام بهذا العمل ؟ أُمي صورته ؟ انا ادافع عن الشعب . هذا تدمير لسمعة  الشيعة . سيأتي يوم لن يستطيع فيه الشيعي ان يغادر بلده . هذا دمار لهم . انا اعارض كل ذلك دفاعا عن الشيعة .صدام حسين لم يقتل بسبب هذا شيعي او هذا سني . من 1968 الى الحرب الايرانية جميع من قتلهم صدام هم من السنة . لم يقتل شيعيا ما عدا مجموعة حزب الدعوة ومجموعة اخرى قامت بمظاهرة في النجف . 45 شخصية كبيرة أعدمت خلال هذه الفترة بسبب ان هناك كان صراع على السلطة . اعدم 15 شخصية كبيرة من تكريت و20 من سامراء واخرون من الرمادي . وما بدأ بالشيعة الا عندما يدأوا يستهدفون السلطة .انا ضحية صدام حسين . انتهى ذلك النظام. الدول لا تُقام بالشماتة والثأر . انه عمل ثأري ولا ينسجم مع مفهوم الدول" ." ( حسن العلوي من دمشق في حوار مع محمد الهاشمي  في قناة فضائية المستقلة  3 يناير 2007 ) .

 حسن العلوي كاتب ومفكر عربي مرموق ، وهو عقائدي مخلص خدم ( الحزب والقائد ) في النظام البائد . ولسنا هنا في مجال تحليل ما جاء في حديث العلوي ، ولكن نجد ان من الامانة عدم السكوت على الخطأ والانحراف لانه ليس من العدل والانصاف القبول بمثل تلك المغالطات السافرة التي وردت في كلامه .كان الاجدر بحسن العلوي ان يستغل الفرصة على شاشة المستقلة في الشروع بمبادرة انطلاقا من الجارة سورية العروبة والدول العربية والاسلامية من اجل الوصول الى حلول لانتشال العراق من الكارثة . ليس المطلوب منه اليوم البقاء في اللف والدوران حول محيطه العقائدي مُركزا على محور الطائفية مثيرا للتشاؤم والخوف دون جدوى وبلا حلول. حسن العلوي ومع كل احترامنا ، لم يكن موفقا فيما طرحه من افكار لانه لم يلتفت الى ما يصبوا اليه العراقيون من سنة وشيعة وغيرهم بعد اعدام صدام للخلاص من ورطتهم والشفاء من الامراض التي خلفها القائد الضرورة والتطلع الى مستقبل يتحقق فيه الامن والرخاء ، بل وللاسف الشديد نقول انه كان يبدو من خلال حديثه في التلفون ، من صوته المرتبك وحماسته المعهودة وغيرته على الشيعة ،كما لو انه اراد صبّ مزيد من الزيت على النار لاثارة الاحقاد والفتنة التي شاهدنا وسمعنا انعكاساتها في اعدام الجثث وتعليقها على اشجار النخيل في شارع حيفا ببغداد . ولا نستغرب ما وقع في النمسا، عندما خطب احد العراقيين في احد جوامعها مشيرا الى الوقوف ضد الشيعة او انقلاب الحفل الذي كان معدا بمناسبة راس السنة الميلادية في احد نواديها الى مأتم تخللته كلمات مبطنة من عراقيين وفلسطينيين وقف ضدهم اكاديميون منصفون  . كما لا ننسى قوع  المواجهات بين العراقيين في مدينة ديترويت الامريكية التي وصلت الى الاعتداءات على المساجد والمحال التجارية وممتلكات العراقيين الذين تظاهروا معبرين عن فرحهم باعدام صدام حسين .

ان ما اشار اليه حسن العلوي ايضا في حديثه حول النية من تعيينه سفيرا للعراق في سورية ، وهو المحسوب اليوم ضمن الملايين المهاجرة والهاربة منذ جحيم حكم صدام حسين وحتى وقوع الكارثة في العراق ، ربما يكون من حقنا ان نقول،  انه لو حصل ، فانه سيكون أسوء سفير للعراق في تاريخه  المعاصر ( صحيفة الحياة 11 يناير 2007) (والقناة الفضاائية العراقية والفرات 10و11 يناير 2007) و ( الحديث الخاص مع الصحفي العراقي عامر البياتي ) .

ومن اجل المقارنة أستعرض بعضا من الاراء التي كان الاجدر بحسن العلوي ان يبادر في الحديث عنها قبل غيره من الكتاب والسباسيين والمفكرين والحكام العرب بعد اعدام صدام حسين ، فهل فكر حسن العلوي بمثل ذلك قبل غيره ؟ مارتن بيرتز في صحيفة الول ستريت جورنال الامريكية علُق على الموضوع بالقول :" اذا ما نظرنا الى سجل الدمار والجريمة وادخال الرعب والخوف في نفوس الملايين من البشر خلال حكم صدام حسين ، فاننا سندرك ان اعدامه هو احد اهم الاعمال لسيادة الدولة التي مارسها الشعب العراقي لاول مرة في تاريخه وانه يمثل العمل الذي جاء فيه شفاء العراقيين من حكم صدام الوحشي" . اما الاكاديمية الكويتية  هيلة حمد المكيمي فقد ذهبت الى ابعد مما ذهب اليه حسن العلوي من وجهة نظر استهدفت فيها مصلحة الشعب العراقي ، عندما كتبت في صحيفة الشرق الاوسط تقول :"  لقد اضفى اعدام صدام مسئوولية اكبر على عاتق العراقيين للحصول على صيغة سياسية ترضي جميع الاطراف . فقد غاب مع غياب صدام  آخر احتمالات عودة النظام البائد . فلم تعد تلك الشجاعة موجودة لتبرير فشل العراقيين في اقامة مشروع الوحدة الوطنية . وآن الاوان لتتحمل تلك الاطراف مشروع اعادة بناء الوحدة الوطنية . ان اعدام صدام الحقيقي هو اعدام ثقافته التي زرعها في اوساط العراقيين ، وهي ثقافة التفرد بالسلطة والغاء الاخر .فان لم يستطع العراقيون التغلب عليها،  فذلك يعني البقاء الرمزي للطاغية وبقاء الفوضى وعدم الاستقرار في العراق ولجيرانه. لذلك نقول ان صدام مات لكنه ما زال ينتظر اعدامه الحقيقي ".

كما يؤكد الكاتب حسن ابو طالب على هذا التوجه في صحيفة الاهرام تحت عنوان " دعوة لانقاذ العراق" بالقول :" ان عملية اعادة  بناء الدولة تتطلب شروطا يمكن ايجازها في اربعة . اولها نخبة عراقية تؤمن بالعيش المشترك بين ابناء الشعب العراقي دون اقصاء لطرف تحت أي ظرف كان. وثانيها بناء مؤسسات وطنية جامعة لا سيما مؤسسات الامن والجيش والشرطة ومؤسسة التعليم بكل مراحله ومؤسسة والاعلام التي يجب ان تتعدى الطوائف والانتماءات الحزبية او السياسية وتكون تعبيرا عن العراق الموحد لكل ابنائه . وثالثا مواجهة ظاهرة المليشيات بكل حسم وقوة وما يرتبط بها من عصابات اجرامية تستغل الانفلات الامني لتعيث فسادا في البلاد  ورابعا مساندة عربية واقليمية لصيغة العراق الجامع غير الطائفي والموحد جغرافيا والمتصالح مع نفسه والغير في آن واحد . واخيرا استراتيجية امريكية واضحة المعالم تسعى الى الانسحاب التدريجي " .

الا ان برنت سكوكروفت مستشار الامن القومي السابق في رئاسة جورج بوش الاب كتب في صحيفة الهيرالدتربيون تحت عنوان " لماذا لا تستطيع امريكا الانسحاب من العراق"  مؤكدا على المخاطر الكثيرة التي تُعرض امريكا للخطر فيما لو انسحبت القوات الامريكية من العراق ولكنه  قال ايضا :"  ولكي نتجنب جميع تلك المخاطر تحتاج الولايات المتحدة الى ضمان دعم دول المنطقة التي من مصلحتها تقديم الدعم لنا كما حدث في حرب الخليج عام 1991. وللأسف ان هذه الدول باتت ترى ان التعامل معنا  يعرض مصالحها للخطر وبالتالي ظلت بعيدة عنا . ليس باستطاعة احد غير الرئيس الامريكي الذي بمقدوره وحده اقناع دول المنطقة كالسعودية ومصر ودول الخليج في الجلوس الى مائدة واحدة من اجل اعادة الاستقرار والامن الى العراق . ان الامر الذي يقلقنا هو ليس فقط ما يجري في العراق واستقرار الشرق الاوسط ، ولكن كيف تنظردول العالم الينا والى مصداقية الولايات المتحدة في هذا الوقت المضطرب ، وليس امامنا الا ان نتجنب الفشل في هذا المسعى "

 اما ريك جيرفيس فقد اشار في صحيفة اليو اس تودي الامريكية  بالقول :" ان اياد السامرائي نائب رئيس الحزب الاسلامي ذكر ان الشيعة والسنة كانوا ضد صدام حسين ولا اعتقد ان اعدامه  سيؤثر على مسيرة عملية المصالحة الوطنية " . وقال :" ان المالكي اتخد قرار الاستعجال باعدام صدام خوفا من تدخل الدول العربية واطراف دولية اخرى قد تؤثر على تغيير حكم الاعدام .وقال انه كلما استعجلنا في تنفيذ حكم الاعدام سيكون بالنتيجة هو العمل الافضل . وان المالكي وعد باعادة النظر في برنامج اجتثاث البعث والسماح للشخصيات الكبيرة في الحزب السابق  بالمشاركة في العملية السياسة والحصول على المناصب الحكومية "

وكتب ستيفان كلوفر في صحيفة الديلي ميل يقول :"  ان الحديث بان العراقيين قد تصرفوا حسب مصالحهم في اعدام صدام حسين وكما لو انهم ليسوا تحت السيطرة الامريكية ، ما هو الا حديث خرافة . العراق ما زال تحت الاحتلال رغم وجود حكومة ديموقراطية وبرلمان ودستور وان ما يردده العراقيون هو مايتفق ورغبة الامريكان الذين لا يريدون الظهور على انهم المستعمرون الجدد . وان ما صرح به القائد وليم كالدويل من ان الامريكان كان باستطاعتهم  القيام باعدام صدام على طريقة مختلفة هو حديث غير صحيح. ورغم كل ذلك اقول ان اعدام صدام هو الشئ الوحيد الصحيح الذي حصل من خلال هذه الحرب المرعبة. وليس هناك من سبب في البكاء عليه . الواجب علينا ان نبكي على العراق المدمر وعلى سلوك جلاديه القاسي  وكذلك نبكي على دورنا المخجل في كل ما سببناه من فوضى ملعونة في هذا البلد" .

