التجربة التكاملية الاقتصادية الاوروبية والعربية : دروس وعبر

د. طارق عبداللطيف - اقتصادي عراقي مقيم في النمسا

 


يحتل موضوع دراسة وتحليل التكامل الاقتصادي بين بلدان الوطن العربي ، اهمية حيوية انطلاقا من حقيقتين اثنتين :

الاولى - تقوم على اساس ان بلدا لوحده - مهما بلغت موارده - غير قادر على تحقيق التنمية المستقلة .

الثانية - تقوم على اساس ان هذا التكامل يتيح الفرصة لبلدان الوطن العربي ، من التكامل وبشكل متكافئ مع التكتلات الاقتصادية ، والتي اصبحت اليوم سمة من سمات العصر .

وقد يتساءل البعض : لماذا الربط ، الذي قد يبدو قسريا للوهلة الاولى ، بين التجربتين التكامليتين : الاوروبية والعربية . وهنا نبادر الى القول ، بانه قد جرت العادة من قبل العديد من من الاقتصاديين والمفكرين العرب للربط بين ما يحدث او حدث في البلدان المتقدمة ( دول الاتحاد الاوروبي واليابان وبعض دول شرق وجنوب آسيا ) وما يجب ان يحدث في بلدان الوطن العربي . بكلام آخر ، فان البعض يرى بان بلدان الوطن العربي قادرة على الاستفادة من تجارب تلك المجتمعات والسير على خطاها من اجل تحقيق تنميتها الاقتصادية . من هنا جاءت الحجة الرئيسية التي استند اليها دعاة " الخيار الشرق اوسطي " والمروجين له والتي قامت " على المجادلة بامكان تحقيق معدلات مرتفعة للتنمية السريعة في منطقة الشرق الاوسط ، وبخاصة في الحزام المحيط باسرائيل من جراء التعاون الاقتصادي المفتوح بين اسرائيل وجيرانها العرب ... فضلا عن تركيا ... وذلك على نحو يجعل من المنطقة مثالا شبيها بمنطقة النمو الاقتصادي السريع في شرق آسيا " (1) . لكن اعتماد تجارب بلدان تختلف ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، عما يسود بلدان الوطن العربي من ظروف واحوال لا يمكن ان يحقق ذات النتائج الايجابية التي حققتها في مواقعها الاصلية . غير ان التنمية التكاملية بين بلدان الوطن العربي لا يتوقف تنفيذها ، على فكرة " الخيار الشرق الاوسطي " فقط ، وانما على خطط الاقتصاديين والمفكرين العرب والكوادر العربية المؤمنة بفكرة ضرورة تحقيق فكرة التكامل العربي بالاعتماد على الاعتبارات الذاتية والظروف الموضوعية العربية في اطار امكاناتها الاقتصادية والبشرية وبالاليات المرنة البعيدة عن الروتين والتجزيئية بالولاء التام بفكرة التكامل الاقتصادي العربي كانجاز حضاري مطلوب للنهضة العربية ، مع الاسترشاد بانماط التنمية الحضارية للبلدان الصناعية المتطورة .

واذا كانت التجربة التكاملية العربية قد بدأت اعتبارا من الثلاثين من يونيو / حزيران 1957 - أي بعد حوالي الثلاثة اشهر من بداية التجربة التكاملية الاوروبية فقط - بتوقيع اتفاقية " الوحدة الاقتصادية العربية " كبداية للتعاون الاقتصادي والتي دخلت حيز التنفيذ في الثلاثين من فبراير / شبط 1964 أي بعد توقيع اتفاقية السوق العربية المشتركة .

