قانون
الاحوال
الشخصية العراقي : الضرورة ومتطلبات التطوير
هادي محمود- باحث عراقي مقيم في
هولندا
استهلال تاريخي
تناولت الشريعة الاسلامية مواضيع الاحوال الشخصية “الزواج وانحلاله -
الطلاق والتفريق والخلع - ونتائجهما، الولاية والوصاية، الارث” في أحكام عامة مبثوثة
اساساً في القرآن، بالدرجة الاولى، الذي يعتبر المصدر الاول والاساسي من مصادر
الفقه، وتليه بالدرجة الثانية السنة النبوية اي ما ورد عن النبي من قول وفعل
وتقرير. وقد جرى تدوين الحديث بعد ان امر الخليفة عمر بن عبد العزيز(62-101ه ( بالشروع في تدوينه (1) .
ولكن جرى جمع الحديث في عصر اتباع التابعين من عاصروا البخاري
المتوفي256ه. اي ان كتب الحديث الستة “البخاري ومسلم المتوفي261ه والترمذي275ه
وابي داود275ه وابن ماجة
والنسائي307ه” قد جرى جمعها بعد وفاة النبي بثلاثة قرون(2) .
والجدير بالذكر أن الآيات القرآنية المتعلقة بالاحوال الشخصية والتي
تأتي ضمن نطاق آيات الأحكام تصل الى نحو70آية، من أصل ستة آلاف آية في القرآن
عموماً(3) .
في عهد النبي كانت سلطة التشريع والقضاء والفُتْيا في كل ماكان يواجه
المسلمين من قضايا يومية وحياتية تتعلق بالمنازعات المتعلقة بالحقوق فيما بينهم،
بما في ذلك قضايا الاحوال الشخصية، بيد النبي نفسه لكونه المرجع في ذلك.
لم يترك النبي لاصحابه فقهاً مدوناً، وانما ترك جملة من الاصول
والقواعد الكلية، ومن الاحكام الجزئية والاقضية، في القرآن الذي جرى جمعه وتدوينه
في مصحف واحد في عهد ابي بكر بعد معركة اليمامة التي قتل فيها عدد كبير من الصحابة
من حفظة القرآن.
وبعد ان امتد سلطان المسلمين الى خارج الجزيرة العربية، وجد المسلمون
في تلك المجتمعات الجديدة التي استوطنوا فيها ثقافة جديدة، ووقائع وعادات جديدة في
مختلف مجالات المعاملات، وبشكل لم تستوعبها آيات الاحكام الجزئية الواردة في
القرآن. ولكون النصوص متناهية وحاجات الناس أمور غير
متناهية، كان لابد لفقهاء المسلمين من ان يلجأوا الى الاحكام العامة وما أطلقوا
عليه مقاصد الشريعة الاسلامية لايجاد اجوبة شافية لتلك المستجدات. وبالتالي فان
المصادر الاخرى للشريعة الاسلامية والتي تناولتها اصول الفقه الاسلامي كالاجتهاد
والاجماع
والقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع لا تشكل سوى مجهود
بشري ضمن سياق المنظومة الفكرية السائدة في تلك المجتمعات.
وعلى هذا الاساس وعلى أثر الحاجات الضرورية التي كانت تظهر تباعاً
بصورة تدريجية دون ان يكون لها حكم شرعي في القرآن او في السنة، تطور الفقه
الاسلامي بما في ذلك نطاق الاحوال الشخصية “الانكحة والمواريث”. ولم يكن هذا
التطور في مجال الحالات التي لم يجد الفقهاء حكماً لها في المصدرين الرئيسيين فقط،
ففي ذروة تطور الفقه الاسلامي وعلى ضوء المستجدات الحياتية الجديدة وجد التنوع
الفقهي في فهم النصوص المقدسة في القرآن وفي السنة، وذلك انطلاقاً من التعامل مع
النص المقدس كمعطى لغوي، اضافة الى ظهور الدراسات في مجال الحديث وتقسيمه الى
المصنفات والاثار.
لقد اوجدت هذه المستجدات تنوعاً في الفتاوى المتعلقة بالحالة او القضية
الواحدة. وتتابع الامر الى التنوع في احكام القضاء، وخاصة بعد ظهور المدارس
الفقهية “مدرسة أهل الرأي في العراق والتي تزعمها ابو حنيفة النعمان80-150 ه ،
ومدرسة اهل الحديث في الحجاز، وتزعمها الامام مالك93-179 ه”، اعقبها تبلور
المذاهب الفقهية “الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنبلية، الشيعة الزيدية،
الجعفرية الاثني عشرية، الاباضية”، فضلاً عن مذاهب اخرى مندرسة حيث ان من المذاهب
ما اندرس بموت اصحابها او بعد موتهم بقليل او كثير. ومن هذه المذاهب مذهب الامام
الاوزاعي88-157 ه ، وسفيان الثوري97-161 ه ، والليث بن سعد المتوفي في مصر
عام175 ه وداود الظاهري صاحب المذهب الظاهري200-270 ه (4) .
وفي ظل هذا التنوع الفقهي من جهة وتبلور الامبراطورية الاسلامية
وحاجاتها كدولة، وجدت الحاجة لتقنين الاحكام الشرعية لكي يتقيد القضاء الاسلامي
باحكام مقننة معينة لكي يعلم الناس سلفاً ما تخضع له معاملاتهم وعقودهم من
الاحكام، فيكونوا على بصيرة من صحتها وفسادها.
من أوائل الذين أدركوا هذه الحاجة ابن المقفع الذي أشار على الخليفة
العباسي أبي جعفر المنصور، أن يوحد ما يقضي به بين الناس في قانون يدونه ويختاره
من آراء القضاة المجتهدين والفقهاء في ذلك العصر بعد تمحيصها والترجيح بينها.