وتحت عنوان "مساخر طويلة " كتب سمير عطا الله في صحيفة الشرق الاوسط يقول :" تُذكر اعدامات المالكي المتلاحقة باعدامت كوبا في السنوات الاولى للثورة واعدامات الثورة الايرانية لرجال السافاك في عهد الشاه وطبعا " بوجبات" الاعدام في بداية ايام صدام حسين ، على ان الفارق هو لحساب المالكي ، ويستحق التقدير او بالاحرى التثمين بلغة الثورات ، وهو ان الاعدام هنا يتم بعد المحاكمة لا قبلها . واقوال المحكومين تدون وهم احياء . وها هو الناطق الامريكي يقول " لو اننا تولينا نحن الاعدام لكان الامر مختلفا " ، وكان يكون اكثر حنانا ورأفة . وكان يمحي عن الشريط التهليل لمقتدى الصدر وكأنما صدام لم يرتكب سوى جريمة واحدة في العراق وهي قتل والده . خسر صدام كل معارك عمره التي تميزت بالبلطجة والمسدس المربوط الى حزامه مثل رجال الكاوبوي ، وربح معركة واحدة في الثواني الاخيرة من حياته ، عندما بدى ارقى كثيرا من جلاديه  واهدأ اعصابا وارقى مظهرا. لقد فات حكام العراق اليوم ان يحولوا لحسابهم مشهدا مثيرا امام العالم ويظهروا كم انهم خليقون بنشر العدالة ، ولكن الارجح ان هذا اقصى ما يستطيعون  "

وفي صحيفة الشرق الاوسط ايضا كتب طارق الحميد تحت عنوان " يا سنة العراق" يقول :" هناك واقع لا بد من الاعتراف به . السنة لا يحكمون العراق والسنة ليسوا العراق كله بل جزء منه . وان القيادة السنية في العراق قد تهشمت وتلاشت وغير موجودة . فمن نراهم اليوم من وجوه واسماء سنية هم ليسوا قيادات بل محاولة لملء الفراغ في القيادة السنية . واذا لم يتحرك عقلاء السنة فان العواقب ستكون اسوء . فمن كان من السنة بعثيا ايام صدام لتأمين لقمة العيش ، سيصبح بعثيا اليوم بحثا عن هوية شخصية . يا سنة العراق لا بد من العقلانية والعمل السياسي والبحث عن الشركاء بين الاكراد والشيعة وغيرهم . ولا بد من الاقرار ان هناك شيعة عراقيين وطنيين يؤمنون بعروبة العراق ووحدته واستقلاله . وما لم يدرك سنة العراق هذا الواقع فمن الصعب عليهم التاثير في المشهد العراقي . الحقائق تقول ان صدام حسين ظلم السنة مثل ما ظلم العراق بكل طوائفه . على السنة اليوم البحث عن قنوات سياسية معتدلة توفق بين الجميع في التعايش بسلام في العراق . كلمة حق يجب ان تُقال لسنة العراق ان عليهم البحث عن تحالفات سياسية جديدة يمدون الجسور فيها الى الاكراد والمعتدلين من الشيعة الذين يؤمنون بعروبة العراق وغيرهم من الطوائف في العراق . ولا بد من خريطة تحالفات جدبدة . ان الحل بالنسبة للسنة ليس بيد حارث الضاري او المطلك ، بل هو بيد ناس يؤمنون بالعمل السياسي والسمو فوق الخلافات . وعدا عن ذلك فكل ما يقال هو شعارات لا تُغني ولا تُسمن من جوع " .

وينقل لنا طارق الحميد حورا اجراه مع ولي العهد السعودي الامير سلطان بن عبد العزيز من مدينة جدة ادلى فيه بتصريحات خص العراق في صحيفة الشرق الاوسط قال فيها :" نتألم كثيرا لما نشاهده في العراق من دماء تجري ... وان ما يدور على ارض العراق الشقيق يُعد بكل المقاييس مأساة انسانية كبيرة  تدور فيها عجلة التدمير بلا رحمة ولا هوادة من دون اي اعتبار او مراعاة لقوانين او اعراف او منطق او انسانية . والسياسة السعودية تجاه ما يحدث في العراق الشقيق تنطلق من واقع مسئووليتنا العربية وواجباتنا الاسلامية للحفاظ على ارواح العراقيين ووحدة اراضيهم. وما تقوم به المملكة من خلال جهودها المتواصلة عبر مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومن خلال الامم المتحدة هو التاكيد على الرغب الصادقة والمخلصة للملكة في وضع حد لهذه الازمة"   ويواصل ولي العهد حديثه ويقول :" باننا نطالب في فتح حوار وطني شامل تحت مظلة وطنية تدخل تحتها كافة القوى والمؤسسات العراقية من اجل المصالحة ومكاشفة تبني مسنقبل العراق وتؤسس لدولة العراق الجديد على أُسس وثوابت مشتركة يتم فيها تغليب مصلحة المواطن العراقي لتكون فوق أي مصلحة طائفية او حزبية او عرقية . ومن اجل الخروج من المازق العراقي ادعو المؤسسات الاعلامية داخل العراق وخارجها للوقوف في صالح المواطن العراقي وعدم الانحراف نحو تهويل الواقع واثارة الفتن وتفتيت الصف ".

حقا انه موقف شجاع ومشرف وهو المطلوب في مثل هذه الاوقات الحرجة . ولكننا نسأل ولي العهد : لماذا لم يحاول هو شخصيا او أي من اعضاء الاسرة الحاكمة ان يتناولوا الازمة القائمة في الداخل السعودي بالعمل على توجيه من يدعون برجال الدين الفقهاء واساتذة الجامعات وفتح حوار معهم لوقف فتاواهم ووضع حد لتدخلاتهم السافرة المثيرة للفتنة بين ابناء الشعب العراقي والمسلمين في بلدان شتى ؟ اليس الاولى ان يتجه ولي العهد في تحقيق مثل هذه الاهداف النبيلة وتوجيه النصائح الى ابنائه واخوته السعوديين اولا ، ام ان الامر صعب ولا يجوز تجاوزه بناء على الاتفاق الذي حدتنا عنه صحيفة الديلي ميل في كتاب " بابيلون السعودية "  ؟ 

كما كتب رشيد الخيون مقالة بصحيفة الشرق الاوسط عن اعدام صدام تحت عنوان :" العراق .. ليقف دولاب تبادل المصائر " جاء فيها :" كتبت مقالتي لهذا الاسبوع تحت عنوان " لا تعدموا صداما " الا انه سبق السيف العذل وانتهى الامر . مع ان عذلي بل عذل الدنيا لا يؤخد به في ظل تصاعد تأجج العواطف . وهل سمع صدام نفسه لعذل بريطانيا العظمى وهي ترجوه في الكف عن اعدام الصحافي بازوفت ؟ وهل تجاوب لعذل قادة الدول الاشتراكية ، من اصدقائه وكف عن اعدام الخمسة والثلاثين عراقيا من الجنود الحفاة ، بتهمة تنظيم تابع للحزب الشيوعي العراقي في الجيش ؟ .  ان قتله صبرا لا يُرجع خسارة واحدة من خساراتي : اعدام أخ  واغتيال اولاد عمومة واصدقاء كُثر وتخريب بيئة ، وغربة بدأت منذ كان نائبا ، واستمرت حتى الساعة .  ففي صبيحة سقوط نظامه خرج من يكمل المشوار ، باكثر قسوة ، ومن داخل الاضرحة والمساجد ... ليس لاحد الاغترار بمهرجانات الناعقين وراء كل ناعق ، فهم يدورون مع دورة الدولاب : صداميون بالامس واسلاميون اليوم ، وغدا لهم شأن آخر. الم تتجمهر الجماهير وتفرش موائد طعامها تحت جثامين المصلوبين الابرياء المتدلية من على اعمدة حديقة الامة ( 1969) ، وحيّت من هناك القائد والسيد النائب ؟ دعوا ما قبلها من القتل صبرا وانظروا في مسلسل مقاتل الدولة العراقية الحديثة ، من اعدامات الانجليز عام ( 1918)  وحتى اعدام عبد الكريم قاسم عام (1963) ، الذي ظل الناس يتوهمون رؤيته في القمر، توقع البعثيون ابادة اليسار العراقي كافة ( 1963) ، لكنهم ظلوا يعدمون به حتى السقوط الاخير . وطورد حزب الدعوة بقتل رجعي ، وها هو في السلطة . واخيرا ، ويبدو ليس آخرا، قُتل صدام صبرا . كانت فكرة قتل صدام صبرا ، وبهذه السرعة في شعبة الاستخبارات الخامسة بالكاظمية غربي بغداد ، فكرة ماكرة . وهو مكان على شاطئ دجلة قبالة ضريح الامام ابي حنيفة من جهة الكرخ ، دارت حكايات حول فرّامة لحوم المعدومين فيه وقذفها الى الماء طعما للاسماك، قناطير الوثائق وقوائم الذين لم تسلم جثامينهم . المقصلة هي المقصلة ومربع الاعدام هو نفسه ، وهذا هو مكر الفكرة ان يجعل حفار البئر ضحيتها . ان جلاد الامس يبدو بذهوله ضحية من ضحايا المكان . اجمالا ، هناك خطيئة لصدام لا تتفرع هي خراب العراق ، وما محاكمته واعدامه على قضية الدجيل ، الا اضعف الخطايا. لانها جُزيئة وفيها ما فيها من ملابسات واولها انها قدمت صداما ابن الطائفة ، وابراز حزب الدعوة هو الضحية الاوحد . وكان المفروض ان تُستهل محاكمته وتُختتم بالاشمل والاعم ، خراب العراق ." سبق السيف العذل"  بصدام، فدعوا البقية يشاهدون انباء البناء . يدركون حجم الشر والهدم . لا تجعلوا الثارات تمنع خطوة التاسيس التي لا تتكر لهذا الجيل ولا للاجيال القادمة " .