وتعد قمة عمّان ، التي عقدت في نوفمبر 1980 مرحلة تشريعية هامة في مجال التعاون الاقتصادي العربي باعتبارها اقرت ثلاث وثائق رئيسية هي : ميثاق العمل الاقتصادي العربي  واستراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك واستثمار رؤوس الاموال العربية في الاقطار العربية . وتنطلق اهمية هذه الوثائق من كونها قد انتقلت بالتعاونبين بلدان الوطن العربي من مجال التبادل الى التكامل الاقتصادي الانتاجي التنموي ’ لكن افتقارها الى عنصر الالزام جعل نتائجها لا تختلف عن سابقاتها من الاتفاقيات والمواثيق وادى بالتالي الى تعثرها وجمودها ( 2) .ومن هنا يرى عدنان شومان (3) ان اسباب تعثر العمل العربي الاقتصدي المشترك  انما تعود الى مجموعتين من العوامل :

احداهما - داخلية ، تتضمن معوقات فنية واخرى بنيوية ، فالفنية تتعلق بمدى قدرةالمداخل التي اعتٌمدت للوصول الى النتائج المرجوة . من هنا جاء اخفاق الاتفاقات والمواثيق في تحقيق اهدافها ، لانها افتقدت صفة الشمولية والإلزام . اما البنيوية ، فترتبط بالخصائص الرئيسية لكل بلد . والتي تشمل البنى الاجتماعية والسياسية والفكرية التي تميز كل بلد عربي عن الاخر . وتعد هذه المعوقات البنيوية اكثر صعوبة وتعقيدا ، لانها تتعلق بالقوى الاساسية الفاعلة في صنع القرار .

الثانية - هي العوامل الخارجية والتي ياتي في قمتها ، الاستعمار الغربي في الماضي ثم الاستعمار الجديد الغربي - الاميركي حاليا والذي عمل ويعمل على تكريس التجزئة وتعزيز النزعة القطرية (4) . كما يمكننا ان نعد كل محاولات الغرب والدول الاوروبية واسرائيل في السعي لخلق نظام شرق اوسطي او متوسطي ... بانها تصب في الاتجاه نفسه ، وهو اضعاف العمل الاقتصادي العربي المشترك وتكريس التبعية للغرب وتعزيز سيطرة اسرائيل في المنطقة .

ان مجمل هذه العوامل الداخلية والخارجية التي تعرقل نجاح تجربة التكامل الاقتصادي العربي ، في وقت نجح فيه الاتحاد الاوروبي في استكمال - والى حد كبير - شروط تحقيق ذلك التكامل الاقتصادي ، رغم بدء العمل بالتجربتين معا ، يدفعنا لتناولهما في المبحثين التاليين :

المبحث الاول - المقارنة بين التجربتين العربية والاوروبية :

قد يبدو من البديهي القول بان هناك الكثير من مظاهر الاختلاف الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين البلدان الاوروبية وبلدان الوطن العربي . ولقد اثرت تلك العوامل ، بشكل كبير على السياقات التي طُرحت بها قضية الوحدة وعلى المناهج والوسائلالتي اعتُمدت لتحقيق اهداف التكاملفي كلتا المجموعتين . من هنا قد يبدو من المفيد محاولة المقارنة بين التجربتين المتكاملتين وذلك من خلال التركيز على ابراز السمات والصفات الاساسية التي اتسمت بها كل منهما ، من خلال :

1 - وجود الدولة ومقوماتها : في الوقت الذي قامت فيه التجربة التكاملية الاوروبية على دول توفرت لها ومنذ مدد طويلة " مقومات الاستمرار والديمومة ، افتقدت التجربة التكاملية العربية لمثل هذه الدول ومقوماتها . وقد يميل البعض من المحللين الى القول بان عددا محدودا من بلدان الوطن العربي تتوفر له بالفعل مقومات قيام الدولة والتي تعد من الشروط الموضوعية لنجاح التكامل الوظيفي الذي سارت عليه المجموعة الاوروبية في مسيرتها التكاملية (5). كما ان وجود مؤسسات حقيقية لصنع القرار داخل داخل دول التكامل ومكنّها من تجاوز العقبات التي اعترضت طريقها ، وبنفس الوقت فان غياب مثل هذه المؤسسات في التجربة التكاملية العربية قد ادى الى احباط مساعي التكامل والتوحد باعتبار ان أي نزاع سياسي يقوم بين تلك الدول ، لا يخضع للبحث والتمحيص من قبل تلك المؤسسات ويقود الى الوقف الفوري لتدفق السلع والخدمات والاشخاص ويعرقل مسيرة التكامل او يوقفها .