بيَّن ابن المقفع في رسالته المسماة “رسالة الصحابة” -(الرسالة
المنشورة في كتاب “جمهرة رسائل العرب” للاستاذ احمد زكي صفوة ( ج3 رقم الرسالة26) -حال اختلاف القضاة
المجتهدين، وكيف ان الامر الواحد يقضي فيه احد القضاة المجتهدين برأي، ويقضي غيره
في نظيره بخلافه، في الأموال والأنكحة وغيرها. وقال في رسالته:
“فلو رأى امير المؤمنين ان يأمر بهذه الأقضية والسنن المختلفة، فترفع
اليه في كتاب، ويرفع ما يحتج به كل قوم من سنة او قياس، ثم نظر امير المؤمنين في
ذلك، وامضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم له عليه، وينهى عن القضاء
بخلافه، وكتب بذلك جامعاً عزماً، لرجونا ان يجعل الله هذه الاحكام المختلطة الصواب
بالخطأ حكماً واحداً صواباً”.
وقد اراد ابو جعفر المنصور ومن بعده الرشيد ان يختار مذهب الامام مالك
وكتابه “الموطأ” -جمع فيه احاديث مرسلة ومتصلة وفتاوي الصحابة واقضيتهم واقوال
التابعين وآراءه الفقهية قياساً على الآثار- قانوناً قضائياً للدولة العباسية
فنهاهما مالك من ذلك وقال:
“إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في
البلدان، وكل مصيب”.(5) .
وقد كان الامام مالك محقاً في هذا الرأي. ولكن رأي ابن المقفع وما أشار
به على الخليفة العباسي لم يكن منطلقاً من حمل الناس على مذهب معين لأي مجتهد كان.
لقد كان رأي ابن المقفع تأسيساً لفكرة دولة القانون، المصطلح الذي يجري الحديث عنه
في الادبيات السياسية والقانونية المعاصرة، واستند في رسالته على فكرة الاستفادة
من ثمرات اختلاف الاجتهادات . وبدلاً من تدوين قانون للقضاء على اساس البحث عن
السهل اليسير المعتمد على ثمرات اختلاف اجتهادات الفقهاء، انصرف الكثيرون الى
تدوين فقه المذاهب لتسهيل تناولها بين الناس، وشاعت كتب الفتاوى وانصرف الناس الى
التقليد، وتراجع تطور الفقه الاسلامي وحيويته في التعامل مع المستجدات. وساعدت
دولة الخلافة في الوصول الى هذه الحالة. فقد آثر الخلفاء اختيار القضاة من
المقلدين ليقيدوهم بمذهب معين يفضله الخليفة بناءً على اعتبارات سياسية تفرضها اولويات
حماية كرسي الحكم والمشروعة السياسية “الشرعية” التي منحها فقهاء مذهب معين للحاكم. وبدأ القضاة يحكمون على مذهب معين. لقد عمل الحكام على تحويل الولاء
الاجتماعي الى ولاءات خاصة. وفي ظل هذه الاوضاع تأخر الفقه وجرى تداول أحاديث
التفضيل والتخيير والحديث عن الفرقة الناجية. واستنزفت عقول الناس في الغيبيات.
وهكذا تكاملت المستلزمات الضرورية لتحويل المذهب الى طائفة .
فبينما كان الاختلاف المذهبي أقرب الى التنوع الفكري في التفسير الذي
سلك طرقاً ومناهج متعددة، كظهور أهل الحديث وأهل الرأي وظهور مدارس علم الكلام والمذاهب
الاعتقادية “المدارس الفلسفية”، ساعدت جميعها في تحريك المجتمع ووحدته وتجدده على
اساس التسامح واللااكراه، اخلت الطائفية بالوحدة الاجتماعية وادت الى انقسام فئوي
حاد صرف المجتمع لمصلحة الحكام والمستفيدين منهم الى اهتمامات هامشية ونزعات تصد
التقدم. وقد تأثر مجال الاحوال الشخصية بهذه التحولات. فمع نشوء دول الطوائف تغيرت
المذاهب الرسمية بتغير مذهب الحكام واختياراتهم. وتحول الافتاء الى وظيفة سياسية
رسمية وهيمن الفقه الطائفي الذي يعني الانحياز التقليدي لطائفة معينة ولصالح
التحيزات العصبوية التي يكتسبها الأفراد بالوراثة البحتة وتنتقل من جيل لآخر بزخم
التتابع المطلق. وبالمقابل نشأ التشدد من قبل الأضداد الطائفية للحيلولة دون تفككها
. ويرى الكثير من الباحثين بان مفردات التحول المذهبي الى الطائفية قد تكاملت
بانتهاء حكم المتوكل. حيث قتل عام248 ه.
)6) .
كان تأثير هذه التحولات على بنية المجتمع الاسلامي كبيراً، وخاصة في
مجال الاحوال الشخصية. فتقيد القضاة بالتقليد الطائفي أدى الى تضييق الخناق والعسر
على الناس. وتنوعت احكام القضاء لا على اساس اختلاف الاوضاع الاجتماعية في الامصار
الاسلامية، بل على اساس الانتماء الطائفي المسبق. وانغلقت الطوائف على نفسها في
مجال الزيجات، فانعزلت كل طائفة في علاقاتها الاجتماعية .
: المساحة
الموجودة بين وظيفة القاضي ووظيفة المفتي
الزواج في الاسلام عقد مدني كسائر العقود. وينعقد باتفاق الارادتين
وحضور شاهدين دون ان يكون لرجل الدين او المرجع الديني دور في ذلك. فالإسلام رفض
وجود سلطة لرجال الدين، فلا حاجة للوساطة بين الانسان وربه، والاكثر من ذلك حدد
القرآن مهمة النبي بالتبليغ، “فانما عليك البلاغ” … “وانما انت منذر ولكل قوم
هاد" .
هذا الطابع المدني متوفر في كل العقود وفي كافة احكام المعاملات. وتعتمد
مسألة القضاء والفصل في المنازعات الناشئة عن هذه الحقوق والعقود على الظاهر
والقرائن. اما الجانب الديني في مثل هذه العقود والمعاملات والحقوق الناشئة عنها،
فيتعلق بفكرة الحلال والحرام الناشئة في البيئة الاسلامية الاولى ليكون رقيباً
باطنياً ونفسياً، ولتراقب تصرفات الانسان.