اما النائب الكويتي مسلم البراك فقد وجد الفرصة السانحة ليشنّ هجوما عنيفا في البرلمان الكويتي على تصريحات العقيد معمر القذافي عندما قال:" ان هذه المواقف ليست مفاجئة لنا . هي نفس المواقف التي حصلت عام 1990 عندما احتل صدام حسين الكويت وقام ازلام من النظام باحتلال السفارة الكويتة . انه يعلن الحداد اليوم ويقيم تمثالا لصدام حسين الى جانب شيخ الشهداء عمر المختار .اننا نعتقد انه امر عجيب وغريب تصرف معمر القذافي .. . اننا ندرك تماما ان هناك اطراف لا مصلحة لها باستقرار العراق . قنوات فضائية حاولت ان تصور الامر بان صدام مظلوم وشجاع وبطل قومي .  الان هي الفرصة السانحة ان يتغنى الشعب الكويتي باعدام هذا الطاغية . مهما حاولوا اخفاء الحقيقة فاننا نعرف انه ما زالت اموال صدام حسين تدخل جيوب البعض منهم ". واضاف البراك يقول :" ان وجود الديموقراطية كان جزءا من الخلل . لانه كلما توسعت الديموقراطية في العراق ، كلما كثُر اعداؤها من الطغاة . لانهم لا يصدقون إن سمعوا عن الديموقراطية في العراق والكويت . الديموقراطية مهمة . صدام اتخد قرار تدميري في ليلة واحدة  . علينا ان نقرأ التاريخ . دول الخليج لا مصلحة لها بتعزيز الارهاب في العراق . واننا ننتفض لكرامتنا للمواقف التي  يثيرها مثل هؤلاء وقال ان مجلس الامة يطالب باتخاذ مواقف جدية حيال الدول المتعاطفة مع صدام" كما اشار البراك الى ان اعضاء في مجلس الامة الكويتي يطالبون بقطع العلاقات مع الدول العربية التي ناهضت  عملية الاعدام( قناة الفرات العراقية 10 يناير 2007 ) . ( جريدة القبس الكويتية 11 يناير 2007 )

 وأختتمُ ما جاء في اعلاه بما صرح به بان كي مون الامين العام الجديد للامم المتحدة في اول يوم يتسلم به  مهام عمله  بهذه المنظمة الدولية وهو اول لقاء مع موظفيها في بداية العام الجديد ، عندما رد على اعدام صدام حسين قائلا :" يجب ان لا ننسى ضحايا جرائمه . ان الرئيس العراقي السابق كان مسئوولا عن ارتكاب جرائم بشعة ومجازر صارخة ضد الشعب العراقي . وان هذه العقوبة تقررها كل دولة عضو وفق القانون الدولي " وبدا ان الامين العام الجديد متناقضا مع مبعوثه الخاص في العراق  السفير اشرف قاضي الذي قال في بيان له " الامم المتحدة ضد هذه العقوبة . وانها تؤكد معارضتها لعقوبة الاعدام " .

ولن نستثني حتى الرئيس بوش نفسه الذي وجه بعض الانتقادات الى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حيث اتهم حكومته بممارسة اعمال انتقامية طائفية واعتبرها حكومة غير ناضجة وذلك قبل أيام من بدء خطة أمن بغداد التي يعوّل عليها الرئيس الامريكي لإنهاء العنف الطائفي في العاصمة العراقية . وقال بوش لشبكة بي. بي. اس التلفزيونية العامة :" ان شنق صدام حسين عزز الشكوك حول المالكي واكد بوضوح ان حكومته  تفتقر الي بعض النضج"  . لكنه اعرب عن ارتياحه لمحاكمة صدام حسين ومساعديه الاثنين اللذين أُعدما اخيرا. الا انه اضاف يقول :" ان الحكومة العراقية افتقرت الي المهارة في التعاطي مع ظروف اعدام صدام في 30 ديسمبر/كانون الاول. لانه عندما حان موعد تنفيذ حكم الاعدام  بدا ان ذلك يشكل عملا انتقاميا، ويوجه رسالة متناقضة الى الشعب الامريكي والرأي العام الدولي .وان ذلك يزيد من صعوبة دفاعه عن قضية هذه الحكومة لدي الشعب الامريكي وتأكيده انه فعلا يريد توحيد البلاد" . وخلص بوش الي القول :" لكن اعدام صدام كان لحظة مهمة لانه طوي فصلا رهيبا واعطي الحكومة فرصة للمضي قدما . ولقد عبّرت عن شعوري بخيبة الامل لرئيس الوزراء العراقي عندما تحدثت اليه في اليوم التالي " ولكن رئيس الوزراء نوري المالكي رد على انتقادات بوش التي وُجهت له  حول اعدام صدام حسين في مقابلة نشرتها صحيفة كوريرديلا سيرا الايطالية والتايمز البريطانية ونقلتها صحف العربية بالقول :" اني اعرف الرئيس بوش كشخص قوي لا يتأثر بضغط وسائل الاعلام . ولكن يبدو ان الضغط قد اثر عليه الى مدى كبير. وانه لم يكن يوما بالضعف الذي هو عليه اليوم ، مما ادى بالرئيس ان يصرح على هذا النحو" وبعد ان ذكر المالكي ان الادارة الامريكية شارفت على النهاية وليس حكومته ، اضاف يقول :" ان من خلال تردد الادارة الامريكية بدعم الحكومة العراقية قد تشجع الارهابيين . وان المتمردين قد يستغلون هذه التعليقات ويستعيدوا الثقة كاشارة على انهم هزموا الادارة الامريكية . ولكن استطيع ان اقول لكم انهم لم يهزموا الحكومة العراقية . ان العراق بحاجة الى اسلحة اكثر وليس الى نصائح اكثر من الادارة الامريكية" . واعترف المالكي عندما قال ان حكومته  اقترفت اخطاء فيما يتعلق باعدام صدام حسين لكنه رفض تحمل المسئوولية الكاملة عن تلك الاخطاء. وتُعلق الصحيفة في الختام بالقول :"واذا ما خمّنا ان هذه اشارة الى قدوم معركة او انها حركة جديدة في لعبة الشطرنج ، فان المالكي الماهر ربما سيبقى هو من يلعب الدور الافضل مما تتوقعه واشنطن " ( التايم مع السي ان ان وصحيفة الراي العام الكويتية والقبس الكويتية وصحيفة الشرق الاوسط 18و19 يناير 2007)و( صحيفة الزمان 17 يناير 2007 ) .    

ولا يسعني الا ان أبين وأُذكر بانه فيما يخص ردود الفعل التي جاءت من مختلف الحكام والكتاب في الاوساط العربية ، يجب ان لا تثير استغرابنا ، لان مجتمعات هؤلاء القادة وشعوبهم ما زالت للأسف ترث وتعيش نفس ثقافة العصور الوسطى في هذا الاتجاه حتى يومنا هذا . تلك الثقافة العربية الاسلامية التي كانت تقُدس الحاكم ولا تجيزمحاسبته مهما كان نوعه ومهما كانت منزلته ومهما كانت افعاله ، لانه كان يُمثل خليفة الله على الارض وما على الرعية الا الطاعة والموت في سبيله . ( صحيفة الاهرام الدولي 3 يناير 2007 ) و( صحيفة الول ستريت جورنال 3 يناير 2004 )و( صحيفة الشرق الاوسط 4 يناير 2007 ) و( اليو اس تودي 4 يناير 21007 ) و (صحيفة الديلي ميل 4 يناير 2007)و ( صحيفة الهيرالدتربيون الامريكية 4 يناير 2007 ) و( اللوموند الفرنسية 4 يناير 2007 ) و( طارق الحميد في الشرق الاوسط  5 و 6 يناير 2007 ) و( سمير عطا الله ورشيد الخيون وتصريح الامين العام للامم المتحدة في صحيفة الشرق الاوسط 3و5 يناير 2007 ) .

وبعد ان تم تنفيذ حكم الاعدام بصدام حسين وانتهت الزوابع التي أُثيرت ضده في نهاية العام 2006، وحلّ العام الجديد 2007 وهو العام الرابع للحرب في العراق الذي يقترب من نهايته في ابريل القادم ، بدأت الحكومة العراقية الاعلان عن خطة أمن بغداد الجديدة المتزامنة مع استراتيجية الرئيس الامريكي جورج بوش الذي اعلن عن خطته الجديدة بعد القيام باجراءات تم فيها تبديل العديد من القادة العسكريين مثل الجنرال كيسي الذي حل محله الجنرال بيتروس وكذلك نقل السفير خليل زلماي زاد وتعيين السفيركروكر في الباكستان محله في بغداد . وتهدف الخطتان الى حفظ الامن واعادة الاستقرار الى العاصمة العراقية بغداد ووضع حد لتيار العنف الطائفي والمجازر التي يسببها الارهابيون التكفيريون المتعاونون مع اتباع حزب البعث المنحل . ففي العاشر من يناير 2007  اعلن الرئيس بوش عن خطته التي قال انها تاتي دعما لمبادرة الحكومة  العراقية مثلما اكد رئيس الوزراء نوري المالكي والناطق الرسمي للحكومة علي الدباغ بالقول :" ان أي خطة امريكية سوف لن تنجح ما لم تكن هناك عودة للحكومة العراقية وللقادة الميدانيين الذين بيدهم نجاح هذه الخطة التي تقع ضمن ما تريده الحكومة العراقية " . علما ان الرئيس بوش اخبر رئيس الوزراء المالكي والقادة العراقيين قائلا :"  ان الدعم الامريكي ليس بدون حدود واذا لم تلتزم الحكومة العراقية بتنفذ وعودها فانها ستخسر دعم الشعب الامريكي كما انها ستخسر دعم الشعب العراقي ايضا " .

ويرى مختلف الساسة والقادة العسكريون والكتاب المتخصصون بان هاتين الخطتين هما التحدي الاخير بل الرهان الجديد الذي ليس من بعده رهان آخر امام هذه الحرب الخبيثة الساحقة للصراع المعقد الدائر في العراق حيث سيخوض الجيش الامريكي الى جانب الجبش العراقي المعركة في ظروف هي اكثر خطورة مما كانت عليه في بداية الاحتلال عام 2003 . ولاول مرة نسمع ان الحكومة العراقية تاخذ زمام المبادرة في قيادة هذه الخطة الامنية في بغداد . ويركّز المحور الاساسي للخطة الامريكية بالتعهد في القضاء على تنظيم القاعدة في العراق من خلال تعزيز القوات الامريكية بحوالي 22 الف جندي امريكي يضافون الى 138 الف جندي امريكي موجدون حاليا في العراق . وستنتشر 5 الوية منها في بغداد و3 الوية اخرى في الانبار . ولن تقتصر هذه الخطة على المبادرة الامنية بل ستتجاوزها الى السياسية والاقتصادية وذلك بتخصيص مساعدة مالية تصل الى مليار دولار امريكي لمساعدة الحكومة العراقية على اعادة البناء  وتوفير فرص عمل للعراقيين من اجل ابعادهم عن مغريات الانخراط الى جانب صفوف المتمردين او القتال الى جانب  المليشيات الموجودة .كما تعمل الخطة على اقامة برامج لمشاريع صغيرة تساهم في عملية اعادة البناء استمرارا في خصخصة المشاريع الموجودة لدى القطاع العام وتحويلها الى القطاع الخاص حتى تصبح اكثر تنافسا وجذبا لقوى العمل .ويشكك مهدي الحافظ وزير التخطيط السابق وعضو مجلس الامة الحالي في جدوى هذا الاتجاه عندما قال :" ان مثل هذه المشاريع المملوكة للدولة هي بالاساس تمثل عبئا كبيرا عليها وتستنزف الكثير من ميزانيتها واكثرها عديمة الانتاج والعاملون فيها يشكون من البطالة . انه لامر يثير السخرية ان توضع مثل هذه البرامج دون طلب الاستشارة ". ولا شك ان هذا الاتجاه في الخطة يذكرنا بالايام الاولى لعمل بول بريمر الحاكم الاداري الامريكي الذي اتخذ القرارات التي رأى فيها استقرار العراق من خلال خصخصة المشاريع الحكومة ، تلك السياسة التي ادت الى نتائج هامشية وتاثير عابر على حياة العراقيين حتى انها اصبحت هدفا لهجمات الارهابيين مما سبب في ازدياد حالات الشك واليأس بين العراقيين ( راجع الجزء  ب من الفصل الثاني). وتؤكد الخطة ايضا ، بالاضافة الى هذا الجانب ، على عمل الحكومة في اصدار التشريع الخاص بضمان توزيع الثروة النفطية على السكان وعلى تعديل قانون اجتثاث البعث من اجل تعزيز المصالحة الوطنية .

