ندوةالإعـلام والعـولمـة
إعداد : سعاد جبر -
كاتبة من الاردن (*)
إن المتتبع لواقع العالم العربي ، وما تواجهه من تسارعات حركة الانفجار
المعرفي في كافة الأبعاد في أفاقنا الأيدلوجية والتقنية ، يبرز لديه حالة الفجوة
المتسعة بين هشاشة الواقع العربي ومنطلقات البعد الحضاري في متتاليات المستجدات
المتتابعة في بعد الأيدلوجيا و التقنيات ، وتثير تلك الفجوة الواسعة المزيد من
التساؤلات بحثاً عن حالة توازن أيدلوجي
وانفتاح تقني ؛ يخرج عالمنا العربي من حالة الاستلاب التي يحياها ؛ سواء من
منظومة القوى العالمية أو منظومة انتهاك الذات لذاتها واسر ذاتها بذاتها في قوالب
جامدة استبدادية ؛ لاتعرف لغة الفكفكة ومرونة التعاطي مع المستجدات الحضارية في
أفاق الانفتاح في إطار لغة عصرية
واعية ، لاتنسحب بالكلية ولاتنسلخ حتي النخاع ، ولكنها تتخذ خط الحراك الحضاري
، في ضوء مرجعية منفتحة واعية ،
تقدر ثوابتها الفكرية من جهة ، وتتعاطي مع مترتبات لغة العصر بإنفتاح مرن من جهة
أخرى .
وفي ضوء تناول ازمات الواقع العربي ، تبرز على مائدة البحث النقدي
وتلاقح الأفكار حالة الهوة في البعد الإعلامي العربي وأعاصير العولمة وانعكاساتها
الإعلامية ، ويتشكل هنا الطيف الفسيفسائي المتناقض في الآراء في مواجهة هذه الأزمة
الإعلامية ، إما بالتنحي جانبا عنها في لغة الرفض المطلق ؛ أو التعاطي المسعور مع
مترتبات العولمة الإعلامية في تغييب تام لحركة الوعي والتخطيط المنظم في الاستيعاب
والتلاقح معها ، وهنا تبرز إشكالية
ماهية الأثر والمؤثر في ظاهرة العولمة الإعلامية وطبيعة الواقع المفرز في ذلك كله
، فضلا عن وجود مساحات واسعة من لغة عدم التواصل بين تلك الآراء المتنوعة
المتناقضة في هذا المجال بعينه؛ بين
من يرى في العولمة خروج من بعد أحادية الفكر التي يرزخ تحت نيرها واقعنا العربي
وأعتبارها بشارة بالديمقراطية وتفعيل ممارساتها على المنابر الإعلامية
وتشكيلها حالة تعاطي متطور مع
مترتباتها التقنية في عالم الأتصالات ؛
وبين من يراها في اللون الأخر تراجع خطر للسيادة الوطنية والثقافية للدولة
في ظل اختراق إعلامي سرطاني يحمل قيم شريعة الغاب وحالة متأزمة في الصراع القيمي
الاجتماعي في ظل سطوة ناعمة الملمس وخبيثة الروح والأهداف ، وخروجها للعالم في وجه
أخر بشع من وجوة الأمركة الناعمة ومعطياتها على عالمنا العربي ، وهناك من تتوجه
آراؤه إلى استشراف المستقبل عوضا عن الخوض في جدلية العولمة الإعلامية ، رنوا إلى
حالة الخروج من أزمة الأعلام العربي في أزقتها المظلمة ، وما تعج به من حالة
استلاب مطلقة في كل الأبعاد ، بحثا عن خريطة مستقبلية إبداعية تنويريه ، ترتسم
ابتداء من الواقع المر بلوغا للمستقبل المنشود، في ظل مواكبة التطورات الإعلامية، وتجاوز أزمة التيارات وإشكالية المصطلحات ، لأنها غدت قدرا
حتميا ، ولابد من الخروج من أزمة التناول العقيم لمترتباتها إلى حالة إصلاح واقعية
، وتحديد جاد فاعل لمصفوفة التغيير
المستقبلية في مواجهة أزمة الواقع .
وفي ظل تلاقح الآراء في ألوانها القزحية المتنوعة نفتتح الورقة الثانية
من ندوة العولمة : الواقع والتداعيات ، وعنوانها " العولمة والإعلام "
ونرحب بضيوفنا الكرام ، في تواصلنا الثقافي المثمر علما وحكمة ونضجا ، إذ يشكلوا
لونا جميلا في نختبنا الثقافية المتنورة في عالمنا العربي ، وسنحظى في امسيتنا
الثقافية هذه بارائهم الثرية في ظل جدليات العولمة والأعلام ونستهل تواصلنا معهم
بالتعريف بهم وبمكانتهم الثقافية في عالمنا العربي :
ـ الأستاذ الدكتور ابراهيم الداقوقي / رئيس المركز الأكاديمي للدراسات
الإعلامية وتواصل الثقافات ورئيس تحرير صحيفة المرصد الإعلامي الحر اليومية ومجلة
عالم الغد / النمسا
ـ الأستاذ ايمن اللبدي /كاتب وشاعر وناقد فلسطيني و مدير الدائرة الثقافية لصحيفة الحقائق الصادرة في
لندن
ـ الأستاذ أيوب المزين / كاتب وقاص مغربي .
وتناقش ورقة العولمة : الواقع والتداعيات في ورقتها الثانية المحاور
الآتية :
ـ مناقشة اثر العولمة الإعلامية في تراجع السيادة الوطنية والثقافية
للدولة وابراز ماهية الأخر الذي تنتشر ظلال ايدلوجياته في ظل تلك العولمة الناعمة
.
ـ دراسة اثر الأعلام في تفعيل الممارسات الديمقراطية من خلال منابره
الإعلامية وتشكيله المجال الشفاف بين الفعل السياسي والثقافي وردود الفعل
الجماهيري في ظل شعارات العولمة الإعلامية في التبشير بالديمقراطية الحقيقية عبر
نوافذها الإعلامية .
ـ تحديد الآراء بشأن العولمة الإعلامية ( العولمة الناعمة ) وخطورة دورها في تحقيق الأمركة في كافة
أبعادها في عالمنا العربي .
ـ دراسة اثر العولمة في إخراج العالم العربي من بعد أحادية التفكير
وحركة التواصل الثقافي عبر تقنيات العولمة الإعلامية
ـ مناقشة أهمية الانفتاح الإعلامي المتوازن المصحوب بالتفاعل مع الجديد
القادم واستيعاب النظم المتطورة ودمجها في وسائلنا الإعلامية وتأهيل الكوادر
الوطنية في بعد التطوير المهني
واعطاء مساحة للحرية الإعلامية في ظل تحديات العولمة الإعلامية
يشير المنظرون في مجال العولمة والأعلام إلى أن من معطيات العولمة حالة
التراجع الملحوظة في السيادة الوطنية والثقافية للدولة. ذلك أن تقنية الاتصال
المعاصرة تسمح للفرد بالانفتاح على مجالات إعلامية وثقافية متعددة من دون أن يكون
خاضعاً لمشيئة الدولة وسياساتها الإعلامية والثقافية. هذا الانفتاح وما يقابله من
تدفق معلوماتي مقصود تجاه المشاهد المستقبلين لا بد أن يؤثر إلى الدرجة التي يمكن
معها أن يرتبط المستقبل برصيد معرفي مشترك مع المصدر "الآخر" القوي،
مصدر قد يؤثر في سلوكه وتفكيره أكثر من ذلك المتعلق بهويته الأصلية. ما مدي تقييمك
لأماد ذلك التراجع في السيادة الوطينة والثقافية في ظل مخاطر العولمة الإعلامية ،
وما رؤيتك النقدية لذلك الأخر القوي في ظل العولمة الإعلامية ؟
وكانت إجابات الأساتذة الكرام على النحو الآتي :
الأستاذ الدكتور ابراهيم الداقوقي : إن
الانقلاب العاصف لتقنيات الاتصال وانفجار القنبلة التلفزيونية الدولية ومحاولة
الدول الصناعية الكبرى ، المالكة لتقنيات الاتصالات الفائقة التطور ، ايصال البث
التلفزيوني من الأقمار الصناعية مباشرة إلى البيوت - في جميع انحاء العالم - دون
الحاجة إلى المحطات الارضية في ثلاث
قارات متباعدة منذ اواخر القرن الماضي ، ادى إلى عولمة الفضاء الإعلامي ... بعد أن
استطاعت احتكارات النشر الإعلامي ، عولمة الصحف والاذاعات حتى منتصف القرن الماضي
. فقد انشأت الدول الكبرى المالكة للأقمار الصناعية ثلاثة مشاريع عملاقة في ثلاث
قارات متباعدة لعولمة البث التلفزيوني من خلال إنشاء اليابان للنظام الدولي الأول
للاتصالات المرئية ذي البث التلفزيوني المبتكر ومتعدد الاتجاهات . والمشروع
التجاري الأميركي الذي تطمح الشركات التجارية العابرة للقارات إلى ايصال اعلاناتها
التجارية إلى مناطق واسعة من العالم من اجل اقتناص المستهلكين ولتصريف بضائعها ومن ثم إمطار بلدان العالم الثالث بالبرامج التي تهدد خصوصيات الأفراد
والاستقلال الثقافي للدول . في حين يستطيع مركز التلفزيون العالمي الأوروبي ،
ايصال البث التلفزيوني إلي شاشات التلفزة المنزلية والتقاط البرامج من محطات
عالمية تفصل بينها مئات الالاف من الأميال ، عن طريق القمر الصناعي الفرنسي ( تي .