فصلت الشريعة الاسلامية بصورة عملية الجانب الدنيوي المدني عن الجانب
الديني، ونظمت امور المجتمع على اساس الجانب الدنيوي المتجسد بالافعال والعقود
وكيفية اثباتها حسب المعطيات القضائية. ونجد في التطبيقات التاريخية للمجتمعات
الاسلامية الفصل الواضح بين حكم القضاء الذي يعتمد على
الاعتبارات القضائية القرائنية وبين حكم الدين الذي يعتمد على الاعتبارات
الاعتقادية والاخلاقية ضمن التشكيلة الاجتماعية السائدة. وعليه قد يكون هناك خلاف
بين حكم القضاء الذي يحاكم العمل او الحق حسب الظاهر، وبين حكم الدين الذي يحكم
على اساس ما في النفوس والدواخل، وعلى اساس الاعتبارات الدينية. فلو عجز الدائن عن
اثبات دين حقيقي جحده المدين امام القضاء، لا يستطيع اخذ حقه عنوة ولا يحكم القضاء
لصالحه لانه فشل في اثبات حقه، في حين يقر له الاعتبار الديني ان ياخذ منه قدر حقه
دون اذن المدين او دون علمه. ولو وصل مثل هذا الامر للقضاء لا يقر للدائن فعلته،
بل ويحاسبه . وارتباطاً بفكرة التميز بين الجانب المدني والجانب الديني، نجد ان
السلطة الاسلامية وفي العصور المتأخرة ميزت بين وظيفة القاضي الذي يعتمد على
الاعتبار القضائي للاعمال والاحكام، وبين وظيفة المفتي الذي يعتمد الاعتبار الديني.
بدايات التقنين في مجال الأحوال الشخصية :
لم تبدأ حركة التقنين اولاً في مجال الاحوال الشخصية، بل بدأت هذه
الحركة، التقنين بالمعنى المعاصر في اواخر العهد العثماني في مجال القانون المدني،
بصدور مجلة الاحكام العدلية عام1293 ه ، اي قبل132 سنة هجرية . واصبحت المجلة
قانوناً مدنياً عاماً تضم مجال المعاملات المدنية والتجارية ومفردات القانون
المدني “البيوع، الاجارة، الكفالة، الحوالة، الرهن، الهبة، الشركات، الوكالة”
وغيرها منتخباً من الاحكام الفقهية الخاصة بالمعاملات للفقه الحنفي، المذهب الرسمي
للدولة العثمانية. ولا يعول على ما يخالفه من احكام فقهية في حالة تواجد الحكم
المطلوب في المجلة، وذلك لاقتران صدور المجلة بالامر السلطاني. ويرجع القضاة الى
نصوص الفقه فيما لا نص عليه. وقد رتبت احكامها في صورة مواد مختصرة يقتصر الحكم
فيها على رأي واحد (7) .
علماً ان الدولة العثمانية سبق وان كانت لها تجارب تشريعية، حيث سنّ
السلطان سليمان القانوني “القانون نامه” الذي ضم احكاماً في العقوبات التعزيزية
وفي حقوق الاراضي وتحديد الاراضي الاميرية والخراج، وكذلك في المواضيع العسكرية
والادارية. كما جرى تاسيس السجلات الشرعية التي ضمت قرارات المحاكم الصادرة من
المحاكم الشرعية . وفيما يخص مجلة الاحكام العدلية فقد رتبت مباحثها على الكتب
والابواب الفقهية المعهودة، ولكنها فصلت الاحكام بمواد ذات ارقام متسلسلة
كالقوانين الحديثة لكي يسهل الرجوع اليها والاحالة عليها. وكان مجموعها1851 مادة.
وقد سبق اصدار هذه المجلة تاسيس المحاكم النظامية في الدولة العثمانية،
التي تمتعت باختصاص النظر في انواع من الدعاوى التي كانت ترجع الى المحاكم الشرعية
سابقـا . واتى اصدار مجلة الاحكام العدلية ضمن حركة اصلاح الوضع المتدهور في
الدولة العثمانية والمسعى الذي بذل من اجل تحديث الدولة، وخاصة بعد اتساع
الاتصالات والتجارة والعلاقات الاقتصادية بين الدولة العثمانية والدول الاوربية
التي شهدت تطورات سريعة وكبيرة، واطلاع كبار موظفي الدولة العثمانية على التجربة
الاوربية، وحاجة الدولة العثمانية الى ربط التصرفات والعقود العقارية بنظم شكلية
واجراءات منها تنظيم السجل العقاري، لكي تكون تحت مراقبة الحكومة لاغراض مالية
وحقوقية وسياسية . ومن الاسباب
الاخرى لاصدار المجلة ضمن وجهة الاصلاح السياسي والاداري في الدولة العثمانية، هي
ان احكام الفقه الاسلامي منثورة في الكتب الفقهية، وقد تتواجد في غير اماكن بحثها.
كما ان الكتب الفقهية متفاوتة في استيعابها للاحكام العملية، ومتفاوتة في لغتها.
اضافة الى وجود آراء فقهية متعارضة في الحكم على القضية الواحدة. كما ان معرفة
القوي الراجح من الضعيف المرجوح مسألة نسبية تحتاج الى قدرة ومرونة فقهية يصعب
توفرها عند الكثيرين بنفس الدرجة. وقد يرجح مؤلف ما لا يرجحه اخر، مما يؤدي الى
وضع القضاة في بحر من الفتاوى والتخريجات واقوال مجتهدي المذهب بترجيحات متباينة .