وفي خطة امن بغداد هذه سيكون الدور المركزي منها لاعادة الاستقرار الى العاصمة التي ستنتشر فيها فرق الجيش والشرطة والمخابرات . وستُنفذ الخطة في 9 مراحل على ضوء تقسيم العاصمة الى 9 اقضية او مديريات لكل منها قائدها ومساعدين اثنين هدفهم حماية السكان في عمل تدريجي  ، مما يؤكد على طبيعة المخاطر التي ستكتنفها هذه الخطة التي ترمي للدخول الى جميع المناطق في بغداد بما فيها مدينة الصدر لتطهيرها من المتمردين والبقاء فيها بعد فتح بوابات خاصة للسيطرة المستمرة في الشوارع الرئيسية التي يقع عليها العديد من نقاط التفتيش. علما ان بهاء الاعرجي الناطق باسم التيار الصدري اعلن تأييده للخطة وطالب بمجئ وزراء تكنوقراط في وزارات الخدمات وذلك امام رئيس الوزراء نوري المالكي في مجلس النواب قبل التصويت على الخطة  بالاجماع . وتذكر لنا صحيفة الصباح العراقية :" يرى متابعون ان معركة المالكي تحظى بقبول عام يمثل استفتاء على نجاحها من جهة ودعمها من جهة اخرى . ويقول المواطنون ان اي خطأ او تهاون لن يكون ملائماً هذه المرة ، لكنهم اعربوا عن ثقتهم بان السيد المالكي احكم الخطة بعوامل نجاح كافية ألمح اليها في كلمته امام البرلمان التي قدم فيها التوجهات العامة للخطة الامنية الجديدة عندما قال :"ان الخطة ليست موجهة ضد اي جهة بل تستهدف الجميع من الخارجين على القانون وانها تهدف الى فرض القانون  وانها عراقية بشكل كامل ، وتحت قيادة عراقية ، وتتصدى لعمليات بحجم كبير . وهذا امر يحدث لاول مرة وان دور القوات متعددة الجنسيات دور اسنادي". واوضح المالكي ايضا :"ان الخطة تستهدف نزع السلاح ، اذ يجب ان لايكون السلاح الا بيد القوات الحكومية وان كل من يستخدم سيارات الدولة في تنفيذ اعمال تضر الشعب سيتم اعتقاله". وتابع المالكي:"ان خطة امن بغداد ليست خطة عسكرية ، بل هي متعددة الجوانب منها الاقتصادية والخدمية . وقد تم تشكيل خمس لجان ، هي لجنة سياسية واعلامية لتوحيد الخطاب في ما يتعلق بالتصريحات بشأن الخطة ولجنة خدمية لتقديم الخدمات في المناطق التي تم تنظيفها من الارهاب ، وايضا لجنة اقتصادية ولجنة الجهد الشعبي لتحشيد الجماهير لاعطاء الخطة بعدا وطنيا بعيدا عن اي تفسير طائفي". وشدد رئيس الوزراء على انه:" ستتم محاسبة كل من يخرج على الخطة الامنية من العسكريين او السياسيين بهدف تشويهها مطالباً الجميع بالابتعاد عن تناقضات العملية السياسية في مسألة التصدي للخارجين على القانون لان ذلك سيضعف من قدرة القوات على ملاحقة المجرمين والارهابيين". واضاف المالكي:"ان الخطة تمثل جميع المكونات من الجيش والشرطة وقد تم توزيعهم بطريقة معينة وان القادة الميدانيين مسؤولون في تقدير طلب الاسناد والدعم من القوات متعددة الجنسيات". وفي معالجة لمسألة المهجرين من منازلهم اعلن المالكي انه:" سيتم اعتقال كل من يسكن في بيت مهجر والعمل على اعادة جميع المهجرين الى مناطقهم". واكد المالكي:" ان الخطة الامنية لن تخضع لمؤثرات سياسية لان العمل الامني لايتسع للمؤثرات السياسية وان هذه الخطة الامنية هي عملية إستفادة من سلبيات وايجابيات الخطط السابقة وهي ليست الاخيرة كما قال البعض . وهي ليست محددة بوقت معين واذا تحقق الامن من خلالها ستكون الخاتمة واذا لم يتحقق ستكون هناك خطط اخرى ثانية وثالثة حتى تحقيق الامن والاستقرار".وتابع المالكي بوصف الخطة يقول :" ان الخطة سوف لن تتجه الى منطقة معينة وقد تم تقسيم بغداد الى تسع مناطق تخضع للجيش والشرطة بشكل مشترك وتهدف الى تنظيف بغداد من الخارجين على القانون." ودعا المالكي الكتل البرلمانية الى :" الوحدة العراقية في ما يخص الخطة الامنية حتى نجعلها خطة للشعب العراقي الذي يُستهدف بشكل يومي".

الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية على الدباغ الذي مر بنا يصرح "ان الخطة سوف لن تنجح ما لم تكن هناك عودة للحكومة العراقية والمبادرة للقادة الميدانيين" فكيف تكون القيادة للعراقيين وتقوم القوات الامريكية بهجوم مباغت على مدينة الصدر وتعتقل عبد الهادي الدراجي الناطق باسم التيار الصدري في الوقت الذي يصرح فيه احد مستشاري رئيس الوزراء نوري المالكي"بانه لا علم لنا ولم يتم ذلك بالتنسيق بيننا" ؟ . وهذا هو ليس الهجوم الاول دون علم الحكومة العراقية فقد سبق وان هاجمت القوات الامريكية مدينة الصدر ايضا وفرضت الحصار عليها في اكتوبر 2006 ، مما ادى الى خروج مظاهرات الاهالي من المدينة احتجاجا على تلك الاجراءات . ولقد عبّر رئيس الوزراء نوري المالكي آنذاك عن استيائه للهجمات الامريكية على مدينة الصدر دون الرجوع اليه . وفي مؤتمر صحفي قال المالكي :"ان الهجوم حصل نتيجة عن خلل في التنسيق ما بين الحكومة والقوات المتعددة الجنسيات . ونحن نعمل على ايجاد افضل السبل للتنسيق فيما بيننا. وان الاجندة الامريكية باتت واضحة وان الشعب يأمل ان الادارة الامريكية استفادت من التجارب واننا نرفض كل هذه السلبيات " .

اما عن ما يُلفت الانتباه في استراتيجية الرئيس بوش او خطته الجديدة هو تجنبها لاكثر التوصيات التي جاءت في تقرير لجنة بيكر- هاملتون. فالرئيس بوش يبدو مصرا على تحقيق النصر دون الالتفات اليها بالكامل. فهو لم يلتفت الى تلك التوصيات التي رأت انه من غير الممكن تحقيق الاستقرار في العراق من دون القبول بمشاركة جيران العراق وبالاخص ايران وسوريا . فالرئيس بوش يقول في خطابه الى الامة في 10 يناير 2007 :" ان التحدث الى الاعداء هو بمثابة القبول بالهزيمة" . ومن هنا يظهر الرئيس بوش متشددا في موقفه من ايران وسوريا عندما يقول :" ان نجاح الخطة يقتضي حماية حدود العراق واستقرار المنطقة والتخلص من تحدي المتطرفين المتسللين عبر الحدود الايرانية السورية الذين يدخلون الى العراق . كما ان ايران تقدم الدعم المالي للهجمات على القوات الامريكية وسوف نعمل على وقف هذه الهجمات على قواتنا ونمنع دخول الدعم الايراني والسوري كما سنعمل على ضرب وتدمير الشبكات التي تقدم السلاح والتدريب لاعدائنا في العراق". ويهدد الرئيس بوش بالتحرك ضد ايران وسوريا بضرب مصالحهما لو تدخلتا باي شكل من الاشكال .ويعلل الرئيس بوش عدم قبوله لتوصيات لجنة بيكر- هاملتون قائلا :" ان التراجع في الوقت الحاضر سيجر الحكومة العراقية الى الانهيار ويمزق البلاد ويترك العراق في فوض الاقتتال على نحو لا مثيل له ". ويُفهم من خلال هذا التصريح المبطن ما يرمي الرئيس بوش من ورائه في القيام بعمليات تعقيب عبر الحدود ما بين سوريا والعراق. وربما سيقتضي الامر ضرب بعض المواقع داخل هذين البلدين او التابعة لهما داخل العراق مثلما حدث مؤخرا في الاسبوع الاول من شهر يناير هذا في الهجوم المباغت الذي شنته القوات الامريكية على المبنى او مكتب التابع للقنصلية الايرانية في مدينة اربيل بكردستان العراق واعتقال 5 من العاملين فيه ، اتهمتهم بانهم تابعين للحرس الثوري الايراني ومصادرة الوثائق الموجودة  .

و في خطاب  حالة الاتحاد الذي القاه الرئيس بوش امام الكونغرس الاميركي، كرس الرئيس نصف خطابه تقريبا على العراق . وعكس خطابه الظروف الصعبة التي يمر بها شخصيا . ومن دون ان يتطرق الى اعادة بناء نيواورليانز والى برنامج الامن الجماعي الذي كان يشير اليه قبل عامين او الاشارة الى منع الزواج بالمثل وغيرها من البرامج ، وعندما وصل الى موضوع ارسال مزيد من القوات الى العراق ، بدا كما لو انه يتوجه بالرجاء الى الديموقراطيين الذي باتوا يسيطرون على الكونغرس وكذلك الى بقية الاعضاء الجمهوريين بان يمنحوا هذه الفرصة بان تعمل . ولجأ الرئيس الى الخيار الانسب بالنسبة للعراق بعد دراسات ومناقشات مستفيضة مع القادة العسكريين والميدانيين في العراق وأصدر أوامره بارسال المزيد من الجنود للعمل على المساعدة في توفير الامن في بغداد والرمادي والعمل جنبا الى جنب مع القوات الامنية العراقية . واكد بوش ان الولايات المتحدة تعمل على زيادة الدعم والاسناد للحكومة العراقية خاصة من دول الجوار او المحيط الاقليمي الابعد كدول الخليج العربي ومصر . وحذّر الرئيس بوش من تداعيات الفشل بالعراق وقال :" انه سيؤدي الى التهاب المنطقة بصراع واسع " . وعلى الرغم من تحذير الرئيس بوش من مخاطر الاخفاق في العراق التي ستنعكس على اوضاع المنطقة بمجملها، الا انه تعهد بعدم التراجع عن إستراتيجيته التي اعلن عنها مؤخرا حتى تصبح بغداد آمنة وبعيدة عن سيطرة المتطرفين . وبعد ان دعا الرئيس الى إعطاء فرصة لاستراتيجيته الجديدة في العراق لكي تنجح‏ ،‏ قال:" ان عواقب الفشل ستكون وخيمة لأنه يمكن أن تنشب معركة بين المتطرفين الشيعة المدعومين من إيران‏ ،‏ والمتطرفين السنة المدعومين من القاعدة‏ واتباع النظام السابق ، وربما ستمتد عدوى الصراع لتشمل العراق كله والمنطقة بأكملها ‏. وان من بعد هذه الفوضى سيظهر عدو له مرافئ آمنة ومؤيدون ومصادر وله التصميم الاقوى بالوقوف ضد امريكا . واذا ما سمحنا بحصول ذلك فان هذا يعني اننا تجاهلنا الدرس الذي واجهناه في 11 سبتمبر واننا نوافق على قيام المأساة ". واضاف يقول :" كلنا يتمنى نهاية هذه الحرب ، ولكننا لسنا كالذين يتخلّون عن وعودهم ويتركون اصدقاءهم ويعرضون مجتمعهم للخطر . وانه اذا ما انسحبت قواتنا قبل تحقيق الامن في بغداد ، فان ذلك يعني سقوط الحكومة العراقية وسيطرة الارهابيين على كل جوانب الحياة في العراق . وان هذا الامر اصبح يشكل بالنسبة لنا سيناريو مفزع . وان في مثل هذا اليوم وهذه الساعة اقول انه مازال بوسعنا ان نحدد نتيجة المعركة ، وما علينا الا التصميم حتى نحول الاحداث صوب النصر واننا يجب ان لانفشل في العراق، لا الوضع في العراق بدأ ينعكس بضلاله على كل شئ في سياستنا الداخلية "  .

 ‏وقد جاء رد الديمقراطيين على خطاب الرئيس بوش بالرفض عنيفا‏ ، حيث أكد السيناتور الديمقراطي جيمس ويب‏‏ الذي تلا الرد في شكل بيان رسمي أن أمريكا أصبحت رهينة للوضع الأمني المتدهور في العراق‏.‏ وتحرك مجلس الشيوخ بسرعة لرفض خطة بوش‏ . وصوتت لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس بأغلبية‏12‏ صوتا‏‏ مقابل‏9‏ أصوات علي قرار غير ملزم يعتبر زيادة القوات الأمريكية في العراق لا يصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة‏.‏وقال السيناتور الجمهوري تشاك هاجيل‏ الذي تبني القرار‏ ، إن إرسال قوات أمريكية‏‏ والزج بها في أتون حرب طائفية ليس سياسة صائبة‏ بل إنها مثل لعبة تنس الطاولة بأرواح الأمريكيين‏.‏
ومن جانبه‏‏ أكد ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي أن قرار الكونجرس لن يثني بوش عن تطبيق خطته الجديدة في العراق‏.‏ ولقد انعكس هذا الرفض الرسمي برفض شعبي حيث قام آلاف المتظاهرين امام مبنى الكابيتول مطالبين بوقف الحرب وعودة الجنود الامريكيين من العراق .

وفي مقالة كتبها جو كوناسون في صحيفة الواشنطن بوست بعنوان" خطاب الرئيس لا يهم احدا " قال هذا الكاتب:" بعد ان واجه الرئيس بوش الرفض قي الكونغرس ، حاول التركيز على قضايا مثل الصحة والمناخ والاصلاح التربوي وموضوع الاعتماد على الطاقة في خطابه . ان مشكلة الرئيس هي انه ما زال يرفض مواجهة الفشل في سياسته العسكرية والدبلوماسية في العراق بالاضافة الى رفض خططه من قبل اعضاء الكونغرس الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء . ان كل ما يهم الامريكان اليوم هو كيف الخروج من هذه الكارثة التي زجنا بها الرئيس وادارته . وبكل بساطة نقول انه اصبح لا يحظى بالمصداقية ، لانه عندما يقول ان منتقديه لا خيار لهم الا ما يقرره من التصعيد العسكري ، فان عليهم ان يردوا عليه بالاشارة الى الدراسة التي حققت رقما عاليا في المبيعات ، الا وهو تقرير لجنة بيكر- هاملتون الذي يقدم افضل الخطط من اجل تقريب وجهات النظر والامن والتفاوض وصولا الى سحب القوات الامريكية" . ويضيف الكاتب يقول :" بعد 11 سبتمبر وبدلا من جمع كلمة الامة ، قرر بوش ان ينفرد بالقوة مع حزبه . لقد كان باستطاعته ان يجمع العالم في مواجهة اعداء الحضارة من امثال بن لادن وصدام حسين ، الا انه اختار تدمير التحالفات التقليدية في طريقة عدائية وغير قانونية عندما شن حربا لا فائدة منها . ولو انه تجنب تلك الخيارات الغبية وانه لم يكن اعمى اسير غطرسته ، لكان باستطاعته ان يغتنم الفرصة القوية من اجل تحسين ظروف مستقبل الولايات المتحدة وكرتنا الارضية ايضا . ولو انه كان يحظى بالتاييد الشعبي، لكانت انجازاته بدون حدود . ولكن وبما انه اصبح يُنظر اليه باحتقار وان امكانياته لا وجود لها ، أوليس من الغباء والمحزن ان يتوقع باننا ما زلنا نصدقه ؟ "

وتكتب صحيفة الغارديان حول زيارة وزير الدفاع الامريكي روبرت غيتس الى مقر الناتو في بروكسل قائلة :" اعلن وزير الدفاع الامريكي ان تقرير الوجود العسكري في الخليج هو بمثابة اشارة موجهة خصوصا الى ايران بان الولايات المتحدة تعتزم البقاء لفترة طويلة في هذه المنطقة الاستراتيجية . ونود ببساطة ان نُعلم جميع دول المنطقة باننا سنبقى في الخليج لفترة اطول ". وياتي هذا التصريح متزامنا مع زيارة وزيرة الخارجية كونداليزا رايس الى المنطقة العربية التي قال عنها السفير الامريكي خليل زلماي زاد في مؤتمر صحفي ببغداد عقده مع الجنرال كيسي :" انها وصلت للتحدث الى قادة المنطقة والتاكيد على فتح قنوات للتعاون من قبل الدول المجاورة مع الحكومة العراقية وشرح الخطة الجديدة في بغداد لهم" . كما اشار السفير في هذا المؤتمر الى اعتقال العاملين في مبنى القنصلية الايرانية في اربيل وقال:" انهم ليسوا دبلوماسيين بل انهم ينتمون الى الحرس الثوري الايراني " ومن يدري ، فلربما ستصل عدوى الاعتقال او الاختطاف عما قريب الى اعضاء السفارة الايرانية ببغداد ايضا . ومن خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل مع الوزيرة  الزائرة في ختام زيارتها للسعودية قال فيه :" نحن نتفق تماما مع الاهداف التي وضعتها الاستراتيجية الامريكية التي نرى انها اذا تحققت يمكن ان تحل المشاكل التي تواجه العراق واننا نبارك الاهداف التي تسعى الخطة لتحقيقها . ونأمل ان تجد الخطة طريقها الى تحقيق هذه الاهداف . ونعرب عن الامل في ان تُسهم الخطة في استئناف جهود الجامعة العربية لتحقيق المصالحة الوطنية في العراق ". وبعد زيارتها الى الرياض انتقلت الوزيرة  رايس الى الكويت لتجتمع بوزراء الخارجية العرب مطالبة دعمهم للخطة الجديدة في العراق .

ويعلق مختلف النقاد ايضا على هذه الخطة مثلما ذهب اليه الديموقرطيون في الكونغرس وعلى رأسهم جوزيف بيدن ، رئيس لجنة العلاقات الخارجية الذي هاجم الخطة مخاطبا وزيرة الخارجية كونداليزا رايس اثناء جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ قائلا :" انها ليست بالحل المطلوب وانها تمثل الخطأ المأساوي لان الرئيس تجاهل توصيات كلا الحزبين والقادة العسكريين وخبراء السياسة الخارجية . ان الامر يُذكرنا بحرب فيتنام وانني اشعر بخيبة امل كبيرة واننا لانجد شيئا في هذه الخطة يغير في الاستراتيجية القديمة ولا يقدم حلا وانها تصّعد الحرب مع ايران وسوريا وليس في العراق . اعتقد انه امر فادح " . ويعلق ناقد آخر بالقول :" ان اخطر ما في خطة بوش هو الضغط على حكومة المالكي بالسماح للقوات الامريكية الدخول الى مدينة الصدر البالغ عددها 2 مليون نسمة لمواجهة مليشيات الصدر وهو ما قد يؤدي الى مزيد من سفك الدماء . كما ان اشراك قوات البيشمركة الكردية الى جانب القوات العراقية هو الامر الخطير الاخر عندما ستلعب هذه القوات الكردية دورا حياديا لان افرادها يجهلون المنطقة ولا يعرفوا لغتها ايضا، وانهم سرعان ما سيكونوا هدفا لضربات الارهابيين التي ما زالت تستهدف القوات الامريكية ." ويكتب معلق آخر قائلا :" ان الوضع في العراق ما زال يشتد سوءا اكثر مما كان عليه الحال منذ عام 2003 . فالصراع الطائفي يتصاعد ما بين الاكثرية الشيعية والاقلية السنية التي ترى انها خسرت السلطة . والامريكان يقفون حائرين امام هذا الوضع وليس باستطاعتهم التاثير على نتائجه . لان المشكلة لا حل لها الا من الداخل العراقي بالوصول الى اتفاق ما بين الشيعة والسنة من خلال الحوار بالضغط على المليشيات التابعة لهم . ان ما يقدمه الامريكان من عمليات دعم ورشاوي سوف لن يقدم الحلول الى حروب اهلية تقع في بلاد اخرى ".

اما سبغينيو برجنسكي مستشارالرئيس الامريكي الاسيق جيمي كارتر فقد علّق على خطة الرئيس بوش مثلما جاء في صحيفة الشرق الاوسط قائلا:" أحسب أن تقييمي الأولي لخطة الرئيس بوش الابن تجاه العراق والتي قدمها مساء الأربعاء الماضي، يذهب إلى أن المنهج ، يبدو وبصورة عامة، خاويا من الناحية التكتيكية، وغير مفيد من الناحية الاستراتيجية. ولنأخذ هنا بدءا، عدد القوات الذي اقترحها الرئيس، فالحكم القاطع هنا أن ذلك العدد لا يمكن ان يوقف التمرد، والسبب هنا بسيط وبديهي، وهو أن وقف التمرد من خلال القوة، يحتاج إلى حشد هائل للقوات. ولذا، فإن حديث بوش في هذا الشأن لا يعدو أن يكون أكثر من محاولة لإرضاء مؤيديه المهووسين. أما على صعيد الرؤية الأشمل لتلك الأزمة، فيقيني أنه يتعين على الولايات المتحدة، وعلى المدى الطويل، مواجهة حقيقة أن وجودها في العراق، يؤجج من لهب النزاع بين السنّة والشيعة، دعك من التمرد الموجود هناك أصلا بسبب وجود القوات الاميركية. ومن هنا، ومن الناحية المنطقية، فالزيادة المقترحة للقوات الاميركية ستؤجج العنف ولن تهدئه  " .

ويضيف برجنسكي قائلا :" هناك بالطبع السؤال المنطقي والملحاح والذاهب الى أنه ليس هناك حل عسكري في العراق، وما يستتبعه من قول بأن ذلك عينه قد أخذ تجلياته في القول الفصل للناخبين الأميركيين في نوفمبر الماضي يوم أن صوتوا لأغلبية ديمقراطية في انتخابات الكونغرس الأخيرة، ومداخلتي هنا على هذا الأمر الواقع، هي أنه ومن الناحية النظرية، يمكن أن نقول إنه من الممكن أن يصبح هناك حل عسكري في العراق، ولكن إذا لم تكن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية، وإذا كان بوسعها نشر نصف مليون جندي في العراق، فيما تقوم بإطلاق أيديهم هناك ليفعلوا ما يشاءون بما في ذلك اللجوء للطرق الوحشية. لكننا، والحمد لله ، بلد ديمقراطي، ولن نفعل ذلك، على الرغم من أن المهوسين في إدارة بوش ومؤيديها من المحافظين الجدد يريدوننا أن نفعل ذلك ونستمر لنهاجم إيران أيضا. وعلى ضفاف هذا الشأن، وعلى ذكر إيران، فهناك الأسئلة التي تلاحقني عن مداهمة قوات اميركية للقنصلية الإيرانية في العراق، وسبب ذلك خاصة أنه أتى بعد يوم من خطاب بوش. وتجدونني هنا، ومن باب الاستغراب، أود أن اعرف أولا وقبل كل شيء ما إذا كان وزير الدفاع الجديد روبرت غيتس على علم بأن عملية المداهمة هذه ستحدث. لأنه وإذا كان على علم بها، فإن ذلك سيطرح تساؤلا حقيقيا حول الوجهة التي تقود هذه الإدارة الولايات المتحدة نحوها، وأعني وجهة باتجاه الحرب مع إيران. أما إذا لم يكن غيتس على علم بذلك، فإن ثمة حاجة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه الجهة المسؤولة، لأن عملية المداهمة هذه تنطوي عليها مؤشرات خطرة ومثيرة لزعزعة الاستقرار في المنطقة ".

ويصف لنا الكاتب المعروف فيليب ستيفانس الوضع في مقالة له بالفينانشيال تايمز البريطانية يقول فيها :" هناك اليوم حربان في العراق. الاولى هي الحرب الموجودة في رأس الرئيس بوش والتي هي الوهم الذي يرى فيه النصر وعدم الاستسلام الى المتطرفين مستقبلا . اما الحرب الثانية فهي تلك التي نراها على شاشات التلفزيون كل يوم في الساحة العراقي حيث سقط فيها اكثر من 3 آلاف جندي امريكي وعدد لا حصر من العراقيين وهي الحرب التي اشار اليها تقرير لجنة بيكر- هاملتون على انها الحرب الحقيقية والخاسرة ضد المتمردين، الامر الذي دفع الشعب الامريكي ان يفقد الثقة بادارة الرئيس بوش يعد ما شاهدناه من الاندحار الذي اصاب الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس الامريكي التي جرت في نوفمبر من العام الماضي ". ويقول كاتب آخر :" لم يحدث ان تعرض رئيسا في الولايات المتحدة لمثل هذا التحدي الكبير والمخيب للآمال في سياسته مثلما يتعرض له الرئيس بوش هذا اليوم . ومن هنا نقول ان الخطة الجديدة تضع كل من الرئيس بوش ورئبس الوزراء المالكي امام الامتحان الصعب والاخير الذي سيحدد مصير كل منهما ولربما سيعرض بلديهما لمخاطر اكبر". ويذهب كاتب آخر بالقول :" وبالخلاصة نستطيع القول ان ما تظهره الثوابت العريضة لهذه الخطة هو جعل العاصمة بغداد مركزا للامن والمصالحة واعادة البناء ، وليس امام القوات المشتركة الا كسر الحلقة الشريرة التي تمسك بالحل السياسي وتجعل منه رهينة للعنف السائد في المدينة"

ويؤكد الكاتب جابر حبيب الجابر في صحيفة الشرق الاوسط على هذا الاتجاه قائلا :" ان تامين المركز وهو في هذه الحالة العاصمة بغداد صار يشكل العنصر الاساسي لاي خطة جديدة لان ذلك اولا هو الوسيلة الوحيدة لتاكيد قدرة الحكومة العراقية على العمل ، والثاني هو اكتساب مصداقية القيادة كعنصر سايكولوجي اساس لاكتساب الطاعة لان ذلك سيرسل رسالة مزدوجة الى الفصائل المسلحة العاملة خارج نطاق الدولة ، الاولى ستطمئن  "المتمردين المعتدلين" من ان الدولة تسلمت زمام الامور وستوفر لهم ما يحتاجونه من حماية لاخراجهم من ساحة العمل المسلح ، والثانية ستتجه الى "المتمردين المتشددين" لتُضعف عويلهم على تدمير السلطة المركزية وتدفع تمردهم الى المناطق الهامشية . لقد فشلت المحاولات السابقة لتامين بغداد والتعامل مع المتمردين ورصفهم في صف واحد بمواجهة الدولة "الضعيفة اصلا". والمفارقة ان ادارة بوش وجدت نفسها لاول مرة متخندقة بشكل كامل مع الحكومة العراقية . الاستراتيجية الامريكية الجديدة ، كما الخطة الامنية الجديدة للحكومة العراقية ، تفترض ان بغداد هي المفتاح وان فهم استراتيجية التمرد المتشدد والارهاب تمثل مدخلا لصياغة اي استراتيجية جديدة للتعاطي معه.وهنا لا بد من حرمان العنف من فرصة تاكيد نفسه يوميا كحقيقة حياتية تطغى على ما سواها واخراجه من الحدود الجغرافية لمركز السياسة والاقتصاد والاعلام حتى تنتقل الحكومة الى نشاطات حكومية اخرى كالاقتصاد وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات ".

وبعد النظر بكل تمعن الى كل من تصريحات السفير الامريكي خليل زلماي زاد ببغداد حول "هيمنة الجماعات السياسية الشيعية على الحكومة العراقية مثل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية وتطويرها لعلاقات وثيقة مع قوات الامن الايرانية" والى رد فعل الرئيس بوش وتصريحاته حول "خطر المليشيات الشيعية على الولايات المتحدة وانها تعادل خطر القاعدة السنية" وكذلك الى الانتقادات الساخنة التي وجهها بعض المشاركين في مؤتمر تقارب المذاهب الاسلامية في الدوحة بقطر مثل الشيخ القرضاوي واحمد الطيب رئيس جامعة الازهر بشأن "خطر محاولات التشيع في مصر"، وعدم نسيان تصريح الرئيس حسني مبارك حول "ان الشيعة في العراق يدينون بالولاء لايران وليس للدولة التي هم فيها "، مع تواصل فتاوى الشيخ السعودي الوهابي عبد الرحمن بن جبرين في تكفير الشيعة ، اضف الى كل ذلك ما جاء مؤخرا في تصريحات الملك عبدالله بن عبد العزيز حسبما نشرته صحيفة الرأي الاردنية تحت عنوان " خادم الحرمين : ايران تُعرّض أمن الخليج للخطر" والتي اشارت ايضا الى "ان ملك السعودية  وجه تحذيرا غير مباشر الى ايران للتخلي عما وصفه بأنها جهود لنشر المذهب الشيعي في العالم العربي عندما قال :" كان القادة السعوديون منذ كانوا وكانت الدولة السعودية يعرفون حدودهم في التعامل مع الدول شرقا وغربا ويقفون عندها. لقد وضعت السيد علي لاريجاني في جوهر هذه التجربة السعودية ونصحته ان ينقل هذا لحكومته واتباعها على صعيد التعاملات الخارجية، لان المخاطر التي تقع ستقع علينا كلنا". كما اضافت الصحيفة بان " مصادر سعودية قالت ان لاريجاني كبير المفاوضين في الملف النووي الايراني زار الرياض هذا الشهر ليطلب مساعدتها مع واشنطن وطمأنة السعودية بشأن البرنامج النووي " ، يصبج من السهل ان نفهم مغزى ما كتبه رياض قهوجي في صحيفة الحياة عندما قال :" ان ادارة الرئيس بوش قررت تصعيد المواجهة مع ايران وذلك من خلال اولا تجييش الشارعين العربي والاسلامي مذهبيا ضد ايران عبر تضخيم وتهويل خطر التمدد الشيعي- الفارسي، وثانيا استدراج طهران الى حرب مع الغرب والدول الاقليمية .ان اعتقال الايرانيين في اربيل ما هو الا حملة لاستفزاز طهران ودفعها للقيام بعمل متهور يشعل الحرب ".

