قصص عربية قصيرة  ... قصص عربية قصيرة .... قصص عربية قصيرة

 

وضبطني البحر

بقلم د. محمد عبد الرحمن يونس - سوريا


 


شطّ يلفّ المدينة ومرايا تعانق الشاطئ.. وطريق السانية يحتضن الغابة الممتدة من سيدي بلعباس إلى وهران . جلسنا معا .. كنا أربعة ..أخوها   وزوجته . مسكت كأس البيرة في خمارة البطّ البلدي .. بدا وجهها نقيا شفافا , رسم حزمة نور داخل الكأس وسافر إلى البحر . هل تحبين البحر؟

مدّت عينيها صوب الأفق. كانت ساحرة . وأخذت الشمس تعانق ضوء البحر بتلذذ وكسل فاترين .. ثمّ أخذت تغني مقطعا من أغنية وهرانيّة . بدا شعرها كعيني القبرة.

ـ هل لي أن ألمس شعرك؟

قلت لها ولم أنتظر موافقة .. كان طريا كزجاجة (( نواس )) الجزائرية .. وكان يسافر بين مساماتي شعرا وأغاني ورماداً .. ما أجمل حضور اللحظة !

مشينا على شاطئ السانية .. كمشت قبضة رمل ورششتها في وجه   الموجة .. تأملت عينيها .. صافيتين كانتا .. وما أشدّ جمال بريقهما ! .. و ضبطني البحر .

قالت : هل أنت مشتاق إليّ ؟

ما أصعب أن ينتظر الفرد امرأة يعشقها حلما وخيالا لخمس سنوات. كان شوقي ملعب جياد فقدت أسرجتها.. حاورت النجمة .. لكنّ النجمة غطّت وجهها ولوّحت، وفرشت ظهرها ، وسرعان ما ركبها البحر وسافر .

أخذت يدها .. اشتعل في قلبي فانوس علاء الدين . وكان أخوها يعانق زوجته غير بعيد عنا. كنا وحيدين , وكان المساء يغفو والسانية ترقص آخر مواويلها.. احتضنتها .. لا أدري كيف تمّ ذلك . ارتعشت الصخرة التي كنا نجلس عليها . نادانا صوت أخيها : عيب .. احتشما .. حارس الشاطئ يراقبكما .

سأخطبك الليلة .. كوّرت رأسها الجميل ودفنته في وجه الأفق ، وابتسمت . وكان كل ما فيها يلفّ رداءه الجميل حول جسد المدينة .

ـ يا خالتي سعيد أن أطلب سميرة .. يا خالتي تسافر الأحلام وتبقى   الألفة .. يا خالتي تكنّس الريح طرقات سيدي بلعباس .. يا خالتي العسل والمنقار .. يا خالتي الشطّ والجسد .. الوجه والفراشات .

ـ صدّقني نحن نحبّك يا خالتي .

وفي الصباح قبّلتها .. وركبت حصاني ويممت شطر فاس .. لم أر سميرة بعدها .. رفرفت .. حلّقت .. كتبت رسائل إلى أسرتي . أين الوجه والصدى والذكريات يا سميرة ؟.

غابت سميرة وأدخلوني السجن المركزي بحي حسان بالرباط بتهمة ملفقة ولئيمة، وهي إسهامي  في زرع بذور الفساد الاشتراكي الذي يهدد القيم والمعتقدات والدين الإسلامي الحنيف، و يشهد عليّ الزمن والتاريخ أني ما كنت اشتراكيا و لا رأسمالياً في يوم ما، فأنا معروف بجهلي بفن السياسة وتياراتها  . وما أقسى سجن الرباط المركزي !.. الجدران والسجون والقلاع .. وجلسات التعذيب الكهربائية .. الجسد وسيّاط السجان الذي تدرّب في  أعرق أكاديميات واشنطن وشيكاغو .. شهورا وأنا أرسم شارات ورموزا ونخلا وسروا على جدران سجن الرباط المركزي .

غابت سميرة وكبرت موجات الندى .. وعندما عدّت إلى بلدي محطّما ، وجدت رسالة .. كان الهمس الشفيف ممرا إلى قلب السانية . قالت : ابنتي الصغيرة تقبّل (( عمّو )) ، وتهديه أحرّ تحياتها.

إشارات :

 

ـ السانية ووهران وسيدي بلعباس: مدن جزائرية جميلة جدا . زارها كاتب هذه القصة مرات عديدة .

ـ حي حسّان: من أحياء مدينة الرباط المغربية التي عاش فيها كاتب هذه القصة . 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                                                                                                                                                                      


الحب  القديم

  بقلم :دينا سليم- فلسطين

 

أقص عليكم قصة حبيبين اتخذا مسارين متناقضين، بداية واحدة ونهايتين مختلفتين. هما ضحيتا عدوى مرض عصريّ  فتك بهما . حبّ جرفه تيار واحد وفي ليلة وضحاها وجدا نفسيهما منعزلين يلازمان شاطئين منفردين وكل واحد منهما يسلك مسلك الوحدة والحرمان .