2 - السلطة : تتمركز السلطة في بلدان الوطن العربي بيد شخص او قبيلة او عائلة او طائفة ، مما يقود الى حالة عدم الاستقرار في تلك البلدان ، مما يجعل احتمال عملية استمرار المساعي التكاملية امرا مشكوكا فيه وقضية محدودة جدا . لكن هذا الاستمرار في السياسات يعتبر شرطا ضروريا وجوهريا لنجاح منهج التكامل والتوحيد على اساس وظيفي ، وعلى العكس من ذلك فان فان وجود السلطة بيد الدولة ومؤسساتها في بلدان المجموعة الاوروبية يؤدي الى استمرار عملية التكامل والتوحد .

3 - العامل الخارجي : لقد توفر للتجربة التكاملية الاوروبية المناخ الدولي الملائم ( مشروع مارشال ) ولم ىعترض طريق تحقيقها لاهدافها أي معوقات خارجية (6) . وعلى العكس من ذلك فان التجربة التكاملية العربية ، وبغض النظر عن الاسس التي قامت عليها ، سواءا قومية سياسية او على اسس تكاملية وظيفية قد نشأت في مناخ دولي معرقل (7) .

4 - المدخل الذي سلكته مسيرة التكامل : لقد اعطت التجربة التكاملية العربية وزنا كبيرا للمدخل القومي السياسي في مسيرتها مما ادى الى تحميل الجامعة العربية ما هو فوق طاقتها من جهة ، وخلق العديد من النزاعات السياسية والتي لعبت دورا حاسما في تغذية النزعات القطرية الضيقة وجعلها ندا واضحا لفكرة المصالح القومية . كما ان كل ذلك قد ادى الى انفصام واضح بين ادعاءات الحكومات حرصها على النهج القومي والمصالح القومية بشكل ظاهري ، وبين واقعها القطري الضيق الذي جعلها لا تبدي حماسا كبيرا للعمل العربي المشترك ومؤسساته ، على العكس مما جرى عليه الحال في التجربة الاوروبية . كما ان هيمنة البعد السياسي على العمل العربي المشترك ، قد ادى وبشكل قسري الى ربطه بالابعاد الاقتصادية والسياسية والامنية مما ادى الى عرقلة المسيرة التكاملية العربية . اما الجماعة الاوروبية فقد استطاعت ان تفصل بين هذه الابعاد وتركز على البعد الاقتصادي .

5 - التصرف والسلوك : تغلب الصفة العاطفية والابتعاد عن العقلانية والتباحث والحوار مجمل تصرفات بلدان العالم الثالث ومنها بلدان الوطن العربي ، مما يعود بنتائج سلبية على مساعي ومبادرات التكامل والتوحد ، وعلى العكس من ذلك فان تصرف وسلوك البلدان الاوروبية - باعتبارها بلدانا متقدمة - تغلب عليه العقلانية وروح الحوار والابتعاد عن العاطفية .

6 - مراكز الدراسات والاستشارات والتقييم : لقد لعبت مثل هذه المراكز ، كبيوت للخبرة ، دورا كبيرا في دعم مسيرة التكامل الاوروبية وإنجاحها ، سواء من خلال ما تقدمه من الدراسات والاستشارات والمقترحات لمؤسسات التكامل حتى تدرس وتُحلل هناك وتتخذ القرارات بشأنها . او فيما يتعلق بتقييم تطبيقات مثل تلك القرارات على المجتمعات الاوروبية ، لذا فان دور مثل هذه المراكز ، هو دور دائم ومستمر . اما في حالة التجربة التكاملية العربية ، فقد تكون مثل هذه المراكز نادرة او غائبة او مغيّبة ( أي ان توصياتها لا تؤخذ بنظر الاعتبار ويتم اهمالها ) .

