التخطي إلى المحتوى

جواد عليّان – اكتسب “النموذج السويدي” الذي ارتكز على نظام اقتصادي خلط بين محاسن الاشتراكية والرأسمالية شهرة عالمية منذ عقود عديدة. فقد تمكن هذا النموذج من تحقيق مستويات معيشة مرتفعة، كما امتاز بقدرة خاصة على الموازنة بين ضرورات النمو الاقتصادي واعتبارات العدالة الاجتماعية لفترة تزيد عن اربعة عقود (1950 – 1990). وما زال هذا الامر محققاً حتى وقتنا الراهن وإن بنسب أقل عما في السابق.

واليوم، ورغم الحجم الملحوظ للتغيرات البنيوية في هيكل هذا النموذج، او دولة الرفاهية ابتداء من مطلع التسعينات، وتحديداً انطلاقاً من عام 1991 (خفض معدلات التأمينات الاجتماعية)، الا ان الدراسات العلمية الحديثة تظهر ان النموذج السويدي او دولة الرفاهية في السويد، والتي تشبه الى حد بعيد نماذج الرفاهية في بقية الدول الاسكندينافية (الدانمرك والنروج وفنلندا وإيسلندا)، ما زالت تصنف كأفضل انظمة اقتصادية اجتماعية في العالم.

ويُلخّص “النموذج السويدي” بالشراكة الفعالة بين اطراف الانتاج (ارباب العمل والعمال) القائمة على التسوية التاريخية بين عنصري الرأسمال والعمل والتي استطاعت ان تؤمن تكافلاً متبادلاً واستقراراً في العلاقة بين الطرفين، وذلك بهدف ضمان تزايد معدلات النمو الاقتصادي من جهة وتأمين التشغيل الكامل (العمالة الكاملة) من جهة ثانية. اما العنصر الثاني والاساسي المكون لهذا النموذج فيتمثل بنظام الرفاهية الشاملة (التأمينات الشاملة) لجميع المواطنين وذلك من خلال اعتماد آلية تحويل المداخيل والمساعدات وتوزيعها بين فئات المجتمع بشكل عادل.

وقد لعبت الدولة ادواراً تدخلية كبيرة في هذا النموذج، خصوصاً التدخل في سير العملية الانتاجية واضطلاعها بمسؤوليات التشغيل او العمالة الكاملة، كما عملت الدولة على تحسين دور العمال وزيادة قوة تأثيرهم، خصوصاً خلال عقدي السبعينات والثمانينات.

وتجدر الاشارة الى ان الحزب الديموقراطي الاشتراكي الذي يتولى السلطة حالياً قد بدأ منذ عام 1932 خطواته الاولى في اتجاه بناء “دولة الشعب” ثم المباشرة بإرساء “النموذج السويدي” تدريجياً اعتباراً منذ عام .1944 بعدها تابعت الحكومات التي سيطر عليها الحزب المذكور السير قدماً باتجاه اعتماد سياسات اجتماعية انتجت نظام تأمينات شاملاً (الاعانة النقدية السكنية عام ،1939 الاعانة النقدية للاطفال عام 1937 و…1948). اما التوسع الكبير الفعلي في نظام الرفاه الاجتماعي، فقد حدث خلال الفترة الممتدة من عام 1950 وحتى عام ،1970 حيث تزايدت التشريعات المتعلقة بالتعليم ورعاية الاطفال والمسنين، وقد ساعد تزايد معدلات النمو الاقتصادي طيلة الفترة المذكورة على تحقيق ذلك (…)

واليوم يواجه “النموذج السويدي” تحديات متعددة وضاغطة على المستوى الداخلي (تضخم اعداد الاشخاص القادرين على العمل والذين يعتمدون على اعانات مختلفة يؤمنها هذا النظام، تزايد اعداد الاشخاص الراغبين بالتقاعد المبكّر، تزايد الاشخاص الذين يتقاضون تعويضات مرضية…). هذا عدا عن ان المشكلة الكبيرة المطروحة اليوم تتعلق بكيفية تمويل دولة الرفاهية في المستقبل ذات الخدمات والاعانات الواسعة (…).

ورغم ان الحزب الديموقراطي الاشتراكي استعاد زمام السلطة ابتداء من العام 1994 واعاد، كما يعلن في خطابه السياسي، دولة الرفاهية الى نصابها، وهو ما زال يستخدم مصطلح “النموذج السويدي” ويردد مفرداته التقليدية (مجتمع الامان والتكافل، العدالة والمساواة) وكأن شيئاً لم يتغير قط في هذا النموذج لجهة مستوى التأمينات الاجتماعية ومعدلات الرفاهية. هذا في وقت تعتبر فيه الاحزاب اليمينية ان  نموذج الرفاهية السويدية يزداد رداءة” (فهي ترى ان في السويد أعلى ضرائب في العالم ولكن ليس افضل دولة رفاهية في العالم)، كما تعتقد هذه الاحزاب ان هذا النموذج قد استهلك.