دي ، في ) للبث التلفزيوني المباشر . وقد ادى تعاون هذه المشاريع الثلاثة الكبرى
فيما بينها - إضافة إلى الاحتكارات الإعلامية المتكاملة لبيل غيتس الأميركي وروبرت
مردوخ الاسترالى وبرلسكوني الايطالي وجاك لوك لاغادير الفرنسي وكونراد بلاك
الألماني وغيرهم - إلى عولمة الإعلام
من خلال تحول الصحافة اليومية الوطنية إلى صحافة عالمية تطبع عن طريق
الأقمار الصناعية في عواصم القارات الخمس وتوزع في الوقت نفسه في جميع انحاء
العالم مع نشر- معظمها - مجانا عن طريق الإنترنت ، الذي اصبح ذاكرة العالم
المعلوماتية مع تحول التلفزيون إلى راديو مرئي ، حيث افرز التوجه نحو عولمة
الإعلام ، ثلاثة مظاهر إعلامية - ثقافية على صعيد العالم :
1 - إلغاء
الحدود القائمة بين الدول بتحويلها إلى خطوط وهمية ، مما ادى إلى فقدان الأنظمة
المغلقة على نفسها ، قدرتها على التحكّم بها والسيطرة عليها من جهة ، ونشر ثقافة
الكوكا كولا واعلانات ( تعال الى حيث النكهة ) وطراز الحياة الغربية من اجل زرع
قيم مجتمعاتها ( العنف والجنس والخيانة والعنصرية ) في بلدان العالم الثالث -
ومنها بلادنا العربية - وقيام إعلامنا المتخلف بتقليدها ونشرها - بوعي أو بدونه -
لتزييف وعي انساننا مع قيام أنظمتنا الاستبدادية بإساءة استعمال حرية الإعلام لحجب الحقائق عن المواطنين فحدثت فجوة
ثقافية كبيرة بين القيادة السياسية وبين الجماهير نتيجة عدم الثقة المتبادلة
بينهما ، فقام الإعلام المعادي - الذي يمثل الشخص الثالث - بالنفوذ بينهما ، لبث
سمومه من خلال خلطها ببعض الدسم ، من جهة أخرى .
2 - الأخذ
بالمشاهد الواقعية Reality Show ودمجها بالخيال العلمي لانتاج المسلسلات والأفلام الناجحة
والبرامج الخفيفة كالمنوعات و مسلسلات
حرب النجوم ، دالاس ، دايناستي ، اكس فاينر ، آل سمبسون ، وافلام تيتانيك
وفول ماونتي ودكتور دولتيل وشيئا ما عن ماري الاميركية وصناعة الدراما التلفزيونية
البريطانية والافلام والمسلسلات العاطفية البرازيلية الطويلة والمسلسلات العائلية
الالمانية والافلام الوثائقية الأدبية والثقافية الفرنسية . وهي تلك البرامج
والمسلسلات والافلام التي تجاوزت حدود بلدانها المنتجة وفرضت نفسها على تلفزيونات
العالم .
3 - إنشاء
بنوك المعلومات التي تعمل بالنظام المعلوماتي العالمي والتي تعد ذاكرة العالم في
عصر العولمة . وقد كانت صحيفة " النيويورك تايمز " سباقة لانشاء بنك
معلومات خاص بها عام 1972 بعد التطورات الهائلة في مجال تقنية الكومبيوتر ، والذي
وضع اللبنات الأساسية لانشاء شبكة الانترنت بعد عام 1994 التي تولت إعلاء سقف
الحريات في العالم الثالث تحقيقا لديموقراطية الإعلام واقامة البرلمان العالمي
المعولم الذي يستطيع أن يتكلم فيه " المواطن العالمي " بحرية وطمأنينة -
الى حد كبير - من كل انحاء العالم . رغم محاولة الاحتكارات الإعلامية الدولية
والايديولوجيات المسيطرة وانظمة الحكم الاستبدادية في بلادنا ، حجب بعض تلك
المواقع الانترنتية الرائدة بحجج وهمية زائفة ، من جهة . ... لاسيما بعد ان حوَل
الانترنيت العالم الى قرية صغيرة وصار للمنافسه الحرة الطريق الوحيد للصعود واحتلت
الولايات المتحدة الموقع الاول والاقوى في العالم اقتصادا وتكنولوجيا ولغة ، من
جهة اخرى . حيث ثبت ووفق احصائية نشرت عام 1988 ان (88 % من معطيات الانترنيت هي
باللغه الانجليزية مقابل 9 % بالالمانية و2 %بالفرنسية و1 % موزعه على كافة اللغات
العالمية ) وصارت اكثر من خمسمائة شركة متعددة الجنسيات تحكم اقتصاد العالم كله ... إضافة الى تحكم الولايات المتحدة بمواقع الانترنت
الخارجية الكترونياً ، مع إتاحة الحرية الكاملة لمواطنيها في استخدام الانترنت
داخليا .
ـ الأستاذ ايمن اللبدي : تلكم الإشارة لم
تعد إحالة إلى ما يمكن أن يتحقق من معطيات بل غدت مشاهدة ملموسة في واقع عدد غير
قليل من واقع التقسيم الجغرافي للشعب العربي في منظوماته الواضحة في الخليج
العربي، دول المشرق الباقية ودول المغرب العربي مع بعض التفاوت في حجم تشكّل وضوح
هذا الأثر ودرجة نفوره عن قاعدة موروثه الذي طالما شكّل له طابعه الخاص سواء ذلك
الإطار الكبير والهيكل الحامل جملة السمات المشتركة بين العرب أو تلكم النافذة
الخاصة بكل من هذه القواعد الثلاث .
نحن اتخذنا المثال العربي في هذه الحالة عدا عن كون أهمية ما في
العولمة المبشّر بها تأتي أولا من مدى استهدافنا كأمة وكقومية وهو الرئيس في هذه
النظرة ، ولكنّ الحقيقة أن العولمة بطبعتها وطبيعتها كمرحلة خاصة في الاقتصاد
الهجومي الجديد فيما هو بعد السوق وبعد الشركات متعددة الجنسية وبالتالي بعد
الامبريالية وطروحات الجميع من ماركس وحتى هربرت ماركوزا ، ذلك الاقتصاد الذي
بطبيعته الجلدية الجديدة يلزمه ثوبه وغطاؤه الثقافي والاجتماعي الخاصين أيضا والمنقولين
إعلاميا للتأثير والقولبة وسلب كلّ المحددات السابقة عليهما مهما كانت ، قد نجحت
في ضرب مختلف الجغرافيا العالمية وخاصة في الشرق ومجتمعاته وجزئيا في أمريكا
اللاتينية وأفريقيا.
لكن هنا لا بد من القول أن هذا الآخر القوي لم يعد بالضرورة في يد سوق
بعينه حيث تفشّى السوق وأصبح أكبر من أن تضبطه قوانين أو تحافظ عليه ذراع عسكرية
قوية ضارية لا سيما وهي تترنّح اليوم عقب انزلاقها إلى مراحل الغرور القاتلة كما
في مواجهة الولايات المتحدة في أكثر من ساحة ، وبالتالي فإن الأداة الناقلة لم تعد
هي الفيصل النهائي بل إن الفيصل النهائي هو ناتج معادلة التفاضل والانحراف في
مستوى هذه القوة وكلما كان الناتج أعلى كلما سنحت الفرصة لدخول ثقافات موازنة ،
وهذه الثقافات هي تلك التي استطاعت أن تحافظ على ذاتها في مواجهة السوق المنفلت
ضمن معادلات خاصة بها ابتكرتها وحافظت على متانتها كا هو حال اليابان مثلا.
ثمة فرصة موجودة دوما للشعوب التي تستطيع التغلّب على خوفها ومخاضات
فشلها وتجاربها المؤلمة والتي تستطيع دوما أن تثبت جديتها في موازيين التحديات
مهما كانت ولذا فلا يجب أن نلوم العولمة في نهاية الأمر لأنها قادمة لا محالة ضمن
منظور التطور التاريخي الاقتصادي سواء أكانت من الشمال جهة أخرى ، الصدفة
التاريخية جعلتها تأتي أمريكية ولو كانت نتيجة الحرب العالمية الثانية شيئا آخر
لربما كانت هذه الأيام عولمة يابانية فلماذا دوما نلجأ إلى التبرير؟! وغير صحيح أن النتيجة ستكون دوما بهذا الشكل لو
قمنا بأداء واجباتنا البيتية على الوجه الأكمل.
ـ الدكتور محمد سعيد الريحاني : ينبغي
أولا الإشارة إلى أن "العولمة" كانت مطلبا إنسانيا ودوليا.