7 - طبيعة المؤسسات التكاملية : ان اهم ما يميز المؤسسات التكاملية الاوروبية هو صفة " فوق الوطنية " . فالمحكمة  الاوروبية مثلا ، تعتبر قراراتها ذات افضلية على القرارات  الوطنية ، كما ان وجود البرلمان الاوروبي الذي يضفي الشرعية على مساعي الجماعة الاوروبية وجهودها ، يعد هو الآخر نموذجا لهذه الصفة " فوق الوطنية " والتي تلعب دورا حاسما في الزام الدول الاعضاء لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من قرارات ، وعلى العكس من ذلك فان الصفة " فوق  الوطنية " تكاد تكون غائبة تماما في التجربة التكاملية العربية . مما يؤدي وبشكل وبشكل " فاضح الى عدم التزام الدول الاعضاء بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه ، مما يقود الى الاعتقاد بان السلطات القطرية ، هي السائدة على السلطات القومية " (8) .

8 - نظام التصويت : اخذت التجربة التكاملية الاوروبية بمبدأ ( التصويت الترجيحي ) الذي ياخذ في الحسبان عند التصويت ، اهمية كل دولة ويعطيها عددا من الاصوات مواز لتلك الاهمية . وقد نجم عن اعتماد مثل هذا النهج ، درجة عالية من التناغم والتوازن مما لا يسمح بطغيان دولة على اخرى . اما في التجربة التكاملية العربية ، فلم يكن ثمة وجود لمثل هذا التصويت الترجيحي ، بل عـُمِل بمبدأ الصوت الواحد لكل دولة ، بغض النظر عن حجمها او وزنها الاقتصادي (9) .

9 - طبيعة المجتمعات وانظمتها السياسية والقيم السائدة فيها :

يسود المجتمعات الاوروبية درجة عالية من التماثل والتشابه في القيم والانظمة السياسية ، فالنزعة الليبرالية والديموقراطية، سيادة القانون ، تعدد السلطات والفصل الواضح بينها ، الرقابة الشعبية الفعالة على مجريات الامور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، الحريات العامة.... كلها سمات تسود المجتمعات الاوروبية مما يجعل امكانية تكامل وتوحد هذه المجتمعات ، سهلة ويسيرة وتتم على اسس سليمة . وعلى العكس من ذلك فان غياب أي من تلك الصفات في المجتمعات العربية وسيادة النزعات القبلية والطائفية اوالعنصرية وحكم العائلة او العشيرة او الطائفة وهشاشة مبدأ سيادة القانون وغياب الديموقراطية في اغلب الحالات واختراقها من قبل مؤسسات الادارة والامن ، إن وجدت ، وغياب مبدأ الفصل بين السلطات .... كلها عوامل جعلت عملية التكامل في هذه المجتمعات محفوفة بالكثير من الصعاب والعقبات .

10 - صفة الإلزامية : ان غياب صفة الالزامية في تطبيق وتنفيذ قرارات وتوصيات مؤسسات العمل الاقتصادي العربي المشترك ، قد عرقل المسيرة التكاملية العربية وجعل النتائج المتحققة عنها تبدو هزيلة وضعيفة ( 10) .

في ضوء الحقائق التي اوردناها ، قد يبدو الامر غير مستغرب في ان تفقد الجماهير الشعبية العربية ثقتها بمؤسسات العمل العربي المشترك وعدم التعويل عليها كثيرافي تحقيق اهداف وطموحات تلك الجماهير . وعلى العكس من ذلك فقد تحمست الجماهير في المجتمعات الاوروبية لهذه المؤسسات التكاملية وساهمت في دعمها واسنادها من اجل تحقيق اهدافها في التكامل والتوحد .

وفي الختام ، نود ان نؤكد - على ضوء كل الذي مر ذكره - من خلال المقارنة بين التجربتين التكامليتين الاوروبية والعربية ... بانه يمكن الاتفاق مع عدد من المحللين الاقتصاديين الذين ينطلقون من الاعتقاد بان الفرق الاساس بين التجربتين ، انما هو فرق في التوقيت . فقد احسنت اوروبا استخدام الزمن وتمكنت من تحقيق انجازات كبرى متمثلة في اتحاد اقتصادي وسياسي وبرلماني مشترك ، في الذي لم تحقق التجربة التكاملية العربية الا نتائج اكثر ما يقال عنها انها متواضعة (11) .