لم تبدأ حركة التقنين أولاً في مجال الأحوال الشخصية. ولكن جملة من
الاعتبارات المذكورة اعلاه والتي ادت الى ظهور مجلة الاحكام العدلية، يمكن ان تمس
بشكل او آخر مجال الانكحة والمواريث، وبالاخص المبررات المتعلقة بوجود تعدد الحكم
الشرعي في قضية واحدة من قضايا الانكحة والمواريث .
ظهر مصطلح الاحوال الشخصية في اواخر القرن التاسع عشر حيث ورد هذا
المصطلح في كتاب محمد قدري باشا المعروف “بالاحكام الشرعية في الاحوال الشخصية”.
وقد ورد في مقدمته انه “يشتمل على الاحكام المختصة بذات الانسان من حين نشأته الى
حين منيته وتقسيم ميراثه بين ورثته”.
وللكاتب المذكور كتب اخرى في هذا المجال، منها في الوقف وفي احكام
المعاملات. وسميّ هذا “مرشد الحيران
لمعرفة أحوال الانسان” جعله على أحكام عامة، وأخرى خاصة، وعرضه في مواد بلغت”1045”
مادة (8) .
ويبدو ان الاختيار على هذا المصطلح كان نتيجة تمكين الطوائف غير
الاسلامية في ظل الدولة العثمانية من الاحتكام لرؤساء دياناتهم او لمحاكمهم
القنصلية في المسائل المتعلقة باشخاصهم دون سواها فضلاً عن بداية حركة تدوين
القوانين وارتباط هذه الحركة بالفكر القانوني الغربي واقتباس بعض المصطلحات
القانونية منه .
وفي الوقت الذي بدأ فيه هذا المفهوم في التبلور والوضوح، بادر العثمانيون
باصدار قانون حقوق العائلة سنة1917 مقتبسين هذا المصطلح المستحدث ايضاً من الغرب .
لكن ما يميز قانون الاسرة العثماني في منهجيته عن مجلة الاحكام العدلية انه لم
يعتمد الفقه الحنفي، بل اخذ بعض الاحكام من المذاهب الثلاثة الاخرى كاعتبار عقد
الزواج صحيحاً والشرط معتبراً اذا اشترطت المرأة في العقد الا يتزوج عليها. واخذ
القانون بالتفريق الاجباري القضائي بين الزوجين ومكنت المرأة من
التخلص من زوج السوء بطلبها التفريق. وقد أخذ من مذهب مالك اطلاق حرية الزواج
لزوجة المفقود بعد اربع سنين من فقدانه، بينما يقضي المذهب الحنفي بانتظار وفاة
جميع اقرانه في العمر، فتبقى زوجة المفقود معلقة حتى شيخوختها (9 ) .
ولم تكن مسألة أخذ الأحكام الفقهية في قانون الأسرة العثماني من
المذاهب المخالفة للمذهب الحنفي مسألة إرادوية، بل كانت هذه الخطوة حاجةً موضوعية
بسبب الضيق الموجود في كل مذهب فردي من المذاهب الاسلامية اذا ما اخذت احكامه على
حدة، حتى في حالة تثبيت الاجتهاد في علم اصول الفقه للمذهب المعين. اضافة الى ان
خطوة التقنين خطوة ضرورية لمعرفة حقوق المواطن الفرد بعد تثبيت الحدود القومية
للدول المعاصرة ونشوء مفهوم الجنسية وسريان احكام القانون من حيث المكان.
واذا اخذنا تجربة البلدان العربية فنجد ان مصر في زمن محمد علي
باشا(1805-1849م)، الذي تزامن حكمه مع الفترات الاخيرة لحكم الامبراطورية
العثمانية، اقتصر امر القضاء فيه على المذهب الحنفي، بعد ان تغير هذا الامر طوال
تاريخ مصر الاسلامية حسب مذهب الحكام .
وقد جمع محمد علي باشا علماء الازهر وقال لهم: لا اريد ان احكم بشيء
حرمه الله، لكن اجتمعوا وضعوا لي قانوناً. وقد فشل علماء الازهر آنذاك وقالوا ما
وصلنا الى شيء (10) .
أوائل عام1915 شكلت في مصر لجنة من كبار العلماء من المذاهب الاربعة
الى تقنين قانون للاسرة يستنبط من المذاهب الاربعة ويختار منها، بحيث يؤخذ من كل
مذهب ما يكون صالحاً وفقاً لروح العصر. الا ان اللجنة لم تفلح في الامر رغم
اعدادها لائحة بهذا الشأن بسبب الانتقادات الموجهة للمشروع بعد عرضه على رجال
القضاة والمحاماة والمتعاملين بالمسائل الفقهية (11) .
الا ان جزءاً قليلاً من اللائحة ظهر في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية
والاجراءات المتعلقة بها الصادر بهما الامران العاليان المؤرخان10 كانون أول1920
وهو خاص باحكام النفقات وبعض مسائل الاحوال الشخصية1920. وجاء الكثير من مواد هذا
القانون وفق المذهب المالكي متأثراً بقانون الأسرة العثماني .
وفي عام1923 صدر القانون رقم56 حدد بموجبه سن الزواج حسب المادتين
اللتين تكون القانون منهما، ومضمونهما انه لا تسمع دعوى الزوجة اذا كانت سن الزوجة
تقل عن ست عشرة سنة، وسن الزوج تقل عن ثماني عشرة سنة، وانه لا تجوز مباشرة عقد
زواج، ولا المصادقة على زواج أسند الى زمن ماض ما لم تكن سن الزوجين في هذا السن
المحدد ( 12) .
وفي عام1926 وفي ذروة تطور حركة الاصلاح الديني تألفت لجنة من المختصين
بالمسائل الفقهية من تلامذة الشيخ محمد عبده. وضعت اللجنة مقترحات تجاوزت المذاهب
الاربعة الى آراء الفقهاء عامة مما هو نافع للاسرة. وارتقى عمل اللجنة الى
الاستنباط من القرآن والسنة حتى ولو ناقض ذلك ما قاله السابقون.
وقيدت هذه اللجنة رغبة الرجل في تعدد الزوجات واشترطت لتزوج الرجل من
اخرى الا يعقد الزواج او يسجله الا باذن القاضي الشرعي، ومنع القاضي من الاذن لغير
القادر على القيام بحسن العشرة، والانفاق على اكثر ممن في عصمته، ومن تجب نفقتهم
عليه من اصوله وفروعه. كما اخذت اللائحة المقترحة من هذه اللجنة بمبدأ الالتزام
بالشروط التي تفرضها الزوجة عند ابرام العقد، كالاشتراط بألاّ يتزوج عليها .
وأعطت اللائحة الحق للزوجة في طلب التفريق بسبب إضرار الزوج بها بما لا
يستطاع معه دوام العشرة. وكذلك طلب الزوجة الطلاق لو غاب زوجها سنة فأكثر، ولو ترك
مالاً تستطيع الانفاق منه .
على الرغم من عدم قبول اللائحة في ذلك العام، فقد صدر القانون رقم25
لسنة1929 واقتصر القانون على ما جاء بالمذاهب الاربعة، وترك ما لم يمكن في هذا
النطاق، الا في الطلاق بلفظ الثلاث والالزام بكل شرط تشترطه الزوجة ( 13) .
وجرى تنظيم احكام الميراث بالقانون رقم77 لسنة1943، واحكام الوصية
بالقانون رقم71 لسنة1946. ومنذ عام1929 لم يتم تغيير قانون الاحوال الشخصية، وان
كان قد ادخلت عليه الكثير من التعديلات اخرها القانون رقم100 لسنة1985.
وجرت تعديلات في قانون اجراءات التقاضي في مسائل الاحوال الشخصية
بالقانون رقم1 لسنة2000، وان كان القانون لم يلب طموح الراغبين في تعديل القوانين
المنظمة للعلاقات الاسرية حتى تصبح اكثر عدلاً وتؤكد قيم المودة والرحمة التي اكد
عليها القرآن الكريم، الا انه استحدث بعض النقاط
تتعلق بالخلع والطلاق من الزواج العرفي، واستحداث محكمة الاسرة (14) .
وفي سوريا صدر اول قانون عام للاحوال الشخصية عام1953. ويتضمن القانون
المذكور الابواب التالية: الزواج، الأهلية، الوصية، والميراث .
وقد استمد القانون المذكور احكامه من الفقه الاسلامي بمختلف مذاهبه
وآرائه، اضافة الى الاحكام الاصلاحية التي اخذ بها قانون الاسرة العثماني
والقوانين المصرية المتفرقة التي تناولت قضايا الاحوال الشخصية (15) .
وفي العراق وبعد تأسيس الدولة العراقية، كانت المحاكم الشرعية قبل ان
يتغير اسمها الى محاكم الاحوال الشخصية تعتمد المذهب الشخصي للمسلمين المتداعين
وتصدر قرارها وفقاً لما تنص عليه فتاوى ومقررات هذا المذهب، عبر العودة الى النصوص
المدونة في الكتب الفقهية، والى الفتاوى في المسائل المختلف عليها، ويستعان في
اغلب الاحيان بالمراجع الدينية لهذا المذهب، او بالعودة الى قضاء المحاكم في
البلاد الاسلامية .
كما كانت في محكمة التمييز هيئة تمييزية للجعفرية وهيئة تمييزية للسنة
فيما يخص دعاوى الاحوال الشخصية، وهذا ينسحب على عمل المحاكم الشرعية التي تقضي
وفقاً لمذهب المتداعيين، والتي تحدد في المناطقية والجغرافية وتعمل على تكريس
المذهبية واللجوء الى التحايل على المذاهب بين المتداعيين .
بعد ثورة الرابع عشر من تموز1958 ألفت وزارة العدل العراقية بتاريخ7
شباط1959 لجنة لوضع لائحة الاحوال الشخصية استمدت مبادءها مما هو متفق عليه من
احكام الشريعة، وما هو مقبول من قوانين البلاد الاسلامية، وما استقر عليه القضاء
الشرعي في العراق. واستطاعت اللجنة صياغة مشروع قانون للاحوال الشخصية والذي عرف
بقانون رقم188 لسنة1959. واشتمل القانون على اهم ابواب الفقه في الاحكام المتعلقة
بالاحوال الشخصية الجامعة لمسائل الزواج والطلاق والولادة والنسب والحضانة والنفقة
والوصية والميراث (16) .
اخذ هذا القانون احكامه من جميع المذاهب الاسلامية وجرى تطبيق احكامه
دون النظر الى مذهب العراقي المسلم حيث ان القانون المذكور يشكل حالة وسطية وشاملة
يتم تطبيقها على عموم المسلمين العراقيين والاجانب المسلمين في العراق طبقاً لنص
الفقرة(1) من المادة الثانية من القانون المذكور ونصه “تسري احكام هذا القانون على
العراقيين الا ما استثني منهم بقانون خاص ". بينما تم العمل في قضايا الاحوال
الشخصية للمسيحيين واليهود بموجب لوائحهم الخاصة وفق دياناتهم وتختص بالنظر في
قضاياهم محاكم البداءة باعتبار انها محاكم المواد الشخصية التي تختص بالنظر في
قضاياهم واصدار الاحكام وفقاً لذلك .
اما الصابئة المندائيون والايزيديون فلا يشملها اختصاص القانون بحجة
عدم وجود لوائح شخصية تخصهم على الرغم من ان لكل منهما دينه الخاص ولوائحه الشخصية
التي تصلح بان يتم اعتمادها في الاحكام الشرعية وفق دينه المعترف به في العراق اذا
ما جرى الاخذ بمبدأ الاختصاص.
لقد اكدت لائحة الاسباب الموجبة لصدور قانون الاحوال الشخصية على حقيقة
كون ما وجد “في تعدد مصادر القضاء واختلاف الاحكام ما يجعل حياة العائلة غير
مستقرة وحقوق الفرد غير مضمونة، فكان هذا دافعاً للتفكير بوضع قانون يجمع فيه اهم
الاحكام الشرعية المتفق عليه " .