"العولمة" كانت حلما يراود البشرية بأكملها وكان السبيل النبيل إليها هو
دمقرطة الإعلام والإقتصاد. ولأن دول العالم الثالث كانت المتضرر الأول من النظام
الدولي السابق ومن كل أشكال الهيمنة في القرنين السابقين، فقد كانت هي البادية و
السباقة إلى الدعوة إلى المطالبة بدمقرطة العلاقات الدولية من داخل منظمة
اليونيسكو يؤيدها في دلك الأمين العام للمنظمة المختار امبو. والمطلب هو: دمقرطة النظام
الدولي اقتصاديا وإعلاميا بشكل يسمح لهده الدول العالمثالثية بالتنمية الاقتصادية
والمشاركة في تدبير الشأن الدولي. وهو في صميمه مطلب يقوم على تأسيس نظام عالمي
جديد مبني على القيم الإنسانية النبيلة كالتعاون والتضامن عوض الاستغلال و
المجابهات وشد الحبال... لكن المطلب أثار غضب الولايات المتحدة فانسحبت من المنظمة
تجر وراءها ربع ميزانية اليونسكو وسقط الأمين العام المختار امبو وضاع المطلب في
شقه الإنساني العادل عند نهاية التمانينيات من القرن الماضي.
لكن عندما انهار الاتحاد السوفياتي وانتصرت الولايات المتحدة الامريكية
في حرب الخليج الثـانية سنة 1991، وخرجت للعالم دركيا وحيدا مفردا للعالم عادت
لتستحود على المشروع العالمثالثي "النظام العالمي الجديد" اقتصاديا
واعلاميا لكنها البسته ثيابا إمبرياليا وأفرغته من كل محتواه الديموقراطي ونفسه
العالمثالثي، مكرسة بدلك واقع هيمنتها على العالم وتبعية هدا الاخير لها
ولشركائها.
وبدلك تحول المشروع من "العولمة" كما حلم بهاالمستضعفون إلى
"العولمة" كما يريدها الأقوياء وكما يمارسونها على ارض الواقع. وبدلك
اضحى العنف المادي والرمزي مضاعفا ، وأصبحت الهيمنة أكثر شراسة إذ لم تعد
الهيمنة تقتصر على مراكز القرار السياسي في الدول الصغرى بل تعدته إلى الهيمنة على
الأفراد مجتمعين ومنفردين ، مستفيدة من امتلاك وسائل الإنتاج الجديدة في
الثورة الإنسانية الجديدة: وسائل
الإعلام والاتصال.
ـ الأستاذ أيوب المزين: قبل الخوص في تحليل الفكرة المعروضة في السؤال
لا غرو أن نعود قليلاً, في بضع جمل, إلى نشأة هذه المنظمة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية الجديدة-القديمة ( العولمة ).
بدءاً بالانهيار التام للاتحاد السوفيتي مروراً بسقوط جدار برلين
والحرب الصليبية الأولى على العراق, انتهاءً بختام جولات "الغات" بتوقيع
اتفاقية مراكش سنة 1994م وبالتالي تأسيس المنظمة العالمية للتجارة.
هكذا فتحت التسعينيات صدرها الرحب ممهدة لقرن يسود فيه فراغ دولي برزت
على أنقاضه هيمنة فكرية وسياسية واقتصادية, في توسع متزايد للفجوة التكنولوجية
والمعرفية بين الشمال والجنوب.
والإعلام من بين مئات الأسلحة التي يستعملها "الاستعمار
الجديد" ويسخرها لتحقيق أهدافه ومقاصده لدى "الأعداء-الأصدقاء",
وذلك راجع لكون دول العالم الثالث مجرد مستهلك لما ينتجه الغرب وليس فاعلاً
ومؤثراً. لقد دخلنا وسط زخم أرجل نداس تحتها بقوة بواسطة أحذية جلدية ضخمة
صلبة..., لا ترحم... .
وأمام هذا الكم الهائل من طرق انتقال المعلومة والخبر في سياق يبدو
أكثر شفافية ووضوحاً, يقف المواطن العربي موقف الحائر, فهو هارب من تسلط الدولة
واحتكارها للثقافة والفن والإبداع برقابة تخل بمبادئ الحرية الفكرية التي أقرها
الإسلام وباقي الأديان السماوية, وحتى تلك التي جيء بها في بداية القرن العشرين
تحت اسم " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ". ليجد نفسه ( المواطن العربي
) تحت رحمة "قوى خارجية" خلقت هذه المساحة الإعلامية الشاسعة -أو
"الحرة" كما يحلو لهم نعتها- لكي تمارس نوعاً جديداً من الحرب تم التخلي
فيه عن أساليب الترويع والتخويف التقليدية لتحل محلها أساليب "الحنان
الاستعماري".
ولعل المتابع للفضاء السمعي-البصري الدولي سيستنتج أن الأفلام
الهوليودية تغزو العالم – وخاصة العالم العربي المستهدف – (جزء من المؤامرة),
لأنها تظهر العنف والجنس, ونجاحها في إخضاع المتفرج العربي يرجع بالأساس إلى ذاك
الفراغ الإعلامي على المستوى الداخلي, والأمر هنا يشابه مسألة اللجوء السياسي.
فذاك سياسي يجلؤ من بطش نظام جائر وهذا مشاهد يفر من إعلام تقليدي على درجات عليا
من الميوعة وتكرار المادة الإعلامية إلى آخر متقدم دائم التجديد. ورغم ذلك نحن لا
نخدع بالمظاهر, فإذا كان هذا النظام الإعلامي الجديد-العولمي قد أتى بحرية مطلقة
ودمقرطة نوعية للمعلومة, فإن نوايا أصحابه ومدبريه أبعد من ذلك, لأنها تحاول تغيير
المفاهيم والقيم الاجتماعية للبلدان الأخرى وعلى هذا الأساس أقيمت فضائية
"الحرة" وقبلها إذاعة "سوا" حاملتين في جعبتهما خطاباً
إمبرياليا حاولتا وتحاولان من خلاله حذف قاموسنا السياسي والإتيان بآخر, فراحتا
تسميان الاحتلال الأمريكي في العراق بـ"التحرير", والمقاومة
بـ"الإرهاب", وما إلى ذلك من اتهامات فارغة.
إذن فإن دور الدولة الوطنية وتحكمها في الإعلام وكل تبعاته قد تلاشى
تماماً بمجرد موافقتها على المشاركة في هذه المقابلة, والتي ستخرج منها خاسرة
لأنها لا تمتلك آليات الصد والدفاع. ثم إن ذلك "الآخر القوي" سيزداد قوة
أمام عدم تواجد تخطيط إعلامي جدي في وطننا العربي. وبالتالي فإن مستقبلنا سيبقى في
يد الآخر. التلفزة اليوم هي من يربي وليس البيت, فهل تريدون أن ينشأ عندنا جيل
عربي-أمريكي يدين بدين الرأسمالية ويتبع عقيدة العقيدة الصهيونية البرجماتية؟؟؟.
وطرح في الندوة التساؤل الأتي حول اثر الأعلام في تفعيل الممارسات
الديمقراطية من خلال منابره الإعلامية وتشكيله المجال الشفاف بين الفعل السياسي
والثقافي وردود الفعل الجماهيري في ظل شعارات العولمة الإعلامية في التبشير
بالديمقراطية الحقيقية عبر نوافذها الإعلامية، وكانت إجابات ضيوفنا الكرام على
النحو الآتي :
الأستاذ الدكتور ابراهيم الداقوقي :
تقولين " أن بعض المفكرين يعتقدون بان الإعلام اصبح يشغل المجال الشفاف بين
الفعل السياسي والثقافي ورد الفعل الجماهيري " . غير أنني قد عبرت عن هذه
الفكرة منذ العام 1986 ( كتابي : قانون الإعلام - نظرية جديدة في الدراسات
الإعلامية الحديثة ، بغداد 1986 ) بمقولتي " الإعلام علم ديموقراطي "
سواء أكان نظرية أم عملية اجتماعية إبداعية ، حيث فسرتها - أي المقولة - في بحوثي
واوراقي الإعلامية التي ألقيتها في المؤتمرات العربية والدولية ، بالقول " إن
الإعلام علم ديموقراطي ، لان ثمة علاقة عضوية بين الإعلام والديموقراطية والتنمية
الحضارية التي لا تتحقق إلا بالاعتماد على القدرة الذاتية وتطويرها بالمنهجية
العلمية في ضوء التجارب الإنسانية الأساسية في هذا المجال . بل إن علم الإعلام
الديموقراطي هو علم العلوم نظرا لارتباطه بكافة العلوم التجريبية والإنسانية
وتأثيره فيها مع تأثره بها . فلولا علم الفيزياء - مثلا - لما وصل الإنسان الى
القمر وبإطلاق الأقمار الصناعية ، ولولا الكيمياء لما تم اكتشاف أبعاد الصورة
الفوتوغرافية ثم التلفزيونية ، ولولا اللغة لما استطاع الإنسان توصيل رسالته
الإعلامية الى المتلقي والتأثير عليه ... وكذلك الأمر بالنسبة الى علوم الاحصاء والتاريخ
والنفس والاجتماع والجغرافية والقانون وغيرها من العلوم التي تؤثر وتتاثر بعلم
الإعلام الديموقراطي . غير أن الإعلام العربي ، إعلام مستبد بلغة خطابية آمرة
بعيدا عن الحوار الديموقراطي الذي هو أساس العملية الإعلامية المبدعة " (
ورقة حرية الإعلام - ندوة تونس الفكرية 2001 ) . فاذا لم يكن ثمة انفتاح ديموقراطي
في البلاد ، فلا يمكن ممارسة العملية الإعلامية بحرّية ولا يستطيع المثقفون تبادل
المعلومات واجراء النقاشات الحضارية والحوار البنّـاء بدونها . ومن هنا يعتقد بيل
غيتس ، صاحب شركة مايكروسوفت واغنى رجل في العالم ، بان هذا التأثير والتأثر بين
العلوم المختلفة قد ادى الى تغيير الكثير من المفاهيم السائدة " لان هذا
التغيير في وسائل المعرفة يعني على صعيد أخر تغييرا في خارطة العلاقة بين مصادر
القوة الثلاثة : الثروة والسلطة والمعرفة . فمع التبادل الرقمي للمعلومات في العصر
الإعلامي الراهن تصبح المعرفة قوة لا يستهان بها والمصدر الأول لانتاج الثروة
والمعلومات والسلطة معا " .