المبحث الثاني - بعض الدروس والعبر المستقاة من دراسة هاتين التجربتين التكامليتين :

قبل الدخول في محاولة استقراء بعض الدروس والعبر المستفادة من هاتين التجربتين نود الاشارة الى تصور شائع لدى العديد من الاقيصاديين العرب ، ومنهم الدكتور عبدالحسن زلزلة الذي يعتبر مهندس استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك ، والذي يقوم على اساس ان محاكاة الدول تلاوروبية وتقليدها في نهجها التكامليكان خطأ فادحا باعتبار ان المشكلة الرئيسية التي تواجه كلتا المجموعتين ، العربية والاوروبيةمتباينة . فهي بالنسبة للبلدان العربية مشكلة تنموية انتاجية تكاملية تتطلب توسيع القواعد الانتاجية وتنويعها وتطويرها حتى تستطيع تلبية متطلبات السوق العربية . بينما هي في المجتمعات الاوروبية مشكلة توزيع فائض انتاج . وعلى هذا الاساس فان اعتماد مدخل التجارة وتحريرها كاساس لتحقيق التنمية في البلدان العربية لا يمكن ان يؤدي الى تحقيق تلك النتائج وانما يهدف بالدرجة الاولى والاساسية ، تحقيق اهداف الاسواق الخارجية (12) . وقبل التعرف على الدروس والعبر المستقاة من هاتين التجربتين - ان كان هناك هناك مثل هذه العبر - نود ان طرح سؤال محدد بالذات ، لاننا نعتقد بان الاجابة عنه ذات مساس مباشر بالدروس التي يمكن الحصول عليها من دراسة وتحليل هاتين التجربتين التكامليتين ، وهذا السؤال هو : هل يمكن للوطن العربي ان يستفيد من التجربة التكاملية الاوروبية ويحاول توظيفها لتحقيق تكامله ووحدته ؟

حاولت العديد من الادبيات الاقتصادية ان تجيب عن هذا السؤال من خلال وجهتي نظر اثنتين : (13)

الاولى - تميل الى الاعتقاد وعلى ضوء الظروف الموضوعية والذاتية التي تسود الوطن العربي وعلى ضوء النتائج التي تحققت من التجربة التكاملية الاوروبية بعد ما يقارب الخمسة عقود من الزمن ، فليس لاوروبا ما يمكن ان تقدمه للتجربة التكاملية العربية .

الثانية - تعاملت مع التجربة التكاملية الاوروبية بشكل مغال فيه من الاحساس بالانبهار مما تحقه تلك التجربة من انجازات باهرة في مجال التكامل والتوحد ... وعلى ضوء النتائج الهزيلة التي انجزتها التجربة التكاملية العربية ، فقد كان الاحساس تجاهها يتسم بالدونية والضعف (14).

وعلى أي حال من الاحوال ، فان كلتا وجهتي النظر قد طرحت بشكل مبالغ فيه وتشلان طرفي نقيض في هذه المبالغة . فلا وجهة النظر التي تحاول ، وبشكل تام ان تلغي إمكانية استقراء بعض الدروس والعبرمن التجربة التكاملية الاوروبية هي وجهة نظر صائبة ، ولا وجهة النظر الاخرى التي تنبهر بهذه التجربة بشكل كبير وتدعو الى اقتفاء خطاها من قبل الوطن العربي وتناسي الظروف الموضوعية التي تسود كلا المجتمعين وتؤثر في نجاح مساعيهما التكاملية ، هي صحيحة ايضا .كما اننا نضيف فنقول بان كل تجربة اندماجية او تكاملية ، انما تكتب تاريخها الخاص تبعا لظروف نموها والظروف الاقليمية والدولية التي تحيط بها ، لكن ذلك لا يعني باي حال من الاحوال انه لا يمكن الاستفادة من بعض الدروس المستقاة من تلك التجارب باعتبارها هاديا ومرشدا ( 15) . وبالاتفاق مع عبداللطيف آشنهو ، فان هذه الدروس والعبر هي في الحقيقة بسيطة ويمكن ايجازها في العبارات التالية : " ان بناء كيان اقتصادي متكامل يتطلب سلطة سياسية مستقرة واحساسا عميقا بالواقعية والتقدمية ، ولكنه ايضا يتطلب فهما واضحا لتحقيق توازن المصالح " (16 ) .