يمضي، يترك خلفه آثارا من العدم، تعريه الريح الهوجاء، تسكنه أفكارا سوداء تسلبهُ راحة الضمير وهدأة البال .

قال لها: " أستميحك عذرا ، سأتركك لأخوض تجربة بناء مستقبلي، امنحيني فرصة الهجران، اتركيني للرحيل " .

اتخذ  طريقا مغايرا... حب النفس واللامبالاة سنداه في مغادرة الأحلام الزاهية الى واقع المادة والعملة الصعبة .

تناسى الماضي وساعة اللقاء في منفى الوجود عندما تحولت النغمات الى سعادة والفواجع الى سكينة. أحبها حدّ العشق، غذى روحه المنهارة من قوّة عزيمتها، استعارها خليلة تسانده مِحنه ، طوّقها بذراعيه ومعا اخترقا ظلمة الليل واستبداده يناشدان حياة مليئة بالأمنيات وعندما أقبل اليه النجاح مهللا  تغاضى عنها وتجاهلها، خمدت النيران المتأججة ونالها الصقيع، توقفت النبضات وتلاشت بتبوئه اولى درجات النجاح ، ظهرت أنانيته جلية تعلن الانسحاب، طغت عليه فكرة الرجوع والتملص من المسؤوليات، تقاعس ونقض العهد، رحل تاركا طيره جريحا .

تخلف بدوره عن سربه، ذرف الدمع ونزف دما حتى جف الوريد.

صفقت لهُ الايدي، شرعت له المصارف خزناتها ، سعى في تحقيق مآربه ، توسد طريق النجاح والثراء.

تقاذفته رياح النشوة بالانتصار في تحقيق ما آلت  اليه الذات ونفسه الضعيفة. حدّق في ساعته فاكتشف أن للزمان نقاط  ثقيلة 

كاتمة، البندول يهوى محتلا ذات الاتجاهين، تعلق عجزه بالرجاء عندما وجد نفسه داخل قصره وحيدا، بل أشد وحدة من ذي قبل.

حاول الوقوف عند محطة اليقين فلم يحظَ الا بتعتيم الأفكار، بحث في خبايا الأسرار، تهربت منه الذكريات حتى جاءه صوت الماضي كناقوس يمزقه اربا وصور الحاضر تغمرها اللوعة على ما مضى وفات، تكبل يدية العجوزتين اللتين هصرا خصرها في يوم من الأيام لتصبحا قيد الندم . تتردد على مسامعه صدى أصوات الماضي بمعية رياح المستقبل المبهم:" ما أجمل أن يكون للمرء حبيبة يسلمها الريادة فتسبح معه داخل فضاء السعادة، يمطرها حبا فتمتطي جواد الوجود، سبّاق يلحق دورة العشاق تاركا طيفهما للخلود، تضاء لهما مصابيح الجنّة وتودعهما قصورها".

استفاق من غيبوبته، نفض غبار السنين، اقتفى آثارها باحثا. جانح الهواء يلاحق عطرها وأريج مكانها فاذا به يلتجيء الى نعمة تتمتع بها وحدها، أثمن شىء سنّه نظام الكون والكينونة... الحرية .

اقترب منها، ربتَ بيده المرتعشة على كتف يمامته الظمأى، ما من جروح، التأمت الندبات، ركنت زاوية سامية. لاطف ريشها معاودا الكرة مرة ومرارا، همّ بمراقصتها، أحاطها بذراعيهِ...

رفضتهُ ، عادت بلا هوادة تكمل مشوارها بخطواتها الواثقة لا تنظر أبدا خلفها، تسير نحو اليقين تنجز أعمالها وتحقق أهدافها وحدها دون تدخل أي عاطفة يمكن أن تعيق مسعاها. ابتعدت تخترق الوجوم ببشاشة وبقلب واع تتخلص من ...حب قديم...

               

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المظروف

 

   بقلم : مهدي نجيا - العراق

 

... كانت في كل صباح تمر أمامه . لم يكن يراها امرأة!.. كانت تتحرك قبالته وهي تصعد الدرج الى مقر عملها في الطابق الاول كما لو كانت ملاكاً في قميص أحمر!..هو دائماً يترصدها امام الممر المؤدي الى السلم، كانت تمرق من جانبه وتحييه بصوت كهمس الندى لاوراق الورد او تبتسم له تلك الابتسامة الغامضة كما المونوليزا!..كان حائراً وكثيراً ما كان يشعر بالقلق ويلوم نفسه رغم انه يدرك تماماً صحة ترجمة مشاعر الاخرين نحوه!..قال في نفسه: لم نتهرب من بعض، ما دام كل منا يحمل للآخر مشاعر جميلة؟. وبدأ يسهر حتى الهزيع الاخير من الليل! يرسم خططه لينفرد بها او يكتب لها الرسائل ليصب فيها لوعته!.. ولكن حين تشرق الشمس ويقف في الممر لينتظرها يتحول ذلك الرجل الملتهب الى تمثال من القير الاسود!.. كان يدرك إنها تبادله المشاعر ولكن كيف يجعلها تتغلب على حياتها إذا كان هو نفسه لا يملك القدرة على التحرك!؟..واخيراً تحدث المعجزة وتنهزم شجاعة الرجل امام حياء المرأة!..نزلت الى مكتبة. هو يجلس خلف (الكومبيوتر).. لابد أنها عرفت انه وحده وان زميلته في الحجرة قد حصلت على إجازة.ليصارحها.. الحب كالمرض إن لم تتغلب عليه قادك الى التراب!..- تفضلي ست وابلة. زارتنا البركة.- شكراً مازن. هل عندك مظروفاً؟-

اذا لم يكن هناك مظروف فسأخلقه لك!..ابتسمت حتى نواجدها. خفق قلبه كجناحي حمامة فتح المجر، كانت يده ترتجف!.. ناولها المظروف. أخرجت ورقة من جيب قميصها الاحمر وجعلتها في داخله ثم أحكمت إغلاقه وناولته مرة أخرى اليه!..ارتبك وأختض جسده كشجرة بائسة، جفت شفتاه وصار ريقه صحراء قاحلة!.. لم يدرك ماذا يحدث غير انه سمع صوتها يرّن في اذنيه: يقال إن خطك جميل.- ارجوك اكتب على وجه المظروف.. بغداد - جامعة بغداد/الاستاذ قيس البرقوقي. كان مازن يكتب لكنه كان لا يعي ما كان يحدث له!..ثم أردفت وهي تبتسم بمكر: اقلب وجه المظروف واكتب.. حبيبتك وابله!..اخذ كل شيء في دواخله ينتحر ويتمزق ليملأ كل الفضاءات والمساحات الخضر في حياته بالحزن والغثيان

.

.ـــــــــــــــــــــــــــــ                           

حالة تلبّس

                      بقلم : تركية الواعر - ليبيا      

هي:

   ماذا تفعل الآن ! ؟

هل تصرخ وتلم الناس, ليروا الفضيحة بأم أعينهم !؟

أم تهجم عليهما,وتشبعهما ضرباً,ولكماً,وعضاً! ؟

 

هو:

     عقدت المفاجأة لسانه...و ارتسمت الدهشة على نظراته القلقة الوجلة ....

وكعادة كل الرجال تجاوز اللحظة , بأن بدأها الهجوم :

 - أتلاحقينني !؟ تتجسسين عليّ !؟

ثارت ثائرته وارغد و أزبد ….

 

 هي:

       صارت تبحث عن كلمات تبرر بها هفوتها في التجسس عليه, ولا تريده  إلا  أن يسامحها

 

هو:

     هجرها ايام وليال حتى لا تعاود فعلتها .

    اما هي فقد قضت لياليها التاليات تغرق - تارة - وسادتها بالدموع وتارة اخرى تحضن تلك الوسادة الريشية الوثيرة لتلتقط وجيب قلبها المليان بالحقد والضغينة على الرجال - كل الرجال - او تعضها بكل ما اوتيت من قوة وشعور بالضياع . ثم ما هذا التهالك او المرض بالجنس او هذه النرجسية الطفولية لدى هذا المخلوق غير الواثق من نفسه ، في تملّك الاخريات ... كالسلع الرخيصة . ثم انها ليست اجمل منها قط ، بل انها - هي - ملكة جمال بالنسبة الى انفها الافطس التي تضاهي الزنجيات رغم صبغة الشعر الاصفر المفروش على راسها كالباروكة غير المنسجمة . ثم استغفرت ربها لانها اعتدت على بنات جنسها الاخريات ، ولكن تلك كانت الحقيقة المرة والواقعية. واستوت جالسة ، وقالت تخاطب نفسها : ولماذا لا تتمرد هي نفسها عليه  وليكن ما يكون !!! ولكنها عادت لتتساءل : والاخريات ماذا ستقول عنها  ، ومصيرالاولاد ؟!! ثم اعادت المخدة الى مكانها ... وتكورت كالقطة الضائعة في بيت البخلاء . وبدأت تفكر في امتحان الاولاد ، قبل ان تستسلم بخدر الى نوم عميق .

                                                     

العودة الى الفهرست