وفي الوقت نفسه أشارت الفقرة الثانية من المادة الاولى الى انه “اذا لم
يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه فيحكم بمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية الاكثر ملائمة
لنصوص هذا القانون” وهذا يعني ان القانون المذكور لا يدعو الى التقيد بفقه مذهب
معين، بل تجاوز ذلك الى الاستفادة . من مبادئ الشريعة بشكل عام
وقد راعى القانون المذكور وسطيته في مسألة تعدد الزوجات، فلم يمنعه
كالتشريع التونسي ولم يقيده كالتشريع المغربي. فمنع الزواج باكثر من واحدة الا
باذن القاضي، واشترط لاعطاء الاذن ان تكون للزوج كفاية مالية لاعالة ما زاد على
واحدة، وان تكون هناك مصلحة مشروعة، ومنعت الزواج باكثر من واحدة اذا خيف عدم
العدل، وتركت ذلك لتقدير القاضي (17) .
ونجد هذه الوجهة في صياغته لاحكام الميراث حيث ان توحيد تلك الاحكام من
جهة، وجعلها منسجمة مع الانتقال الى الاراضي الاميرية التي شرعت منذ عهد الدولة
العثمانية من جهة اخرى، اوقف التفاوت في انتقال الحقوق الى الوارثين، وقطع دابر
التحايل على القوانين وقواعد الشريعة الاسلامية .
ولم يرق هذا الامر لانقلابيي شباط عام1963، فاصدروا التعديل رقم11
لسنة1963 لايقاف العمل بالمواد المتعلقة بالمواريث، وتطبيق فقه المذاهب بدلاً
منها. وجرى توحيد احكام المواريث واعادة الهيبة والاحترام لقانون الاحوال الشخصية
بعد التعديل الثاني على القانون المذكور اواسط
السبعينات، من خلال مساواة البنت للابن في حجبها ما يحجبه الابن من ارث ابيها
وامها، وايراد مواد خاصة بمنع الاكراه في الزواج واعتباره جريمة يعاقب عليها
القضاء، وتحديده مواد خاصة بالتفريق القضائي والحضانة بما يخدم مصلحة المرأة
العراقية .
تعرض قانون الاحوال الشخصية الى عدد من التعديلات المجحفة بحق المرأة
والعائلة العراقية عموماً بالتزامن مع تصاعد وتائر الدكتاتورية والارهاب بعد
الثمانينات. وبعد انبثاق تجربة اقليم كردستان المحررة من الدكتاتورية، وافق
البرلمان الكردستاني على جزء من المقترحات التي قدمتها المنظمات النسائية
الكردستانية من اجل تعديل القانون المذكور واعطائها صيغة اكثر عصرية وبما ينسجم مع
مفردات التحضر والديمقراطية وحقوق الانسان .
ومن الخطوات الجريئة التي اتخذها البرلمان الكردستاني هي رفضه وباجماع
الاصوات للقرار137 الصادر عن مجلس الحكم العراقي والقاضي بالغاء قانون الاحوال
الشخصية رقم188 لسنة1959، حرصاً من البرلمان المذكور على الالتزام بمفهوم دولة
القانون وحماية حقوق افراد العائلة، ورفضها لمنطق فقه المذاهب الذي اصبح في
الممارسة العملية فقهاً للطوائف، وعاملاً على تشرذم الشعب العراقي من خلال اعطاء
الاولوية للولاء الطائفي على الولاء الاجتماعي العام للوطن، والذي يجد انعكاسه من
خلال وجود قانون موحد للاحوال الشخصية، والذي ساعد على حفظ حقوق العائلة ومنع
التحايل، وخلق الارضية المناسبة للتمازج الاجتماعي بين الاسر العراقية واقامة
علاقات الزواج والمصاهرة خارج اطر الانغلاق الطائفي او المذهبي .
المخاطر الناجمة عن عدم وجود قانون موحد للأحوال الشخصية
يأتي قرار مجلس الحكم137 حول الغاء قانون الاحوال الشخصية ضمن
الاشكاليات المطروحة مع طرح الاسئلة حول مستقبل الوحدة الوطنية العراقية، وانشغال
السياسيين ورجال الدين والمرجعيات الدينية وقادة الاحزاب الدينية والطوائف
المختلفة والمثقفين والسياسيين من دعاة الديمقراطية والمجتمع المدني، بطرح ومناقشة
المشاريع المختلفة التي تخص القضية العراقية. ويتجاوز القرار في مضمونه وطريقة
واسلوب اقراره في المجلس مسألة النوايا الكامنة في الخفاء، حول المشاريع السياسية
التي تمس البنية الاجتماعية العراقية، ليصل الى حد السعي لفرض توجه سياسي واضح
مفضي الى خلق فخاخ طائفية، تتعارض حتى مع فكرة اقتراب المذاهب ووحدتها، على الرغم
من مشاركة الكثيرين في مؤتمرات تتحدث عن تقارب المذاهب الاسلامية ووحدتها. ويبدو
ان البعض من السياسيين والمرجعيات الدينية الذين يطرحون انفسهم حماة للهويات
والخصوصيات المذهبية والطائفية، ومن خلال ولائهم لتلك الخصوصيات يكرسون الانقسامات
ويستعيضون عن الجامع الشامل بالمفرِّق المثير للخلاف. ونكون في النهاية امام حالة
تعدد ولاءات تساهم في خلق هويات انعزالية، ويتحول التعدد والتنوع العراقي في
المذاهب والاعراق من حالة تمنح القوة والتجدد والتآلف والتفاعل الى حالة تنتج
العزلة والتشرذم والانكفاء، ورفض الآخر، وتتحول علاقة الفرد بخصوصيته المذهبية او
الطائفية الى سجن اجتماعي مسيج بالفتاوى وفرمانات التكفير، بذريعة نقاوة المذهب
والحفاظ على اصول استنباطه للاحكام الشرعية .