ان جردنا للمراجع التي اتيحت لنا دراستها قد مكنتنا من حصر الدروس والعبر ، التي يمكن استخلاصها من التجربتين التكامليتين في الآتي :

1 - ضرورة سيادة المفاهيم الديموقراطية في المجتمعات العربية لكي تتاح الفرصة للافراد في المشاركة في اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية ، حيث ليس من السهل انجاز فكرة التكامل والوحدة على صعيد الوطن العربي ، دون ان تكون هذه القضية محور اهتمام كل الجماهير العربية وشغلها الشاغل . وهذا يتحقق عن طريق الديموقراطية وهي ذاتها تخلق شكلا من اشكال الاستقرار السياسي الذي هو الشرط الاساس لتحقيق كيان اقتصادي متكامل (17)

2 - وجوب قيام أي تكتل تكاملي على اسس وثوابت من العدالة والمساواة وتوازن القوى ووضوح الاهداف التي يسعى التكتل لتحقيقها ، وكذلك وضوح الاستراتيجيات التي تسلك من اجل تحقيق تلك الاهداف ، وبالنظر لعدم توفر أي من هذه الثوابت في التجربة التكاملية العربية فان الضرورة تدعو الى توفيرها حتى تتحقق المشاركة الفاعلة في المسيرة التكاملية ( 18 ) .

3 - ان كفاءة وفاعلية العمل التكاملي المشترك انما تفترض تلاقي الارادات القطرية وايمانها وقناعتها بجدوى وضرورة هذا العمل ، واستعدادها طوعيا للتخلي الجزئي ( 19) عن السيادة القطرية لصالح الكيان القومي المشترك ، وهذا ما تم فعلا في التجربة التكاملية الاوروبية وحققت من خلال ذلك نتائج باهرة، وبكلام اخر فان على البلدان العربية ان تكون مستعدة للتخلي عن " لا عقلانيتها القطرية " (20) التي تشكل اهم الاسباب التي ادت لتعثر وفشل التجارب التاملية العربي .

4 - من الواجب ان يستهدف التكتل التكاملي ، تجاوز الخلل الناجم عن تباين الثروات بين الاقطار الغنية والفقيرة والمنظوية تحت لواء التكتل ، والسعي لايجاد طرق واستراتيجيات تكاملية تحقق المنافع لجميع الاقطار . كما ان أي عملية لتوسعة التكتل يجب ان تحرص على تحقيق المكاسب للقادمين الجدد من دون إحداث أي ضرر للاعضاء القدامى (21) .

5 - ان القيام بعملية الفصل بين ما هو اقتصادي وسياسي وامني ضمن عملية التكامل ، يسهل الاستمرار في تلك العملية ويمكنها من تحقيق اهدافها بسهولة ويسر. كذلك فان هذا الفصل يعمل على استبعاد بعض المعوقات التي قد تعيقها عن تحقيق اهدافها وهذا بالفعل ما اعتمدته التجربة التكاملية الاوروبية ، كما مر معنا في موقع سابق من هذا البحث . اما التجربة التكاملية العربية، فقد دمجت تلك العاصر الثلاثة دمجا قسريا ، مما ادى الى تحميل الجامعة العربية اعباءا ثقيلة هي غير قادرة على تحملها . كما ان أي خلاف حول أي عنصر من هذه العناصر سيؤثر سلبا على بقية العناصر . وهذا هو بالتاكيد ما جعل الخلافات السياسية العربية - وما اكثرها - تنعكس سلبا على العنل الاقتصادي العربي المشترك وتؤدي الىتعطيله وشلله (22) .