وفي مثل هذا الوقت بالذات يقوم عدنان الدليمي رئيس جبهة التوافق مع رفاق له بالجبهة ، بزيارة الى بروكسل لالقاء كلمة أمام البرلمان الأوربي حسبما جاء في صحيفة الزمان : " بانه يعرض فيها ملفات عمليات الاغتيال والخطف التي نفذتها فرق الموت في بغداد حيث تعد المرة الأولى التي تعرض فيها وثائق قتل العراقيين في جلسة رسمية يعقدها البرلمان الاوربي ". وتضيف الصحيفة :" سبق وان طالبت هيئة حقوقية عراقية من خلال مؤتمر تأسيسي في بروكسل بجمع وثائق تدين المسؤولين العراقيين بجرائم ابادة وقتل .وان زيارة الدليمي جاءت تلبية لدعوة رسمية وُجهت له من رئاسة الاتحاد الاوربي. وان الدليمي حمل معه مجموعة من الوثائق والملفات عن الجرائم التي تقوم بها المليشيات الارهابية وفرق الموت ومن يساندها من الاجهزة الامنية الحكومية وعن الدعم والتوجيه الخارجي لتلك المليشيات وجرائم الابادة التي يتعرض لها أهل السنة في العراق " .

فهل ان دعوة عدنان الدليمي الى البرلمان الاوربي تقع ضمن تلك التحركات والتوجيهات الجديدة التي قررتها الادارة الامريكية لتصعيد المواجهة مع ايران وهل ان زيارته التي يلفها الغموض قد جاءت حقا بدعوة رسمية مثلما تقول صحيفة الزمان ؟ ومثلما قارن الكاتب رشيد الخيون حماسة الدليمي في مؤتمر اسطنبول كما مر بنا ، فهل سيتجلى خطاب الدليمي امام البرلمان الاوربي باكثرحماسة من تلك الحماسة التي ذكّرتنا بحماسة شاعرنا الجاهلي عمر بن كلثوم ؟ وهل انه سيغتنم  هذه الفرصة مثلما اغتنمها في مناشدة المحيط العربي السني في عمان ليثير " فزع مستمعيه بنبرة صوته الحادة ودمعة الاثارة الساكبة عن ان الشيعة يسحقون السنة باقدامهم " ، ويناشد الاوروبيين هذه المرة كما قال رياض قهوجي :" تصعيد المواجهة التي قررتها ادارة الرئيس بوش لاستدراج طهران الى حرب مع الغرب والدول الاقليمية " من خلال مناشدته  " وقف جرائم الابادة التي يتعرض لها اهل السنة بالعراق" ، "ويعطي الفرصة من جديد لرافعي رايات الفتنة من خارج العراق ولعصابات الفتنة في داخله من اشرار الطائفيين الذين من الواجب الوطني والفقهي فضحهما ؟" (  صحيفة الزمان عن زيارة عدنان الدليمي الى بروكسل 31 يناير 2007) و( راجع كلمة رشيد الخيون في صحيفة الشرق الاوسط التي وردت في نفس هذا الجزء في اعلاه ) و (رياض قهوجي في صحيفة الحياة في اعلاه).

لقد حان الوقت ان نناشد القادة في المملكة العربية السعودية قبل غيرها من دول المنطقة ، لما للمملكة من مكانة دولية مرموقة وثقل سياسي ومصالح حيوية راسخة مع الغرب وبالاخص مع الولايات المتحدة ، الوقوف بكل شجاعة لدعوة جميع الاطراف ذات العلاقة بالأزمة العراقية الى الدخول في حوار جدي للوصول الى حل مبرمج ومقبول للجميع ، بدلا من الاصطفاف خلف التحالف السني ضد التحالف الشيعي دعما للتوجه الامريكي في تشكيل جبهة من قبل السعودية والاردن ومصر ودول الخليج للوقوف بوجه ايران او السماح لرجال الدين السعوديين الاستمرار باطلاق فتاويهم  بتكفير المسلمين الاخرين او او ترديد شعارات الادانة والتحذير من نشر المذهب الشيعي في العالم السني العربي  . ان الدور الذي ننتظره من قادة الارض المقدسة هو ليس بغريب عنها ، بعد ان بادرت المملكة بقيادة الملك عبد الله بن عبد العزيز الى دعوة الاطراف الفلسطينية للحوار في مكة المكرمة ومناشدتهم تحكيم العقل وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح .

وما من شك ان القضية العراقية اصبحت تحظى باهتمامات مماثلة ، ان لم تكن اكبر، من قبل القادة في المملكة الذين اصبح من مهماتهم معرفة العمل فيما وراء الاكتفاء بالتاكيد الصادر من مجلس الوزراء السعودي على حرص المملكة على وحدة العراق وسيادته او تشديد سفير المملكة في واشنطن على عدم انحياز الحكومة السعودية لاي طرف في العراق على حساب الطرف الاخر. ان المطلوب منهم اليوم هو معرفة المشاركة في صناعة السلام والخروج الى ميدان العمل التاريخي المشرف للمطالبة بعقد مؤتمر ، وهو اقتراح ليس بجديد وتطلبه عدة اطراف ، على ارض المملكة السعودية نفسها او في الاردن او في فيينا او جنيف مثلا تحضره الاطراف الرئيسية ذات العلاقة بالقضية العراقية من اجل العمل على تحقيق الامن والاستقرار والرخاء لشعوب المنطقة بعد الوصول الى نتيجة مشرفة تجنب المنطقة بكاملها ويلات الحرب فيما لو شنت امريكا هجوما على ايران ، فانها سوف تحرق وتدمر الجميع وبالاخص الدول ذات المصالح النفطية الكبيرة في الخليج قبل غيرها. وعندما تقع الكارثة ، يتحقق صدام الحضارات وهو ما تنبأ به هنتينغتون وذهبت اليه مخاوف اخرين بعد ان يُغلق مضيق هرمز وينقطع النفط عن العالم ويرتفع سعر النفط الى 150 دولارا للبرميل .

نعم ، هذا هو الانسان السعودي او العربي الاصيل الذي  يريد ان يعرفه العراقيون امثال الامير تركي الفيصل لا نواف عبيد وامثال اخوته الذين يتنقلون في الدول العربية واوربا ويواصلون دعم الارهاب والمطالبة بنقل السلاح والاموال لمحاربة "الشعوبيين والصفويين" والتحريض على الفتنة واشعال نار الحرب الاهلية وسفك الدماء داخل العراق.  لقد مللّنا هذه المهاترات والاحقاد ، فهل هناك من مسلم غيور يستمع ويفزع وينتخي ؟ ام ان ثروة النفط الزائفة أفسدت قيم العروبة والاسلام الاصيلة ؟ اننا نناشد اولا قادة العقل ورجال الدين الحكماء والنخب الاكاديمية في الخليج والسعودية وكذلك حتى هؤلاء المتشددين المتعصبين من رجال العقيدة فيها الذين ما زالوا يعيشون في اوهام ومتاهات العصور الوسطى يحملون سيوفهم وافكارهم التي عفا عليها الزمن ، ان يتقوا الله ويرجعوا الى كتابه الحكيم ويستمعوا اليه جيدا ، وإن لم  يستمعوا ، "وسيعلم الذين ظلموا ايّ منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين " ، صدق الله العظيم .

ولا ندري ان كانت تلك التحركات والتصريحات تكفي لتصعيد المواجهة التي قررتها ادارة الرئيس بوش مع ايران ، مثلما اشار الى ذلك رياض قهوجي ،  ام ان كل ذلك يعني ان الرئيس بوش بدأ العمل بالفعل من جديد بتجربة نفس السيناريو الذي بدأه الرئيس بوش الاب عام 1991 وعلى ضوء توجيهات نفس الاطراف حول التغلغل الايراني في العراق والمنطقة العربية وقيام الهلال الشيعي وان الشيعة سيقُيمون دولتهم الدينية في العراق على غرار النموذج الايراني . ومن هنا نفهم كيف ان تلك التحركات والتصريحات العربية قد أفلحت في الانقلاب على المساعي العراقية وغيرها حول الوصول الى اتفاق ما بين ايران وواشنطن ، منذ ان اثارت الرعب في كواليس مؤتمر وزراء الخارجية العرب المجتمعين للتحضير الى مؤتمر القمة العربية  في مارس آذار بالخرطوم آنذاك ، والسير في حشد الجهود لتشكيل جبهة حسب تصريح راجح الخوري في القناة اللبنانية أي ان بي حول  المؤتمر . فهل سيفلح العراقيون بجدوى مواصلة مساعيهم من جديد عند زيارة بعض مسئووليهم  المرتقبة الى طهران في شهر فبراير القادم ؟

ومما لاشك فيه ، ومثلما اشار اليه سبغنيو برجنسكي مستشار الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر في تصريحه في اعلاه " ان المهوسين في ادارة بوش ومؤيديها من المحافظين الجدد يريدوننا ان نفعل ذلك ونستمر لنهاجم ايران ايضا . ان كل ذلك ينطوي على مؤشرات خطرة ومثيرة لزعزعة الاستقرار في المنطقة " .

وفي الختام يحدثنا المفكر الامريكي الشهير فرانسيس فوكوياما بمقالة له بالغارديان البريطانية عن التحدي الايراني الكبير الذي باتت تواجهه الولايات المتحدة الامريكية جاء فيها :" من الظاهر ان المحافظين الجدد في ادارة الرئيس بوش قد استوعبوا الدرس العراقي في تعاملهم مع برنامج ايران النووي . لان ايران باتت تشكل تحديا كبيرا امام الولايات المتحدة وامام اصدقائها في منطقة  الشرق الاوسط . ايران ليست مثل القاعدة ، فهي دولة ذات قوة اقليمية صاعدة وذات تاريخ راسخ في القدم . وان لدى ايران الكثير من المصادر الطبيعية ويدير شئوونها نظام اسلامي متطرف وبالاخص بعد انتخاب احمدي نجاد رئيسا للجمهورية في يونيو 2005 . ولسوء الحظ ان امريكا نفسها شجعت على صعود ايران كقوة في المنطقة على اثر غزوها للعراق وذلك بعد القضاء على حزب البعث الذي كان يلعب دور التوازن امام ايران ويقف بوجه الاحزاب الشيعية القريبة منها ، مما شجع كل ذلك ايران بالاستمرار في الحصول على الطاقة النووية ، رغم اعلانها بان مسعاها هو من اجل الاغراض السلمية . ومما لا شك فيه ان ايران مع وجود القنبلة النووية ، سيجعلها تشعر بالامان اكثر من عدم وجودها لديها . ومن هنا تنطلق الولايات المتحدة في استراتيجيتها البديلة بالتعامل مع ايران لانها اصبحت قلما ترى ما يشجعها على استخدام القوة بالهجوم على بلد آخر وبالاخص ايران التي هي اكبر بثلاث مرات من مساحة العراق . ان هجوما ياتي بالقصف الجوي قد لا يؤدي الى تغيير السلطة في ايران . كما ان علينا ان نعلم ان المعلومات التي تحصل عليها المخابرات الامريكية حول المشروع النووي الايراني هي ليست بافضل مما كانت تحصل عليه من معلومات بخصوص اسلحة الدمار الشامل . وان مثل هذا الهجوم الجوي على ايران سوف يعزز من بقاء النظام الايراني ودعمه اكثر من اسقاطه وسوف يعمل على تصاعد عمليات الارهاب والهجوم على المصالح الامريكية واصدقائها في جميع انحاء العالم ، بالاضافة الى ان امريكا ستجد نفسها معزولة  في هذه الحرب اكثر من عزلتها التي وقعت فيها بعد غزو العراق ، وسوف لن يبقى احد الى جانبها غير حليفتها اسرائيل" .

ويواصل فوكوياما كلامه بالقول :" واذا ما اخذنا جميع هذه المؤشرات بنظر الاعتبار، الى جانب ما يجري اليوم في العراق ، فاننا سنعرف لماذا امتنع المحافظون الجدد من الاستمرار في التفكير بتوجيه الضربة العسكرية ضد ايران ، رغم ان البعض منهم ما زال يعتقد ان ايران تشكل خطرا اكثر من ذلك الذي كان يشكله العراق ، مع علمهم الاكيد ان ما قاموا به وتطلعوا اليه قد ادى الى فقدان امريكا لمصداقيتها وقلّل من امكانياتها بالوقوف على نحو اقوى ضد ايران" . ويضيف فوكوياما قائلا :" ومهما قيل عن ايران ، فانني اعتقد ان هناك من الاسباب التي تدعو الى ان نكون اقلا تخوفا ، لان ايران بعد كل هذا هي دولة اقليمية وليس دولة ذات قوة عالمية وانها يجب ان تُمنع من الدول الاخرى ذات الاسلحة النووية . ومما يثير الاستغراب ، ان اساس التفكير في موقف المحافظين الجدد نحو ايران ، ومهما حصل عليه من التغيير ولو قليلا ، ينطلق من نفس الافكار التي اتخذتها الادارة الامريكية بشأن العراق عام 2002 ، بالرغم من الاحداث الجارية منذ الخمس سنوات الماضية والفشل الذريع للسياسات التي بشر بها هؤلاء المحافظون الجدد . لكن الذي تغير فقط ، هو رغبة الرأي العام الامريكي في استمراره بالاستماع الى هؤلاء المحافظين الجدد " .

 (صحيفة الهيرالد تربيون الامريكية( 4و 11يناير 2007)و( صحيفة الانديبندنت البريطانية 6 و 7 و 11و12 يناير 2007) و( صحيفة اليواس تودي 11و12 يناير2007)و(صحيفة الول ستريت جورنال الامريكية 12 يناير 2007)و( جوناثان ستيل حول لاخيار عسكري لحل الاومة بل الحل السياسي هو الوحيد صحيفة الغارديان البريطانية 12 ينابر 2007)و( صحيفة التايمز اليريطانية12 يناير 2007)و( صحيفة اللوموند الفرنسية12 يناير 2007)و( صحيفة الفاينانشيال تايمز اللندنية 12 يناير2007 )و(صحيفة الديلي ميل البريطانية 12 يناير 2007)و( صحيفة الزمان 15 يناير 2007)و( رياض قهوجي في صحيفة الحياة 13و15و16و17 يناير2007)و( سبغنيو بريزنسكي صحيفة الشرق الاوسط 12و13و14و15 يناير 2007)ز( صحيفة النيويورك تايمز 15 يناير 2007) و( مباشر من قناة فضائية ال سي ان ان والحرة عن خطاب الرئيس بوش للامة ووقائع جلسة الاستماع الى وزيرة الخارجية الامريكية امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الامريكي10 و 11 يناير 2007 ) و ( تصريح مستشار رئيس الوزراء نوري المالكي في قناة الفضائية الشرقية) و(صحيفة التايمز اللندنية 26 اكتوبر 2006 و17 يناير 2007 حول كلمة رئيس الوزراء نوري المالكي في اعضاء الهيئات الدبلوماسية بالمنطقة الخضراء) و( صحيفة القبس الكويتية 19 يناير 2007 ) و( النقل المباشر لجلسة مجلس النواب وبيان رئيس الوزراء نوري المالكي في المجلس  للتصويت على الخطة الامنية الجديدة 25 يناير 2007 )و( صحيفة الصباح 27 يناير 2007 ) و(خطاب الرئيس بوش عن حالة الاتحاد في صحيفة الغارديان والواشنطن بوست والفاينانشيال تايمز في 24 يناير 2007 ) و( جو كاستون في اشد انتقاد يوجهه ناقد الى الرئيس بوش في الواشنطن بوست 25 يناير 2007 ) و(صحيفة الراي الاردنية حول تصريح  ملك السعودية 28 يناير 2007 ) و( وقائع مؤتمر تقارب المذاهب الاسلامية ، صحيفة الوطن القطرية وصحيفة الحياة 21و22 يناير 2007 ) و( تصريحات السفير الامريكي ببغداد في صحيفة البيان الاماراتية 25 يناير 2007 )و( راجع فتاوى الشيخ عبد الرحمن بن جبرين على صفحة الانترنت)و( راجع التمهيد حول سيناريو الرئيس بوش الاب عام 1991  ) و( امين هويدي الاقصاء السياسي يفاقم المشكلة في صحيفة الشرق الاوسط 24 يناير 2007)و( صحيفة الصباح حول تاكيد مجلس الوزراء السعودي على حرص المملكة 24 يناير 2007 ) و( صحيفة النيويورك تايمز حول تجديد الرئيس بوش التزامه بالسياسة الهجومية ضد العملاء الايرانيين 26 يناير 2007) ( صحيفة البيان الاماراتية حول صدور مرسوم ملكي سعودي بقبول استقالة الامير تركي الفيصل من منصبه كسفير للسعودية في واشنطن وتعيين عادل الجبير خلفا له 30 يناير 2007 ) و( مارتن وولف في الفاينانشيال تايمز البريطانية حول انقسام العالم ما بين النجاح الاقتصاد والفوضى السياسية 31 يناير 2007 )و( فرانسيس فوكوياما في مقالة بعنوان " المحافظون الجدد لم يتعلموا من السنوات الخمس التي ادت الى الكارثة . لقد كان احتلال العراق مأساويا واليوم هم يريدون الدخول في مأساة جديدة بالهجوم على ايران" في صحيفة الغارديان البريطانية 31 يناير 2007 وراجع ايضا الفصل الثالث ب 3 حول افكار فوكوياما وفي الفصل الثاني أ و ج عن فشل سياسة الهيمنة الامريكية ) .

وما أن أُعلن عن تنفيذ حكم الاعدام بأعوان صدام حسين ، برزان التكريتي وعواد البندر فجر يوم الاثنين الخامس عشر من يناير 2007 ، حتى شهدت العاصمة بغداد الجريحة في اليوم التالي أعنف الهجمات دموية في مجزرة مروعة سقط فيها اكثر من 115 شهيد و200 جريح من بينهم 65 شهيد و140 جريح في هجوم انتحاري وتفجير باص صغير إستهدف طلاب الجامعة المستنصرية وموظفيها الابرياء امام الباحة الامامية للجامعة التي تحولت الى مستنقع من الدم اختلطت فيه كتب الطلبة واوراق محاضراتهم واقلامهم وتلفوناتهم اليدوية التي كانت ترن باستمرار. ولقد سارع رئيس الوزراء نوري المالكي بالتصريح قائلا :" ان هذه الهجمات جاءت ردا من قبل "الارهابيين الصداميين" الذين ثأروا لاعدام اعوان صدام واننا سنقتص من المسئوول عنها" . كما عبر رئيس الجامعة المستنصرية تقي الموسوي قائلا :" ان الارهابيين يريدون وقف الدراسة في الجامعة" ( مباشر من اكثر الفضاءيات العربية 17 يناير 2007 ) وصحيفة ( الحياة والزمان والصباح والشرق الاوسط 17 يناير 2007 ) حول الدور الذي تلعبه مؤسسة هيريتاج اليمينية في اغراق المنطقة في الفوضى وعدم الاستقرار  .

وبعد ان استقبل العراقيون العام الجديد 2007 ، يقف الجميع بارادة صلبة في مواجهة كل التحديات من ارهاب وطائفية واحتلال ، منذ ان تطلعوا طويلا الى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ومشروع المصالحة بانتظار النصر المرتقب الذي ستحققه هذه المعركة الفاصلة ببغداد او ما نسميه بالعامية "بالهدة" الاخيرة ، في الوقت الذي انتشر فيه العنف مثل الوباء بين مختلف المليشيات والجميع منقسمون طائفيا وعرقيا على اكثر من خط، ولم يبق امام الحكومة الا عمل المستحيل رغم ما يُشاع عنها من "ضعف وعدم قدرة في تجاوز حدود المنطقة الخضراء" . ويبقى الامل الكبير وهم ينتظرون الخطوات القادمة المتمثلة في تنفيد ما جاء في بيان برنامج حكومة المالكي وتوصيات لجان مؤتمر المصالحة الوطنية ، لتحقيق ما يصبون اليه من تعزيز المسيرة الديموقراطية واستكمال تشكيل القوات العراقية وبناء العراق الجديد واعادة الامن الاستقرار والمطالبة بانسحاب القوات المتعددة الجنسيات من العراق في وقت تعددت فيه مآسيهم واشتدت معاناتهم وازدادت احزانهم وكثر سفك دمائهم وطال انتظارهم للخروج من هذه الكارثة الكبيرة ، الى جانب الفقر والتخلف والقهر الذي خلّفه الاستعمار العثماني البغيض واستغلال الاستعمار البريطاني وظلم الحكم الدكتاتوري القمعي البائد والمعاناة من الحصار الامريكي الطويل والدمار والمأساة التي حلّت بعد الاحتلال الامريكي المُذل منذ ما يقرب الاربع سنوات واستمرار الارهاب وتواصل اشعال الفتن الطائفية والفتاوى التكفيرية والفوضى المنذرة بالحرب الاهلية  في كل ساعة .

 وما علينا إلا ان نردد مع  الكاتب العراقي رشيد الخيون :" لا تجعلوا الثارات تمنع خطوة التأسيس التي لا تتكرر لهذا الجيل ولا للاجيال القادمة ". وان غدا لناظره قريب .

ارسل الصفحة الى صديق العودة الى صفحة المرصد للاتصال بنا اطبع هذه الصفحة