ويمكننا التأكيد - بهذا الصدد - بان تشغيل المنظومة الرقمية الذكية (
ديجيتال ) في مجال الانترنت والأدمغة الإلكترونية ، يعني أن إدارة المعلومة قد باتت نظام الأنظمة
... سواء أكان ذلك في الإنتاج المادي والتقني أم في الإنتاج الفكري - الثقافي في
إطار حق الإعلام وممارسته من خلال حرية الإعلام ، لاسيما وأن الانترنت قد ادى -
والى حد كبير - إلى خلق مجتمع مدني أكثر ديموقراطية وأكثر فاعلية . ومن هنا فقد دعت المادة الأولى من إعلان
اليونسكو حول حرية الإعلام ، الصادر في 28 نوفمبر / تشرين الثاني 1987 الى ضرورة
تحقيق تلك المعادلة - الصعبة - من خلال تداول المعلومات بحرّية ونشرها على نطاق
واسع وبشكل اكثر توازنا . كما أننا دعونا ومنذ العام 1986 ( في كتابنا "
قانون الإعلام " ص 80 وهو الذي لا يزال يدرس في معظم معاهد وكليات الإعلام
العربية حتى اليوم ) السلطة السياسية الى " التقيد بإضفاء الحصانة على ساحة
الحقوق التي يتمتع بها الفرد ، وبذلك يكون للفرد حق التمتع بحقوقه السياسية
والاجتماعية من خلال تعبيره عن معتقده ضمن ( حرية الرأي ) وبعكسه ، فان إنكار تلك
الحقوق والحريات ، إنكار لذات الفرد وشخصيته " . لاسيما وان حق الإعلام يمنح
المواطن - أو الآخر - حق الاطلاع
على الآراء المختارة ، ومن هنا فان كل حق يكتسبه الفرد - من وجهة نظر قانون الإعلام
- هو بمثابة حرية يمارسها تجاه السلطة لتحقيق تلك المعادلة التي يمكن أن تتحقق -
أيضا - على الصعيد الدولى من خلال إعادة التوازن للإعلام الدولى ، أي النظام الإعلامي الدولي الجديد .
ـ الأستاذ ايمن
اللبدي : لحظة من فضلك ، هذا حديث يصلح أولا للمجتمعات التي نمت ونضجت ومارست
الفعل الديموقراطي وتطورت لديها كل المناشط الإنسانية والثقافية والفكرية
والمعرفية تطورا سليما وضمنها بالتأكيد الإعلام والاتصال وهكذا يمكن في هكذا
مجتمعات سليمة التجربة إلى حد كبير استخدامها مثالا صالحا للقياسات المختلفة لأنها
اتخذت أبعادها الحقيقية التامة الناضجة ، فلو استخدمتها بعد ذلك في قياس كهذا
لأمكن الخلوص إلى نتائج محددة بالنظر والدرس والقياس والإحصاء أو ما شئت!
أما المجتمع العربي فهو مجتمع مبتور التطور الطبيعي خداج الممارسة
يقترب من الميوعة في كثير من خواصه لدرجة المائية بحيث يغدو تاليا آخذا مستويات
خادعة في كل أنبوب وتعلمين ما تقوله حكاية الأنابيب المستطرقة الشهيرة، هنا لن
تكون أي قاعدة ولا فكرة صحيحة تماما وفي نفس الوقت لن تكون خاطئة تماما، الواقع
أنها لن تكون بمكان يسمح فيه بالقول هنا وصلنا وهنا لم نصل هذا عدا عن الطفرات
المفاجئة والتقلبات الصادمة، أرى مبدئيا تحفظاً كبيراً على تطبيق هذا على العالم
العربي والمجتمع العربي من حيث المبدأ.
فيما يتعلق بالإعلام ذاته عربيا دعينا نقف طويلا ونسأل أين هو الإعلام
العربي الذي يمكنه أن يكون أولا برسالة حقيقية وثانيا هو بذاته ديموقراطيا وثالثا
صاحب رسالة حقيقية ؟ إن كنت تقصدين الإعلام المسموع والمشاهد فهو إما إعلام ما عاد
يحتفي به سوى موظفيه ومن وظّفهم له في الأغلب الأعم ولا سيما في الإعلام الرسمي أو
الإعلام الاقتصادي الذي افتتح منبرا لحالة اقتصادية وسياسية خاصة، أما الإعلام
الخاص العربي فمعظمه إعلام فائض الربح لا يقدّم أصلا هواء لرئتيه بل يقدّم جرساً
للعابه، هو صاحب رسالة اللارسالة طالما هي موصلة للانتشار والتسويق.
أما الإعلام المقروء فهذا ندعو له بالرحمة بعد أن (أخذ الله
وداعته) فيه كما يقال، وقد سلف وأن
أدى دوراً مطابقا لحال الإعلام المسموع والمشاهد هذه الأيام وانطبق الحافر على
الحافر في حكايته هذه ، أي إعلام هذا الذي لم يستطع حتى تاريخه أن يسجّل ولو مرةً
واحدةَ نصراً ولو بسيطا من أيِّ نوع ؟ دعيني أعود وأقول أنه صحيح أن ثمة استثناءات
محدودة بعرق وتعب أصحابها وإيمانهم با يفعلون ولا سيما في هذه الأيام بعد عصر
الشبكة المعلوماتية ولكنَّ الصورة الإعلامية والحكم لا يكون على هذه الاستثناءات
الحميدة والقليلة جدا في تقاطيع المشهد الإعلامي العربي الممول لكي لا يكون
ديموقراطياً ولا شفافاً ولا جماهيرياً (بالمعنى البناء) ولا حاملاً ثقافة حقيقية
فكيف تريدين منه أن ينتهي إلى تشكيل تجربة من هذا النوع؟ هل كان إعلانا العربي في
أي يوم من الأيام وحتى الساعة سلطة رابعة أصلاً ليتيح سلطته هذه لمساحة شفافة أو
غير شفافة ؟!
دعيني لا أصدمكم ولكن أقول إعلامنا العربي هو إعلام
بالبركة رغم وجود آلاف الأطنان من الورق في وزارات الإعلام العربية .
ـ الأستاذ أيوب المزين : تم المصادقة مؤخراً على قانون تحرير
القطاع السمعي-البصري في المغرب, وسمعنا عن شعارات حرية الصحافة المكتوبة في تناول
جميع المواضيع دون حساسيات, لكن ظهر العكس فقد قامت وزارة القصور والتشريفات
والأوسمة ببعث رسالة تهديد إلى أسبوعية "الجريدة الأخرى" عقب تناول هذه
الأخيرة موضوع الحياة اليومية للأمير سلمى عقيلة الملك محمد سادس. إذن – ومن هذا
المثال, والمغرب من بين الدول التي يشهد لها بالريادة عربياً – يظهر لنا أن هذه
الممارسة الفعلية للديمقراطية في الحقل الإعلامي العربي ما تزال ضئيلة جداً.
وأستحضر هنا تقرير المنظمة العربية لحرية الصحافة الذي جاء بأخبار عن اغتيالات
واعتقالات واعتداءات بالضرب في حق صحفيين من جميع الأقطار العربية. وإضافة إلى ذلك
جاء تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" ليفضح الأباطيل والشعارات الحكومية
عن الديمقراطية وممارستها. فبدت الدول العربية بأكملها – على ضوء هذا التقرير- في
مؤخرة السلم محطمة الرقم في عدم احترام الحقوق الأهلية للمواطنين والنخب.
إن ما نسمع عنه من انخراط في المجتمع المعرفي العالمي واستيراد
الديمقراطية هو مجرد استهلاك للمصطلحات وتلاعب بمشاعر الملايين فلا مساحة للممارسة
الديمقراطية عندنا, لا في الإعلام ولا في غيره.