6 - ضرورة ان يعمل التكتل الاقتصادي التكاملي على اتباع اساليب وطرق يحاول من خلالها طمأنة كل من الاطراف الغنية في التكامل بان اجراءاته لا تضر بمصالحها ، والاطراف الفقيرة بانها ستستفيد من اجراءات التكامل . ويعد ( التصويت الترجيحي ) أي اعطاء عدد من الاصوات لكل دولة حسب اهميتها ، واحدا من الاساليب التي يمكن اعتمادها لتحقيق ذلك (23) . وقد اثبتت التجربة التكاملية الاوروبية بان العمل بهذه الاساليب قد مكنها من تحقيق نتائج باهرة ... في الوقت نفسه فقد ادى عدم اعتماد هذه الاساليب الى النتائج الهزيلة التي حققتها التجربة التكاملية العربية .

7 - ضرورة تنوع الجهات الفاعلة في عملية التكامل ، مما يعزز مزاياها ويسهم في خلق ثقافة تكاملية مشتركة على نطاق واسع .

8 - ضرورة استناد المؤسسات التكاملية على ارادة شعبية في الدول الاعضاء وضرورة حصولها على قدر من الاستقلال المالي ، يمكنها من الاستقلال التدريجي من الدول الاعضاء (24) .

9 - ان عملية الاندماج  والتكامل ، عملية دينامية تطورية يستوجب قيامها على شبكة كبيرة من المصالح بين الدول الاعضاء (25) .

المصادر والهوامش :

1 - محمد عبدالشفيع عيسى : مسارات غامضة ومصائر غير مؤكدة ، بحث في الخيار الشرق اوسطي وبدائله ، المستقبل العربي - العدد 194 ، 4/1995 ، ص 4 .

2- عبدالغني عماد : التكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة ، اسباب التعثر وشروط الانطلاقة ، المستقبل العربي ، العدد 250 ، 12/1999 ، ص 71 .

3 - عدنان شوكت شومان : العمل الاقتصادي العربي المشترك والتحديات الاقليمية الدولية ، المستقبل العربي ، العدد 234، 8/ 1998 ، ص 71 وما بعدها .

4 - يطلق بعض الاقتصاديين على سياسات الدول الكبرى تجاه الوطن العربي " عقيدة بالمرستون " . وبالمرستون كان رئيس وزراء بريطانيا منذ اكثر من قرن مضى ، والذي كان يدعي " بان مصالح بريطانيا الحيوية تقضي الحيلولة - بكل الوسائل - دون نشوء متحد سياسي قوي او دولة كبيرة في الشرق الادنى ، أي المنطقة العربية " . ( راجع - طاهر حمدي كنعان : مصدر سابق ، ص 11 ) .

5 - حسن نافعة : تجربة التكامل والوحدة الاوروبية ، حسن نافعة : تجربة التكامل والوحدة الاوروبية ، هل هي قابلة للتطبيق في الواقع العربي ، المستقبل العربي ، العدد 136 ، 6/1990- ص 29 .

6 - يميل العديد من الاقتصاديين الى القول بان الخارج لم يعرقل التجربة التكاملية الاوروبية ، بل ساعد على قيامها . فالدكتور سعدون حمادي يقول : " ان حلف شمال الاطلسي ومشروع مارشال قد ساعدا على قيام الوحدة الاوروبية " . راجع :

 - سعدون حمادي : مراجعة كتاب حسن نافعة : الاتحاد الاوروبي والدروس المستفادة  عربيا ، المستقبل العربي ، العدد 313 ، 3/2005 ، ص 213 .

- عبد المنعم سعيد : بعض دروس التجارب الوحدوية في العالم ، المستقبل العربي ، العدد 127 ، 9/1989 ، ص 93 وما بعدها .

7 - حسن نافعة : تجربة التكامل والوحدة الاوروبية ، مرجع سابق - ص 30 .

8 - عدنان شوكت شومان : العمل الاقتصادي العربي المشترك والتحديات الاقليمية الدولية ، المستقبل العربي ، العدد 234، 8/ 1998 ، ص 82 .

9 - المصدر السابق نفسه ، ص 84 .

10 - الغريب في الامر ، ان بعض هذه القرارات لم تنفذ حتى من قبل تلك الدول التي وقعت عليها .

11 - محمود المراغي : فيروس الزمن الضائع ، مجلة العربي - العدد 496 ، الكويت آذار 2000 ص 76 .

12 - عبدالحسن زلزلة : الدور الاقتصادي للجامعة العربية ، ورقة قدمت الى ندوة : جامعة الدول العربية ، الواقع والطموح ، مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 1983 ، ص 246 .

13 - عبدالغني عماد : التكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة ، مرجع سابق - ص 64 .

14 - عبد المنعم سعيد : الجماعة الاوروبية ، تجربة التكامل والوحدة ، سلسلة الثقافة القومية - العدد 5 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1986 ، ص 10

15 - عبد المنعم سعيد : بعض دروس التجارب الوحدوية في العالم ، مصدر سابق ، ص 113 .

16 - عبداللطيف بن آشنهو : التعلم من التجربة الاوروبية في بناء الوحدة المغاربية ، المستقبل العربي ، العدد 139 ،  9/1990 ، ص 17   .

17 - عدنان شوكت شومان : العمل الاقتصادي العربي المشترك ، مصدر سابق ، ص 83 وما بعدها .

18 - عبداللطيف بن آشنهو : التعلم من التجربة الاوروبية ، مصدر سابق ، ص 17 .

19 - مهما بلغت درجة الاندماج والتكامل من رقي وتطور فان بعض السلطات تبقى بيد الدول الاعضاء .

 - راجع : عبد المنعم سعيد : بعض دروس التجارب الوحدوية في العالم ، مصدر سابق ، ص 109 .

20 - " اللاعقلانية القطرية " تعني " عوامل ثقافية وسياسية وهيكلية متجددة في المجتمعات القطرية العربية وفي قياداتها السياسية ومجتمعات اعمالها ، لا تتحمس للتكامل الاقتصادي العربي غيرة على اقطارها وتاكيدا لقطريتها التي ينادي الان الكثير من المثقفين العرب بعدم القفز عليها " . راجع :

- عبد المنعم السيد علي : التكامل الاقتصادي العربي والنظام الاقتصادي الشرق اوسطي ، التناقض والتداخل والبدائل ، المستقبل العربي ، العدد 214 ، 12/1991 ، ص 27 .

21 - عبداللطيف بن آشنهو : التعلم من التجربة الاوروبية ، مصدر سابق ، ص 25 .

22 - عدنان شوكت شومان : العمل الاقتصادي العربي المشترك ، مصدر سابق ، ص 85 .

23 - حسن نافعة : تجربة التكامل والوحدة الاوروبية ، مرجع سابق - ص 28 وما بعدها .

24 - عبد المنعم سعيد : بعض دروس التجارب الوحدوية في العالم ، مصدر سابق ، ص 109 .

25 - المصدر السابق نفسه، والمعروف ان عدد الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي عام 1995 وبعد انضمام كل من النمسا والسويد وفنلندا ، كان خمسة عشر عضوا ، ارتفع حاليا الى خمسة وعشرين عضوا ، بعد انضمام بعض دول اوروبا الشرقية والبلطيق .

ويشير العديد من الاقتصاديين الى بعض العناصر التي سهلت انضمام الاعضاء الجدد وكذلك استمرار تلك الدول في عملية التكامل ( مثل تماثل الانظمة السياسية والاستقرار السياسي ، تماثل القيم لدى النخب السياسية ، وجود فصل تام بين السلطات ، وجود رقابة شعبية فعالة ، احترام حقوق الانسان ، الخيار الديموقراطي) . اضافة الى ان تخلي - تلك الدول المنظمة - عن مبدأ المساواة فيما يتعلق الامر بالتصويت واعتمادها مبدأ التصويت الترجيحي ، يعتبر هو الاخر من العناصر الايجابية التي اعطت دفعة قوية لمسيرة التكامل الاوروبية . للتفصيلات ، راجع :

 - عدنان شوكت شومان : العمل الاقتصادي العربي المشترك والتحديات الاقليمية الدولية ، المستقبل العربي ، العدد 234، 8/ 1998 ، ص 82 .

 

 

العودة الى الفهرست