ان المخاوف الناجمة عن القرار137 لن تكون محصورة في اطار علاقات الزواج
والميراث، لان نجاح مثل هذا المشروع وتمريره ستعقبه خطوات اخرى منها تحديد الهوية
الطائفية للفرد العراقي في بطاقة الاحوال المدنية، وعادة تبدأ الطائفية في مجال
الاحوال الشخصية، ثم تكرس نفسها من خلال تحديد الدستور للهوية الطائفية للدولة
وتمرير الامر بنص مخادع يسمح للطوائف الاخرى بالرجوع الى فقه مذاهبها في مسائل
الاحوال الشخصية، او من خلال تثبيت هذه الوجهة كعرف دستوري يضمن اقتسام “كعكة”
السلطة بدلاً عن الشراكة والمسؤولية الجماعية دستورياً. وليست هناك ضمانات اذا ما جرى المسير على هذا الطريق من ايجاد ثنائية او اكثر
حتى في القوانين الجزائية .
وفي المجال العملي ينجم عن عودة كل طائفة او مذهب الى فقه تلك الطائفة
وضع تعمل فيه كل طائفة على الحفاظ على بقائها و”نقائها” وبالتالي يصبح من الطبيعي
ان تعارض وتقاوم الزواج من الطوائف الاخرى. نفس الامر ينطبق على بقية الطوائف
الدينية الاخرى سواء اكانت مسلمة او مسيحية .
ان عدم وجود قانون موحد للاحوال الشخصية يضع الفرد والاسرة تحت سلطة
السلطات الدينية المختلفة ويمنع الانصهار في اطار بوتقة وطنية واحدة تجمع كل
العراقيين والعراقيات. ناهيك عما تخلقه من مشاكل في حال الزواج المختلط لما يخلفه
هذا الزواج من مشاكل للاطفال وحقوقهم، وايضاً لحقوق النساء .
من ناحية اخرى يخلق الغاء قانون الاحوال الشخصية اشكاليات كبيرة
للمحاكم العراقية، حيث يضع القاضي في مأزق كبير ليبحث عن الحكم الشرعي في الكتب
الفقهية التي تعبر اساساً عن امكانيات فقهاء العصور الاسلامية المختلفة وضمن
البيئات الثقافية السائدة، وجهدهم الذي يعتبر جهداً بشرياً
يحتمل الخطأ والصواب، ويدخل الاجتهاد الفقهي ضمن هذا الجهد البشري. فضلاً عن ان
تلك الاحكام منثورة في كتب الفقه والفتاوى المؤلفة منذ ما يزيد على اثني عشر
قرناً. وتتناقض هذه الوجهة مع ضرورة التقنين في دولة القانون ومعرفة المواطن الفرد
لحقوقه وواجباته في عقوده ومعاملاته وفي كافة مجالات حياته .
قانون الأحوال الشخصية188 لسنة1959 والتعديلات المطلوبة
قبل ان تبادر الحركة النسوية الديمقراطية والقوى الوطنية الديمقراطية
العراقية بطرح تصوراتها وملاحظاتها حول قانون الأحوال الشخصية المعمول به، وصياغة
مقترحاتها من اجل خلق حركة شعبية مساندة لمطالبها في اجراء تعديلات ترفع الحيف عن
المرأة في بعض الفقرات والبنود التي بحاجة الى تغيير، وبما يضمن المساواة في
الحقوق بين الرجل والمرأة في الدستور والتزام كافة القوانين العراقية بهذا النص
الدستوري، وبشكل لا يكون اي بند من بنود القوانين العراقية نقيضاً له، واعادة بناء
اواصر العائلة العراقية على اساس التكافؤ وتوفير الضمان الاجتماعي ومعالجة ظاهرة
العنف الاسري، اضافة الى الضغط من اجل توقيع العراق واحترامه لكافة المواثيق
والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة، ورفع التحفظات على الاتفاقيات التي وقعها،
أصدر مجلس الحكم العراقي قراره 137 بالشكل المعروف، وباتت الحركة النسوية والقوى
الديمقراطية تناضل من اجل الغاء هذا القرار وابقاء القانون رقم188 لسنة1959. ولكن
بقاء الحركة النسوية والحركة الديمقراطية ضمن ذلك المطلب، من شأنه إلحاق الضرر بنضال
المرأة العراقية وبعملية بناء الديمقراطية في العراق والتي لا يجب حصرها في اطار
الديمقراطية السياسية، بل يجب ان يتعدى هذا التوجه الديمقراطي في بناء العراق
الحديث الى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وقضية المرأة العراقية التي تعتبر من
مكونات الديمقراطية في الجانب الاجتماعي .
ان المطلوب هو اعادة النظر في الكثير من المفاهيم الواردة في قانون
الاحوال الشخصية اعتماداً على استقلال التشريع عن المعتقدات الدينية المختلفة
والتي هي جديرة بالاحترام التام، كما ان الاعتبارات والتقاليد الدينية هي لا ريب
من عناصر التراث الوطني والفكري في كل بلد، وللسلطة التشريعية ان تستوحيها كمعطيات
اجتماعية فكرية انسانية على ان تبقى مستقلة تجاهها ومنفصلة عنها. وهذا الاستقلال
شرط لايجاد تشريع موحد وقابل للتطور المستمر. وتتطلب اعادة النظر اعطاء تعريف عصري
لعقد الزواج ومنع تعدد الزوجات، ومعالجة الاحكام المتعلقة بالنشوز، ووضع حد اقصى
لفرق السن بين الزوجين، ومنع الزيجات ذات الفارق الكبير في السن ووضع عقوبة على
اولياء الامور الذين يزوجون ابناءهم او بناتهم عند تجاوز الحد الاقصى، اضافة الى
مراجعة احكام المواريث بما يضمن المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق، ومراعاة
لمساهمة المرأة جنباً الى جنب الرجل في اعادة بناء الوطن والتنمية. ان فكرة تساوي
المرأة والرجل في الحقوق تنبثق من صفة الانسان ومن صفة المواطن، ولا يجوز انكار
صفة الانسان وصفة المواطن على المرأة. ولهذا يجب ان تكون كل البنود الواردة في
قانون الاحوال الشخصية مؤسسة على تساوي المرأة والرجل. فحقوقها العائلية متساوية.
وكذلك الحق بالثروة وبممارسة المهنة وبالعمل وبالارث. وهذا التساوي ينسجم مع
المبادئ الديمقراطية ومع وثيقة حقوق الانسان المعلنة عام 1948 والعهدين الدوليين
للحقوق السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ان الدفاع عن وجود قانون عصري موحد لكل العراقيين في مجال الاحوال
الشخصية، وبشكل يراعى فيه المواثيق والاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية القضاء على
جميع اشكال التمييز ضد المرأة عام1979، والاعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد
المرأة الصادر في 20 كانون الثاني 1993، لا يشكل دفاعاً عن حقوق المرأة وحرياتها
فقط، بل يعتبر دفاعاً عن قيم الحضارة والتمدن ومفهوم المواطنة لان هذا القانون
يشكل اساساً لوحدة الشعب العراقي وانطلاقةً لبناء العائلة العراقية التي تقدر فيها
المرأة القيام بمهامها تجاه الوطن وبنائه والمساهمة الفاعلة في التنمية والتقدم . انها
قضية كل من يهمه مصلحة الشعب العراقي ومستقبله رجالاً ونساءً .
الهوامش :
1 - الدكتور صبحي الصالح- علوم الحديث ومصطلحه ص44 دار العلم للملاين
الطبعة 1999/22.
2 - التواريخ مثبتة في كتاب كشف الظنون لحجي خليفة.
3 - الدكتور عبد الكريم زيدان- الوجيز في اصول الفقه ص156 مؤسسة
الرسالة الطبعة السابعة 2000.
4 - الدكتور عبد الكريم زيدان- المدخل لدراسة الشريعة الاسلامية ص149-
مؤسسة الرسالة الطبعة الرابعة عشرة1996.
5 - مصطفى احمد الزرقاء- المدخل الفقهي العام الجزء الاول ص178- مطابع
الاديب الطبعة التاسعة 1968.
6 - الشيخ محمد الخضري- الدولة العباسية- تحقيق وتعليق ابراهيم امين
محمد ص316.
7 - مناع القطان- تاريخ التشريع الاسلامي ص337 مؤسسة الرسالة الطبعة 26
عام 1998.
8 - المصدر السابق ص338.
9 - مصطفى احمد الزرقاء- المدخل الفقهي العام الجزء الاول ص208- مطابع
الاديب الطبعة التاسعة 1968.
10 - نصر حامد ابو زيد/ هل هناك مفهوم للحكم والسلطة في الفكر
الاسلامي؟ مقالة في مجلة الثقافة الجديدة العدد295 تموز-اب 2000.
11 - الامام محمد ابو زهرة- الاحوال الشخصية ص12 دار الفكر العربي الطبعة
الثالثة 1957.
12 - المصدر السابق ص14.
13 - المصدر السابق ص17.
14 - قوانين المرأة بين الشريعة وقوانين الاحوال الشخصية- من تقرير
المركز المصري للاحوال الشخصية2003.
15 - مصطفى احمد الزرقاء- المدخل الفقهي العام الجزء الاول ص210- مطابع
الاديب -الطبعة التاسعة 1968.
16 - لائحة الاسباب الموجبة لصدور قانون الاحوال الشخصية المرقم188
لسنة 1959.
17 - المصدر السابق ..
|
اهداف
المركز الاكاديمي للدراسات الاعلامية وتواصل الثقافات |
|
مركز للدراسات والبحوث العلمية في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية والتوثيق والمعلومات،
ومنبر إعلامي لإقامة الندوات وإلقاء المحاضرات وإجراء الحوار البناء في إطار تواصل الثقافات. ولترجمة النصوص
الثقافية بين العريية واللغات الاوروبية من
اجل التثاقف و لتعريف الشعوب ببعضهما البعض ولتحسين صورتهما من خلال الحوار والتفاهم والعمل
المشترك . وذلك انطلاقا من مسؤوليتنا الفكرية والاجتماعية لتوفير
فرص الحراك الديمقراطي، ودور أفعل لمؤسسات المجتمع المدني والإعلام الحر، ليكون
الشاهد والرقيب على الاستبداد والطغيان والفساد.. ومن خلال شعورنا بضرورة وضع حد
للصراعات اللامجدية النابعة عن سوء الفهم وقلة المعرفة بالآخرين. لأننا نؤمن أن مفهوم الصراع، الذي
يدعو إليه المتطرفون وأصحاب سياسات الاستقواء أو الاستعلاء الفكري أو الحضاري أو العنصري- وبغض النظر عن انتماءاتهم- لا يصلح أساسأ لاقامة العلاقات السليمة والمتوازنة بين البشر في عصر العولمة، من أجل
إعلاء كلمة التسامح والقيم المشتركة بين الأديان والحضارات والشعوب، وللابتعاد
عن الغلو
والعنف والإرهاب والأحكام المسبقة عن الآخر. لأننا ندافع عن الإنسان وحريته وحقوقه واختياراته، أين ما كان، ومن
كان... تحقيقا لهدفنا في رصد الحقيقة وتوظيفها لإنارة دروب الحرية والديموقراطية في إطار الأخوة الإنسانية
والكرامة والإحترام المتبادل، بعيدأ عن الاستبداد بالرأي أو القهر أو الهيمنة، من جهة . ولخدمة
أبناء
جلدتنا، وإعلامهم بما يدور حولهم هنا، أو هناك في وطن الأجداد والأحباب الذي
تتعلق به عواطفنا بعد أن تحول العالم إلى كرة بلورية لا تستطيع ان تستر ما
بداخلها، وأصبحنا-
كلنا-
راعين لها ومسؤولين عن رعايتها |