وناقشت الندوة مفهوم العولمة الناعمة واثرها على العالم العربي وافاقه
الإعلامية ، وكانت أراء نخبتنا المثقفة في هذا الصدد على النحو الآتي :
ـ الأستاذ الدكتور ابراهيم الداقوقي : لا اعتقد بان تلك القوة الناعمة ، التي
تتسلل بخفة الحية الرقطاء لتسميم مشاعرنا
هي السبب في تحقيق الامركة بكافة معطياتها في عالمنا العربي ، وانما الدعاية الرمادية التي تبثها
الحكومة الخفية وتعتمد على مبدأ الضبابية الفكرية والسياسية بالاعتماد على الإبهام والغموض للتغطية
على سرية الأهداف الاساسية في بسط الهيمنة من خلال التبشير بـ ( الاستعمار
الديموقراطي ) مع استخدام المعايير
المزدوجة في حل أو تفسير أو تعليل القضايا الداخلية والاقليمية والدولية . كما أن
هذه الدعاية لا تتورع عن الكذب والغش والاختزال من اجل تمييع تلك القضايا الى حد
التناقض ، أو التخلي عن حلها أو التملص من العهود والوعود الملزمة لها أو القيام
باستفزاز عدواني لتبرير ذلك التخلي أو التملص من العهود . حيث يتجسّد هنا عدم
الأنصاف، والدجل السياسي وقلة الوضوح ، وغياب الهدف الأساس ، والتضليل وضبابية
المواقف ، التي تتصف بها الدعاية الرمادية . ومن هنا ، فإنني اعتقد بأنهم يقصدون
بالقوة الناعمة ( الاحتكار الأميركي للإعلام الدولي ) نتيجة قيام شركاتها العابرة
للقارات - من خلال اباطرة الاعلام غيتس وتيرنر ومردوخ - بعولمة الاعلام دوليا
وقيام الإدارة الاميركية ، بعد إعلان حربها الاستباقية وغزوها لافغانستان والعراق
، باحتكار نشر الصورة والخبر والإعلان - الذي اعتقد بأنه القوة الناعمة الحقيقية
التي أطلقت عليها تسمية الدعاية الرمادية ( بحثنا الموسوم " إعلام حرب
الأفكار الايديولوجية - العدد الثالث من مجلة عالم الغد ، فيينا - شتاء 2005 ، ص
23 - 31 ) التي تمارسها الحكومات
الخفية للايديولوجيات المسيطرة في العالم ، من اجل تحقيق الهيمنة واستلاب تراث
بلدان العالم الثالث المادية والمعنوية بإعادة استعمارها من جديد بحجة نشر
الديموقراطية أو مكافحة الإرهاب . في حين أن القوات الاميركية المحتلة للعراق ،
تتلكأ - رغم مرور اكثر من سنتين على إسقاط النظام الدكتاتوري البغيض في العراق -
في مكافحة الإرهاب ومافيا تجارة الأسلحة والمخدرات والرقيق الأبيض ولا في منع تسلل
الإرهابيين بالجدية المطلوبة... رغم أن أقمارها الصناعية التجسسية تستطيع الكشف عن
محتويات اضابير دوائر الدولة وتصوير أرقام السيارات الجاثمة على الأرض وقتل
الحشرات - بله البشر - بصواريخها الموجهة في مغاور الجبال والملاجئ الكونكريتية .
ومن هنا فقد أكدنا في إحدى مقالاتنا - المنشورة في المرصد الإعلامي الحر - بان
الامبريالية الاميركية المعولمة " هي السرطان الذي ينخر جسد دولنا العربية
نتيجة خذلان حكامنا المستبدين لشعوبها المتطلعة نحو الحرية والديموقراطية المنبعثة
من صميم إرادة تلك الشعوب " مما يستدعي مكافحته - أي السرطان - بلا هوادة .
ليس لانني ضد الديموقراطية الليبرالية أو احسد الاميركيين على النعيم الذي يعيشونه
... وانما لأنها تستعمل المعايير المزدوجة في النظر الى الشؤون الدولية من جهة ،
وبالتالي فان سياساتها وطروحات قادتها الفكرية لا تكتسب المصداقية ، من جهة أخرى .
وهذا هو السبب الحقيقي في العداء المستشري عالميا ضد الإدارة الاميركية ، وليس ضد
الشعب الأميركي - كما يدعي القادة -
وهي الكذبة المسطحة التي تنشرها إدارة المحافظين الجدد لاقناع دافع الضرائب
الأميركي لمساندة " حربهم العادلة " المعلنة ضد بلدان العالم الثالث ،
دون اخذ مصالحها الحيوية - في تلك البلدان - بنظر الاعتبار ، أو التغاضي عنها
لمصلحة الآخرين . ولكن - مع ذلك - فإنني على استعداد لإجراء الحوار معهم ، ليس
تذللا أو استجداءا للرحمة وانما لانني ضد الحرب والإرهاب والهيمنة الفكرية ،
لاسيما وان عصرنا الراهن - القرن الحادي والعشرين - هو عصر الحوار الحضاري ...
وليس الصراع الحضاري ، كما تروج له الدوائر الاستخباراتية للايديولوجيات المسيطرة
.
ـ الأستاذ ايمن اللبدي :
رأيي أن هذا صحيح تماماً وأوافقهم عليه قطعاً ولكن دعيني لا أتحمّس إلى
التعميم بنسبة مطلقة ، كقاعدة نعم هذا ممكن والقوة الناعمة هذه تفعل فعلها حقاً ،
ولكن دوما لكل َّ قاعدة شواذ فأنا لا أعتقد أن مهما كانت هذه القوة قوية ومهما
كانت هذه النعومة ملساء بحيث تتسلل كأفضل ما يمكنها تلوياً إلا أن ثمة استثناءات
قائمة في أماكن كثيرة لم تتح لهذه القوة الناعمة أن تحقِّق هذه النتيجة من حيث
السيطرة ، هي بشكل عام فاعلة على مقياس الواقع في أماكن عديدة ولكن ليست مطلقة.
فهذه القوة الناعمة لم يكن عزمها فاتكاً مثلاً لتقوم بالتأثير على كوبا
التي تبعد عنها أقرب من مسافة بؤرتها عن بؤرتها ومع ذلك كان نتاجها صفراً ثابتا
نصف قرن إلى الآن ! وهذه النعومة الخارقة لم تستطع أن تتسلل إلى ما تحت كوفية
الفلسطيني المقاتل وكوفيته نصفها فوق الريح وبقي مقاتلا غير خاضع لملسائية هذه القوة
وذات الأمر في عدد من مواقع المواجهة القائمة حاليا مع الأمركة والعولمة المحمولة
أمريكيا عبر قناة الحرة أو غير الحرة ومهما كان الاسم.
ربما هذا يقود إلى استدراك على هذا القانون الفاعل ولا أقول أنه غير
صحيح ولا أقلل من خطورة أمره ولا أدّعي أنه نوع من الترف التخويف منه ولكن أقول أن
القوة تصبح أضعف وأوهى ما يمكن ما دام هناك أرضية صلبة ومشاركة فاعلة وحرية ومنعة
في الأوطان تصبح بها عصية على هذه القوى مهما كانت شدتها أو درجة عزمها في البعد
الجغرافي أو القرب كما في حالة كوبا السابقة أو حتى فنزويلا التي أسقطت رهانات هذا
القانون وغيره وأبقت شافيز رغم انف هذه القوة! كما أن الشعوب المقاتلة في سبيل
حريتها وقضايا تحررها لا تغويها هذه الملاسة ولا هذه الأفعوانية وتبقى عصيةً عليها
ما دامت على إيمانها بقضاياها وثقتها بنفسها وإيمانها بحتمية انتصارها.
في هذه الحالات تكف هذه المعادلة عن العمل وتصبح صفرية من غير أثر ويقف هذا القانون ويصبح مجرّد مجموعة من الأمنيات والتمنيات بالنسبة لها وله ولا تكون الصورة بالنسبة للأمركة في يوم حظها إزاءها مطلقاً.
ـ وناقشت الندوة اثر العولمة في إخراج العالم العربي من بعد أحادية
التفكير وحركة التواصل الثقافي عبر تقنيات العولمة الإعلامية ، وادرج إجابات
الضيوف الكرام في هذا الصدد على النحو الأتي :
الأستاذ الدكتور ابراهيم الداقوقي : نعم ... إنها ليست رؤى حالمة ، لان دعاة العولمة الإنسانية والمتوازنة ، الذين يؤمنون بضرورة نبذ الحروب لتحقيق التضامن الإنساني بمكافحة الفقر والتخلف وتفعيل التثاقف بين الشعوب مع رفض الهيمنة هم رسل هذه الفكرة ايضا ، رغم غطرسة الامبراطورية الاميركية المعولمة . فقد قام ثلاثون مليون شخص بالمظاهرات – في جميع انحاء العالم - وهم من المؤمنين بفكرة (المواطنة العالمية) والمعارضين للعولمة المتوحشة ، في 600 مدينة كبرى - من ضمنها 90 مدينة أمريكية - في يوم السبت الموافق 15 فبراير / شباط 2003 التنديد بالفقر والاستغلال والدكتاتورية ولرفض الحرب، تلك المعارضة الكونية الشعبية- التي قامت دفاعا عن الشعب العراقي وليس عن دكتاتورية صدام حسين - والتي قادتها المنظمات غير الحكومية والجمعيات والنقابات وتكتلات جماعات الرأي واصحاب النشاطات السياسية والفكرية المناهضين للامركة الغازية المتغطرسة والداعين الى الحرية والعدالة للجميع في ثورة إنسانية عارمة نابعة من الضمير الأخلاقي والشعور بالمسؤولية .
واذا كان الكاتبان نيغري وهاردت ، مؤلفا كتاب ( الامبراطورية الاميركية
.... ) قد وضعا الأسس الاقتصادية
للإمبراطورية الامريكية الامبريالية، بالتأكيد على أن الولايات المتحدة الامريكية
قد طورت الرأسمالية الجديدة الى نموذج امبراطوري "يعد أعلى مراحل الامبريالية
" التي تعد- أي الرأسمالية الجديدة- شكلا من أشكال التوتاليتارية الدكتاتورية
المستبدة ... فان الفيلسوف الفرنسي والمواطن العالمي روجيه غارودي يعتقد "
بان تلك الامبراطورية لا تزال في دور التكوين لأنها تقوم اليوم- سياسيا- على رجل
واحدة بإعلانها الحرب على الإرهاب ونجاحها في تجييش معظم دول العالم خلفها لغزو
افغانستان ( الكلام يعود لعام 2002 ) أما الرجل الثانية- التي لا تستطيع أن تقوم
بدونها- فهي غزو العراق - الذي حدث في 9/4/2003 - من اجل تغيير منطقة الشرق الأوسط وفق بنية ثقافية منسجمة
" لتحقيق الاستراتيجية الاميركية للقرن الحادي والعشرين في الاستحواذ على
طاقتي البترول والغذاء- بالسيطرة على مصادر المياه وقنواتها ومعابرها والاراضي
الخصبة- في الشرق الأوسط الكبير، مع احتكار إنتاج وتسويق البترول فيه ، من اجل
تحقيق الهيمنة الكاملة بإقامة الامبراطورية الامبريالية المعولمة . واذا كان نيغري
يجيب في تحليلاته على العديد من الأسئلة التي تشغل بال السياسيين والاقتصاديين حول
موضوعة مأسسة (الامبراطورية) وتجذيرها والقوى العالمية الفاعلة التي ستقف بوجه
غطرستها، فانه يؤكد" أن القضية المهمة في تجذيرالامبراطورية الامبريالية ،
اوفي انتقال إنتاج الثروة من المعامل الى المجتمع ومن العمل الى الاتصالات هي تطور
أنماط الحكم المسلكي وتحولها الى آليات الرقابة ". واليوم ، قد تحول الحكم المسلكي الأميركي الى ممارسة الرقابة
فعلا - مثل معظم أنظمة الحكم الاستبدادية في العالم الثالث - على الأفراد
والجماعات والدول من خلال سيطرة الحكومة الخفية - المحافظين الجدد - عليها
واعلانها حرب الأفكار الايديولوجية. . فقد انشأت الولايات المتحدة مركزين كبيرين
متصلين بالأقمار الصناعية في كل من فلادلفيا وقرب لندن للانصات على الأفراد
والجماعات والدول ، إضافة الى رقابتهم – عن طريق الأقمار الصناعية التجسسية –
تنفيذا لخطط الدعاية الرمادية . بل أن قوات الاحتلال قد أقامت مركز تنصت ورقابة في
إحدى معسكراتها القائمة في محافظة الموصل بشمال العراق ، لرقابة تحركات الأفراد
والجماعات في العراق وسوريا وتركيا وايران . فاذا كان مجلس الأمن القومي ، هو الذي
يحكم الولايات المتحدة الاميركية ... فان ( الحكومة الخفية ) الاميركية تحاول
اليوم أن تحكم العالم . وتقوم الحكومة الخفية بكل تلك المساعي السرية الإجرامية
والإرهابية من التعذيب وانتهاك الحقوق والقتل والاغتيال وشن الحروب ، دون ايلاء
الأهمية للرأي العام العالمي والشرعية الدولية وحق الشعوب في الحياة الحرة
والكريمة، باساءة استعمال حق الاعلام والتوسل بالعنف والإرهاب وبمحاربة الحقيقة والعدل
باستخدام المعايير المزدوجة البعيدة عن الحق والعدل والإنسانية .
ومن هنا ، فإننا ندعو – من هذا المنبر الحر – حكامنا والقابضين على
السلطة في بلادنا ، بان لا يستقووا بالأجنبي الطامع ببلادهم وخيراتها ، وانما أن
يقوموا بايلاء الثقة بشعوبهم التي هي اكثر إخلاصا لهم واعظم قوة من كل جبابرة
الأرض ، من خلال إلغاء وصاية الدولة الفكرية بإقامة دولة القانون في بلادها . ولنا
في الزعيم الوطني الديموقراطي محاذير محمد ، الذي استطاع – ونيابة عن كافة المسلمين - أن يقول ( لا كبيرة ) لتلك الايديولوجيات المسيطرة لايمانه
بشعبه وثقته بوطنيته ، بعد أن استطاع
القيام بالإصلاح السياسي والاجتماعي الجذري في بلاده بالاعتماد على الذات،
ومن خلال التوفيق بين البيروقراطية الحاكمة و الحركة الإسلامية المعتدلة ، مع عدم
إقصاء الآخر ومنح الاقليات الأخرى حقوقها بالاعتراف بالتعددية الفكرية وتعدد الهويات
في بلاده ، لإجراء التغيير بمضمونه الديموقراطي الليبرالي البعيد عن قوقعة
العقائدية الاستبدادية والوصاية الفكرية ، فقدم للإنسانية نموذجا فريدا – ويحتذى
- في التنمية البشرية والوطنية
الصادقة في بلاده . بل أن الرئيس
الفنزويلي الديموقراطي ( شافيز ) استطاع أن يقول ( لا ) لأميركا رغم جبروتها
ومؤامراتها ضده وضد بلاده ، لانه
زاهد في السلطة وفي توريثها الى أبنائه أو احفاده وزاهد – ايضا - في اكتناز المال أو امتلاك الجزر أو القصور في
الرفييرا الفرنسية أو لاسفيكاس
الاميركية ، لانه آمن بشعبه و بقواته المسلحة الوطنية كدرع واق له ولنظامه
الجمهوري الديموقراطي الشفاف . كما أعطت الرئيسة الفليبينية درسا بليغا لكل
الزعامات العربية والإسلامية في القيادة الرشيدة والشعور بالمسؤولية الأخلاقية في
حماية مواطنيها واحترام كرامتهم ، عندما تحدت الولايات المتحدة ورفضت كل تهديداتها
وضغوطاتها بقرارها الشجاع بسحب قواتها من العراق ، من اجل إنقاذ حياة مواطن فلبيني
بسيط اصبح رهينة في العراق .
الأستاذ ايمن اللبدي : ما سبق الحديث عنه
عن تأثير تطور وسائل الاعلام وأدوات الاتصال وأثره بين الطرفين مهما كان هذين
الطرفين وبغض النظر عن زمكانيتهما هنا صحيح في مستويين : الأول المستوى المهني
الحرفي إعلاميا من حيث التجانس والتماثل في الأداء وبالتالي محاولة الوصول إلى
الأفضل الذي هو قدوة أو مثال في المستوى الحافزي الجوائزي إن صحّت الإشارة ،
والثاني في المستوى البحثي وبالتالي الأكاديمي المدرسي وما يتيحه من مساحات
تطبيقية توفّر ظروفاً مثالية ً للالتقاء والتثاقف وربما تقود فعلا لتفهّم وليس
بالضرورة تفاهم ما.
الأمر الآخر أن التواصل المفضي إلى الحوار سيجد طريقا لازما للخلوص إلى
نمط ما من التضامن الإنساني إن كان يعمل في وسط غير مغرض وغير موجّه ، لكن الحقيقة
أن معظم هذا الإعلام هو إعلام موجّه تماما أي إعلام الآخر وليس بالضرورة أن يكون
موجهاً رسميا ً كما اعتدنا في مشرقنا عبر سطوة الدولة ، ولكنه عندهم وجّه عبر سطوة
صانعة الدولة أي القوى التي تقوم بصنع الرئيس أو صنع الزعيم كا يقولون أنفسهم
وبالتالي فعند هذا الحد يمكن التوقّع أن العملية لا تجري قطعا في معظم رحلتها في
أرض ٍ سلية وخالية من العطب والألغام ولذا فإن هذا التلاقي لا يقوم للأسف على
إنتاج مكوّن جديد مفاجيء لنا عند هذا المفصل.
هذا من جانب الآخر أما عندنا فإن إعلامنا إعلام معطوب منذ البداية لم
يصلح لا ليكون موجهاً ولا ليكون غير موجهٍ في معظم الأحيان وبالتالي فإنه لم يستطع
أن ينهض ليحمل رسالة ما ويؤثر في هذا الآخر عندما يلتقيه ويتحاور معه لا إعلاميا
ولا جماهيريا، لا في الجانب الناطق بلغته (أي العربية) ولا بالناطق لأجله إن نطق
في بعض نشرات موجزة أحيانا، وبالتالي فإن صفة حالمة تصبح ثوبا كريما جديداً لهذه
الحالة المستحيل تخيلها تعمل على أداء وظيفة كهذه في ضمن هذه المعطيات.
مرة أخرى نحن نتحدث عن الأعم ولكن حالات قليلة كسرت قاعدة هذه النمطية
في الإعلام العربي كما في حالة قناة المنار الفضائية اللبنانية استتبعت فوراً ردود
فعل دولية وعلى مستوى العالم الحاضن للمشروع الاستكباري ضد الأمة، وحالات أخرى
سجّلة في وسيلة أو وسيلتين إعلاميتين هنا وهناك لا تنهض لتشكّل رافعة لنشل قصة
الإعلام العربي ككل ولكنها فقط تعطي درسا وتضيء زاوية مهمة تكسر بعض أشكال التيئيس
من الفعل ومن العمل، نقد الواقع والاعتراف به كما هو شيء والاستسلام أو الدعوة
للاستسلام له شيء آخر تماماً.
المطلوب أولا إعلام عربي معافىً ، له يدان وقدمان حقيقيتان غير خشبيتين ولا فولاذيتين وله بصر وبصيرة ويتنفس هواءً لا دخاناً ولا تراباً ثم يقال له أمامك الميدان فافعل، ولكن ليس كما قال الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ..............إياكَ إياكَ أن تبتلَّ بالماءِ!!!
وتناولت الندوة
أهمية الانفتاح الإعلامي المتوازن المصحوب بالتفاعل مع الجديد القادم
واستيعاب النظم المتطورة ودمجها في وسائلنا الإعلامية وتأهيل الكوادر الوطنية في
بعد التطوير المهني واعطاء مساحة
للحرية الإعلامية في ظل تحديات العولمة الإعلامية ، وكانت وجهات نظر أساتذتنا
الكرام في هذا المجال على النحو الأتي :
ـ الأستاذ الدكتور ابراهيم الداقوقي : احدث الاختراق الإعلامي
الكبيرللفكر العربي تخديرا في منظومته النخبوية الرباعية ( مراكز القرار السياسي والقوى الثقافية
المبدعة والخطاب الإعلامي وقادة الجماهير)...، بدل أن يحدث رجة فكرية عاصفة فيها
لدفعها نحو التحدي الخلاق . لان ذلك الاختراق الكبير - من خلال الراحة النفسية
ودغدغته لغرائزالمواطن ومخاطبة عواطفه بالافلام والمسلسلات والبرامج المسلية - كان من القوة والجبروت بحيث خلقت لديه
تبلدا في الأحاسيس وضعفا في شعور الاستجابة الفورية للأحداث . نتيجة تكرار مشاهد
العنف والجنس والخيانة ، ما ادى به - بالتدريج - الى عدم الانفعال الجدي بحوادث
الاعتداء على القيم والمقدسات والاخلاق الاجتماعية المتعارف عليها . وبذلك فقد
خلقت تلك البرامج ، الشخصية التوفيقية غير القادرة على مقاومة موجة الانحلال
والمسخ الروحي ، وقتلت الجانب الكفاحي في وجدانه ... ومن ثم إعادة تكوينه وفق
أهواء معدي تلك البرامج ومخططي الاستراتيجيات الإعلامية للايديولوجيات المسيطرة .
وهو الهدف الرئيس الذي ترمي إليه حرب الأفكار المعلنة ، بدعايتها الرمادية الكاسحة
. واذا أضفنا إليه - أي الاختراق - ابتعاد الفكر العربي عن الممارسة الديموقراطية
والاعتراف بالآخر ، وضعنا اصبعنا على الخلل في معادلة هامش الحرية ومسؤولية
الإعلامي الاجتماعية في الدعوة الى التغيير والإصلاحي بتحدي كافة المعوقات التي
تعرقل المسيرة نحو التقدم والرقي . ومن الطبيعي أن مثل هذا الخلل لا يمكن إزالته
إلا بثورة فكرية شاملة تبدأ بمراجعة الذات بثقة وبدون مباهاة ، مع إعادة النظر في
كثير من المسلمات الفكرية والأوهام التي تكبل تفاعلنا الخلاق مع الواقع المعاش من
جهة ، والانفتاح على الآخر - دون استسلام لمعاييره ومثله وارائه – لتنشيط فاعلية
الإعلامي - الإنسان - ودفعه الى مستوى الفعل والمبادرة والابداع ، من جهة أخرى.
ولكن ذلك لا يعني باننا ندعو الى وحدة وتجانس الخطاب الإعلامي العربي نموذجياً أو
تحويله الى صورة نمطية مقولبة وحدانية Steriotype وانما ليكون أداة لتحرير
المواطن والوطن والدولة من خلال مبادراته الحرة والمبدعة وتحليلاته الشجاعة – غير
المبررة للاستبداد والاستغلال والهيمنة – وتصديه للهيمنة دون خوف أو اعتذار . . واذا كان معظم أساتذة الاعلام
الأكاديميون ، يؤكدون على ضرورة وضع استراتيجية للخطاب الإعلامي العربي ، ولكن من
يستطيع - من الاعلاميين - تحقيق المصداقية لتلك الاستراتيجية ؟
لا …. أحد ، لان مصداقية القضايا المطروحة على بساط البحث في وسائل الاعلام ، لا
تتحقق - في الاعلام العربي اليوم - إلا بقرار من القابضين على السلطة في بلادنا .
إضافة الى أن تعدد مراكز القوى الإعلامية وتناقض المصالح التي تتحكم بها ، يجعل
مجرد وضع استراتيجية للإعلام العربي ، أمرا محالا ، بله تنفيذها .
. . فكيف يمكن للخطاب الإعلامي العربي أن يكون فاعلا ومؤثرا ، إذا كانت ثمة
فجوة كبيرة بين الشعب والسلطة من جهة وخصومات حادة بين الأقطار العربية – الى حد
الغزو والاحتلال - من جهة أخرى ؟ بل كيف يمكن لهذا الخطاب أن يحظى بالمصداقية
والديموقراطية والحياد – في إيراد الأخبار – إذا كنا غارقين حتى اذاننا في
الاستبداد والدكتاتورية ومعاداة الآخر مع وجود هامش ضئيل من الحرية . كما أننا لا
نزال نعيش أوهام الماضي ونؤمن بالمسلّمات التي اكل الدهر عليها وشرب ولا نسعى –
حكاما ومحكومين ومثقفين – الى تغيير أوضاعنا المزرية التي نحن – أنفسنا – جميعا
مسؤولين عن ترديها ؟!! .
يقتضي ذلك مصالحة الذات أولا ثم المصالحة الاجتماعية بين النخب
السياسية والفكرية من اجل إيجاد الأسلوب الديموقراطي الذي يمكن به إقامة ( دولة
القانون ) في بلادنا ، توطئة لتغيير النظام . ولكن … ليس من خلال الانقلابات العسكرية أو الثورات الدموية أو فتح الملفات العتيقة أو رفض
التغيير باسم مقاومة البدع بالمعنى الديني لرفض الآخر ، وانما من خلال النقد الودود للنظام القائم - اياً كان شكله ولكن دون تنازلات - لتحقيق المصالحة الاجتماعية .
لاسيما وإن بعض الأنظمة العربية قد بدأت ببعض الإجراءات الثانوية أو تم فرض بعض
التغييرات من الخارج . غير أن ذلك لا يعني
- بالضرورة - التضامن مع الدكتاتورية أو مساندة رموز الاستبداد ، وانما عن طريق استخدام - الإعلامي - لعقله وفكره النيّر والإصلاحي وما يملك من وسائل الإقناع والضغط الإيجابي المرن ، والنقد الودود لتكون المطالبة بالتغيير وخوض المعركة التاريخية في مناقشة المحظورات ، من أولويات الشعوب العربية . ومن خلال تشكيل رأي عام واع بالتحديات ، لجعلهم شركاء - غير معلنين - في السلطة بإشاعة حرية
الاعلام ومنع احتكار وسائل الاعلام قانونياً ودمقرطة العملية الإعلامية باحترام رأي المتلقين . والضغط الديموقراطي على القابضين على الحكم واصحاب القرار لرؤية الخلل الكائن في حياة مجتمعاتهم والتاكيد دوما بضرورة سماع الأصوات غير الحكومية من خارج البطانة وذلك بإعادة النظر في سياساتهم وأساليب
عملهم لكي لا تتدهور أوضاع البلاد الى المزيد من الانحطاط والخذلان، لتجاوز التوقف
في المكان والزمان ولكي لا نبقى متخلفين وتحت رحمة القدر
وعطاء الحاكم . وبعكسه فانه يحق للمواطنين تحشيد قواه ديموقراطيا من اجل إسقاط
السلطان الجائر وفرض قيم العدالة وحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية
. إذا كنا مؤمنين حقا بالتغيير كحاجة نابعة عن المصلحة الوطنية واذا كان الإعلاميون يمثلون – فعلا - ضمير العصر ويتحملون مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم بعيداً عن الضغوط الخارجية لاقامة الديموقراطية في البلاد العربية .
ـ الأستاذ ايمن اللبدي : التشخيص سليم والوصفة سليمة لكن المريض يحتاجُ
أن يتنفّس أولاً .
الإعلام العربي هو ما يدعى تغطية الكعكة والتي هي هنا ترجمة ظرفية لما
يدعونه بلباس الكعكة في الترجمة الحرفية، ولذا فإن الإعلام أشبه ما يكون بمرض
الرشح في حالة أن هذا الرشح هو إضافة غير مقلقة إن علمت أن المريض يعاني من الفالج
أو السرطان أو الإيدز مثلاً.
الإعلام يمكن التعامل ع قضاياه ومشكلاته بسرعة إعطاء المضاد الحيوي
وحصد النتيجة مباشرة ولكن المشكلة هي في أساس الكعكة وما نخرها من بكتيريا قاضمة
وهاضمة، ناقرة وناحرة، دعونا نعالج أساس هذه الكعكة أولا ثم سيكون ما ذكرت أكثر من
فعّال للعلاج، دعونا نعطي اللقاحات الطبيعية في موعدها لنجد أن الجسم يبتكر ويبدع
حلولاً خلّاقة ربما حتى لم يكن سهلا تخيّلها فضلاً عن وصفها.
ـ الدكتور محمد سعيد
الريحاني : "العولمة" مرحلة من مراحل
نمو المجتمع الدولي قاطبة لدلك لا يعقل الوقوف في وجهها وعرقلتها أو مقاومتها.
ولكن العولمة اليوم عولمتين: "عولمة عادلة" وهي مطلب الدول والشعوب
المقهورة، و"عولمة ظالمة" وهي سلاح في يد حفنة من مالكي كبريات الشركات
العالمية... لدلك، فالحديث عن "العولمة" يقتضي أولا وقبل كل شيء
اكتمال التصور عن "العولمة القائمة" وهي عولمة الهيمنة وتسليع كل شيء
قصد الربح السريع، ثم عن "العولمة البديلة" وهي الشكل العادل والانسب
لأغلب مجتمعات وشعوب العالم ومنها الدول والشعوب العربية...
فبما إننا في قلب "العولمة" فينبغي لنا أولا ، ونحن منساقين
مع سيلها العارم، أن ندرك فلسفتها العامة و أسلوبها في العمل لترشيد
طاقاتنا وتوفير جهودنا في سعينا للنجاة... فـ "العولمة" كأعلى
المفاهيم التي وصلتها الليبيرالية المحدثة تنبني في شقها الإعلامي(= النظام العالمي
الجديد للإعلام والاتصالات) على مبادئ حقوقية: حرية الصحافة، الحق في
الاتصال والتواصل... وهي، أي وسائل الإعلام والاتصال، توظف لفائدة التربية
والتكوين والتعاون والتضامن والسلم والحرية. وهي ميادئ لا مجال للهرب والتهرب منها
نظرا لقيمتها المزدوجة: المصالحة مع الدات أولا ثم ضمان موطئ قدم بين دول
وشعوب الغد ثانيا ودلك من اجل تكريس وسائل الإعلام ، ليس خدمة لإدكاء الفرقة
والخصامات مع الدول الشقيقة المجاورة، ولكن من أجل الحرية والسلم والتعاون
والتضامن والقيم الإنسانية العليا... وإدا ما تبنينا هدا الهدف وجب العمل على
تعبيد الطريق لتفعيله اولا ثم تحقيقه على ارض الواقع بعد دلك.
ربما كان من الأجدى التدكير بالمبادئ الاربعة المتحكمة في كل فعل معقلن
دي أهداف محسوبة: فالمبدأ الأول هو مبدأ الوعي بالأزمة، المبدأ الثاني هو إرادة
تغييرها، المبدأ الثالث هو تصور واضح لكيفية إدارة التغيير واختيار الأدوات
وتسيير الأشغال، والمبدأ الرابع والأخير هو تحقق الإنجاز على أرض الواقع...
فالوعي بالأزمة يقتضي الوعي باختلاف واقع القرن الحادي والعشرين عن
واقع القرون السالف، إد انتقلت المنافسة من الرأسمال المادي إلى الرأسمال المعرفي،
وبأهمية المعلومة والمعرفة والبحث العلمي. ولأن البحث العلمي في العصر الرقمي
ميزانيته مرتفعة إد أن الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها تخصص 3% من ميزانيتها للبحث العلمي
وهو ما يفوق ميزانيات الدول الأفريقية مجتمعة عشرات المرات! ولدلك فالوعي بالوحدة العربية قد قد يفيد في
تجاوز معضلة تكاليف ميزانية البحث العلمي كما قد يفيد في تسهيل التبادل الإعلامي
والثقافي بين الأقطار العربية...
أما الإرادة السياسية فينبغي أن تبدأ بفسح المجال للحريات العامة
والتخلي عن سلاح الرقابة على الإعلام والاعتراف للقارئ بالحق في المعلومة و
للمواطن بحق المواطنة ورفع اليد عن المؤسسات الرسمية والجماهيرية لكي تستعيد
مصداقيتها ومشروعيتها...
وأما التصور الواضح للمشروع المستقبلي فضروري قبل الشروع في أي اختيار
وحتى يسهل العمل . إد كلما كانت الصورة الكبرى واضحة سهل على التفاصيل أن تأخد
مكانها وان تتعرف وظائفها داخل النظام العام دون كبير عناء...
أما المبأ الأخير وهو مبدأ "تحقق الإنجاز" فهو بمثابة حكم
نهائي على كل المبادئ السابق اعتمادها في عملية الإعداد هده. وهوالدليل الحاسم
والواضح والمرئي على نجاح التخطيط أو فشله... فإما كيانا من ورق ينتظر من
يلقي به في سلة القمامة إما وجودا فاعلا ومتفاعلا يستحق اسما ونشيدا وعلما وطنيا.
الأستاذ ايوب المزين : فيما يخص الجانب
التقني في الإعلام, فإننا نواكب الجديد بإدخال نظم معقدة واستعمالها لكن دائماً في
نطاق تبعي لأننا نستهلك التكنولوجيا ولا نساهم في إنتاجها. ثم إن الديمقراطية غير
محكومة بالقضايا المناقشة في الإعلام ما دام هناك أشخاص وعقليات تقليدية
"مخزنية" سلطوية, فحتى لو وصلت بنا الدرجة لمناقشة ترف أسرة حاكمة في
بلد عربي معين, ويأتي مقدم برنامج أو صحفي في جريدة ويعد لنا القضية بالأرقام, إلا
أننا لن نكون قد وصلنا إلى تكريس ديمقراطية بواسطة الإعلام. بباسطة, الديمقراطية
الإعلامية وحدها لا تكفي, فللتكلم الصحافة كما تحب فمن سيسمعها؟؟. الإعلام العربي
مبني على الخضوع منذ نشأته فلا غرابة أن نراه يركع مرة أخرى لحملة مؤامراتية منظمة
ومخطط لها. والحل الذي طرحه الخبير الإعلامي المغربي يحيى اليحياوي يبدو أكثر
واقعية لذلك أوافقه فيه, فهو قد عبر في حوار أجرته مع جريدة المحجة المغربية عن
بالغ أسفه لما نسمعه من كذب بالحديث عن إصلاح الإعلام, ثم أردف مفسراً بأن الإعلام
العربي ميت. إذن فالميت لا يحيى ولكن يولد مكانه آخر يعيد التوازن للكون. وعليه
فاللازم هو خلق إعلام جديد بأشخاص جدد وعقليات جديدة وتنظيم مؤسساتي محكم.
وتناولت الندوة ماهية الأعلام المنشود في ظل الرؤية الأستشرافية
للمستقبل وتحديات العولمة الإعلامية ، وتركزت وجهات نظر ضيوفنا الكرام في هذا
البعد على النحو الآتي :
ـ الأستاذ الدكتور - ابراهيم الداقوقي: يتجه النظام الإعلامي الدولي الجديد ، اتجاها اقتصاديا بحتاً كاداة للتسويق التجاري والسياسي نتيجة تخلي المؤسسات الإعلامية في الدول ذات الاستراتيجيات المسيطرة - والساعية للهيمنة - عن وظائفها الرئيسية : الإخبار في صدق وموضوعية والنقد بشفافية ، مع إساءة استعمال الصورة لأغراض الدعاية السياسية . بحيث أن أحد النقاد الاعلاميين قد لاحظ " أن الشبكات الاميركية قد تصرفت - خلال الحرب على العراق - مثل شبكات التلفاز التي تديرها الدولة ، اكثر من تصرفها كإعلام حر وناقد . وان قلة قليلة من الصحافيين فقط ، هي التي عبّرت عن غضبها من تخلي المؤسسات الإعلامية عن دورها" ( الاتحاد في 15/4/2004 ( وهذا يعني أن ثمة تماهٍ - اليوم - بين الاعلام الأميركي واعلامنا العربي المتخلف عن ركب العصر - مع الفارق -لان هامش الحرية في الولايات المتحدة أوسع ومقنن الى حد كبير ، في حين أن ذلك الهامش غير المقنن الممنوح - تفضلا - وبدون ضوابط لوسائل الاعلام العربية يتسع عندما يتحرك القابضون على السلطة - بعض الأحيان - في إطار القوانين المرعية . ويضيق أحيانا ليصل الى حد إلغاء الصحف أو منعها أو تعطيلها أو مصادرتها أو التحقيق معها ، ويواجه المسؤولون عنها أو العاملون فيها ، الاعتقال والمساءلة أو السجن والاتهام بالعمالة والجنس والتجسس ، للحكم عليه بالإعدام أو لإغتياله معنويا … وفق مواقف تلك الوسائل والإعلاميين العاملين فيها ، من القضايا العامة التي يعدها القابضون على السلطة - أحيانا - حساسة ولها علاقة بالأمن القومي . وقد ادى تطور وسائل الاعلام والأداء الإعلامي في العالم العربي ، بعد تسعينات القرن الماضي