وفي الواقع إن كلا الطرفين (الاحزاب اليمينية والحزب الديموقراطي) يبالغان في وصف “النموذج السويدي”. اي ان الاحزاب اليمينية تحاول التقليل من فاعلية هذا النموذج والتحسن الفعلي الذي تحقق في مستويات المعيشة ابتداء من 1994 حتى اليوم (انخفاض معدلات البطالة، ارتفاع معدلات النمو وتحسن المالية العامة)، بينما على العكس من ذلك يحاول الحزب الديموقراطي الاشتراكي تضخيم ميزات هذا النموذج وتالياً تضخيم ما استطاع تحقيقه من انجازات اقتصادية واجتماعية منذ ان استعاد زمام السلطة عام .1994

فاذا كان صحيحاً ان “النموذج السويدي” او دولة الرفاهية الشاملة شهدت انحساراً ملموساً في مستويات الامان الاجتماعي والعدالة والمساواة عما كانت عليه في السابق، واذا كان صحيحاً ان القدرة الشرائية للطبقة الوسطى تراجعت وانخفضت قدراتها الادخارية، كما ان الرعاية الصحية والتعليم ورعاية الاطفال والمسنين تسير بكفاية وفاعلية اقل مما كانت عليه في السنوات السابقة، الا ان الصحيح ايضاً ان نوعية الحياة ومستويات المعيشة ومعدلات التنمية البشرية في السويد ودول اسكندينافيا الاخرى ما زالت من أعلى المستويات المحققة في العالم. فقد أكد التقرير السنوي (2002) الصادر عن برنامج التنمية للامم المتحدة UNDP)) ان السويد والنروج تأتيان في طليعة البلدان المحققة للتنمية البشرية. كما أكد تقرير آخر مختص باداء دولة الرفاهية صادر عن الاتحاد الاوروبي عام ،2003 ان بلدان الشمال او اوروبا الشمالية تستخدم اكبر جزء من انتاجها القومي للانفاق الاجتماعي (خدمات اجتماعية، دعم سياسات سوق عمل فعال او ناشط، سياسات لدعم الاسر). كذلك أظهر التقرير نفسه ان في دول شمال اوروبا افضل معدلات اعادة توزيع المداخيل. هذا عدا عن ان انظمة الرفاهية، يضيف التقرير، في هذه البلدان ومستوى خدماتها هي اكثر عدالة مقارنة مع بقية دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة.

وفي الختام، ورغم ان المضامين الاجتماعية لـ”النموذج السويدي” شهدت تقلصاً (تأمينات اجتماعية اقل وحقوق وتعويضات عمالية اقل) ورغم حجم التحديات الداخلية والخارجية الضاغطة وانحسار قدرة الدولة على التأثير في العملية الانتاجية والتوسع في السياسات الاجتماعية، غير ان الواضح ان الدولة، التي تمسك بنسبة  كبيرة بمجمل مسار التطورات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، ما زالت تجهد بهدف الموازنة بين الاعتبارات الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية. ليس فقط بسبب ارتفاع نسبة الكهولة في المجتمع السويدي، او لان المجتمع إعتاد على نظام اقتصادي واجتماعي تكافلي قائم على العدالة التوزيعية للثروات والمداخيل، بل لأن الناخب السويدي، وقبل كل شيء، يعي حقوقه ومكتسباته. وهو ما زال يتمسك بهذا النظام الذي امّن له رفاهية مرتفعة. اما كيف ستواجه الدولة والمجتمع التحديات الداخلية فهذا امر لا يمكن تحديده او الاجابة عنه مسبقاً. ولكن غالب الظن، ان المناقشات العامة سوف تستمر وتتواصل لايجاد مخارج او حلول مرنة وعقلانية تأخذ في الاعتبار التوازن التقليدي بين ثلاثة امور رئيسة: عمالة مرتفعة ونمو متزايد ومجتمع رفاهية.

وفي لبنان هل سيعي “المواطن اللبناني” حقوقه في حياة كريمة (طبابة، تعليم، سكن، ضمان شيخوخة) ويجاهد من أجلها، وبالتالي لا يرضى، دائماً، باستبدالها باعتبارات طائفية وزعامية و”اقليمية” واهمة او خادعة؟ وهل سيرضى اللبنانيون ان تبقى شؤون حياتهم اليومية والملحة بعيدة عن سلم اولويات “امراء الطوائف” فيبقون باسمهم احراراً بالتصرف في المال العام والثروات الوطنية ومؤسسات الدولة وسلطاتها، وهم لا يزدادون سوى فقراً ويأساً؟ أليس امراً ملحاً في لبنان ان يعي راسمو “السياسات” ومتخذو القرارات في الحقل السياسي والاداري ان المزيد من الانفتاح والتكيف مع خطاب السوق ومقتضيات العولمة لا يفرض ابداً ابتعاد الدولة عن ادوار تدخلية من شأنها تحقيق توازنات اجتماعية واقتصادية ضرورية وداعمة للاستقرار السياسي والامني نفسه، خصوصاً في مجتمع “نزاعي” كالمجتمع اللبناني؟ وكذلك فإن متطلبات تقوية قطاع الخدمات وفتح الابواب امام التجارة الحرة لا تقضي بترك مسار الاقتصاد للتلقائية وتالياً شيوع “الجهل العام” بمكنوناته واحتياجاته واتجهاته.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *