عزيز نسين

الكتابة فن المواجهة مع قوى الاستبداد والاستغلال

 


الدكتورشاكر الحاج مخلف - رئيس تحرير المدار الادبي - الولايات المتحدة الاميركية

 


في أكتوبر من العام 1989 وصلتني رسالة من الكاتب التركي " عزيز نسين  "على اثر نشر جزء من دراسة كتبتها عن الأدب والمسرح التركي في مجلة " لوتس " الصادرة عن اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا ( 1 ) تلك الرسالة جعلتني أشعر بالرضا الحقيقي عن الجهد الذي بذلته  لدراسة أدب بلد نتجاور معه منذ بدء الخليقة وتربط بيننا وبين الذين يعيشون فيه الكثير من الوشائج التي نعتز بها، وعلمتني تلك الرسالة حقيقة مهمة جداً أن الوصول إلى العقول الكبيرة أمر في غاية السهولة و أن جهود المبدع لا تثلم لدى الذين يعرفون عن حق قدر المعاناة في الكتابة والإبداع عموماً، وأن حاجز اللغة سقط تماماً وصارت العقول تتلاقى لتطوير الفعل الإنساني .

 

وقد عززت تلك الرسالة جهد الكتابة في الاتجاه الصحيح  ووضعتني داخل حالة من المتابعة الدقيقة لكل إنجاز أدبي يحدث في تركيا، وتجمعت مئات المصادر في مكتبتي عن الأدب والثقافة التركية ، وقد وجه عزيز نسين سؤالا ساخراً في نهاية رسالته عندما قال" إذا كان اهتمامك بثقافة بلدك بنفس الدقة التي كتبت بها عن ثقافة بلدي فأنت كاتب خرافي " ولعل اجمل ما كتبه عزيز نسين لي هو التعريف ببعض الكتاب الأتراك  ودعوته لي لدراسة نتاجهم والكتابة عنهم ، تحدث عن نفسه ككاتب قليلا وتحدث عن الآخرين بإسهاب ، وذات الموقف تكرر مع الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي ، عندما وجهني للكتابة في المستقبل عن  شعراء العراق  ( 2 ) والطريف في حالة التعارف مع نسين أن رسالته كتبت باللغة الإنجليزية وقد أرفق معها نسخة من كتاب يتضمن مجموعة من قصصه القصيرة المترجمة إلى العربية .

 

اسندوا أيها المواطنون

 

 عزيز نسين مع يشار كمال ، هما الاسمان الأبرز في تركيا المعاصرة على صعيد الإبداع الروائي والقصصي والمسرحي ، كما يعتبران هما الأشهر على الصعيد العالمي في مجال الأدب حيث ترجمت أعمالهما الأدبية إلى جميع اللغات العالمية ، وفي مجال القصة القصيرة الساخرة يتميز عزيز نسين عن جميع كتاب تركيا والعالم الثالث قاطبة ، في هموم وأوجاع الشعب التركي المقهور .

 

وجد نسين مجالاً خصباً ليكتب أروع القصص الساخرة التي وضعته إلى جانب أهم كتاب القصة والرواية في العالم، سخريته الرائعة ذات الصوت السياسي المدفون في أعماق الفكرة أو مفردات الحوار أو التشكيلات التي توحي إلى حالة ما، سخرية مريرة ناقدة وناقمة تتماثل مع تلك السخرية الفلكلورية التي تغلف حكايات قديمة لجحا التركي ، وأجده على مدى دراستي لمسرح وأدب " جورج برناردشو " قد تفوق عليه كثيراً ، فقد أضاف بعداً درامياً إنسانياً واقعياً لفن القصة التركية وهذا يعطيه  التفوق على مدار الفكرة المعروضة للنقاش والحوار في مسرح وأدب برناردشو الذي يفتقد أيضا عامل التوظيف للحكاية الشرقية الساحرة والساخرة والمرتبطة بمفاهيم ومدلولات تثير التساؤل وتدفع بالحدث إلى حالة التفجر ، لقد بحث النقاد والدارسين للأدب العالمي في مجمل النتاج الأدبي الذي يمثل القصة القصيرة والرواية والمسرحية فوجدوا من الصعوبة تحديد أحد الكتاب المعاصرين واعتباره رائداً للأدب السياسي الساخر ، تلك المقارنات عقدت في أعوام العقود المتتالية من القرن الماضي ، ولكنهم توقفوا طويلاً عند نتاج الكاتب التركي الساخر والمعارض " عزيز نسين "  .

 

اتفقت جميع الآراء  على اعتباره من أبرز الكتاب في مجال الإنتاج الأدبي الذي يحمل سخرية سياسية وهجوماً لاذعاً على منصات الفساد الإداري والسياسي والاجتماعي ، يتناول نسين في قصصه القصيرة ورواياته وكذلك مسرحياته الكثيرة الحياة الاجتماعية في تركيا من خلال مجموع النماذج الشخصية التي أبتكرها من الواقع اليومي ، لقد أمدته البيئة التركية وحركة التضاد السياسي والموروث الفلكلوري بمجمل أفكاره في الكتابة المختلفة ، وتعتبر قصص عزيز نسين كوميديا إنسانية فريدة لتركيا المعاصرة وهي في حد ذاتها أداة مدهشة للتحليل الإبداعي ، استطاع بأسلوبه الساخر أن يجعل من الواقعية الاجتماعية أو السياسية لوحة كاريكاتيرية انتقادية جذابة في لغة سلسة ومبالغات مقبولة وألفاظ سهلة يتلاعب بها ويوظفها لخدمة أغراضه الفكاهية الساخرة ، أن نماذج قصصه المترجمة إلى لغات العالم تحظى باهتمام النقاد والباحثين .

 

قصص تفيض بالمرارة

 

في قصة من قصصه تحمل عنوان " بؤسنا " يضعنا الكاتب في قلب المهازل السياسية التي تحاك ضد الشعوب المسكينة، وذلك عندما يرصد نواباً من الحزب الديمقراطي يعقدون لهم اجتماعاً في القرية لكسب أصوات الناخبين ويتظاهرون بأنهم يستمعون باهتمام إلى شكاواهم حول أمور عديدة تتعلق بحياتهم ومشاكلهم مع إدارات الدولة ، ويتكشف الموقف الحقيقي بعد رحيل النواب من القرية ، حيث يعثر الفلاحون على علبة سجائر سجلت عليها أسماؤهم ومطالبهم، وهكذا ينطلق عزيز نسين من حادثة علبة السجائر لإدانة أساليب الرياء والخداع التي يقوم بها ممن يعتقدون انهم يستطيعون الضحك على الإنسان من خلال تلك الأساليب ويكشف عن نموذج مثير للسخرية يتمثل في أصحاب الخطب الطنانة التي تتلاشى بعد سماعها، ولذلك فإن علبة السجائر هي وسيلة الإدانة للذين يتخذون من مشاكل الجماهير وسيلة للوصول إلى أهداف أنانية بغيضة ، لقد تحولت علبة السجائر إلى وسيلة لتنظيم مدار السرد القصصي وتصبح في محصلة الأمر هي الرمز الواقعي للجفاء البيروقراطي ، وفي هذه القصة يسخر عزيز نسين إلى الحد المكشوف من الخطابة الفارغة والاتجاهات الديماغوجية الوقحة التي يشتهر بها سياسيو العالم الثالث .

 

بدأ الناس يفهمون

 

يقدم في هذه القصة بطله السجين السياسي الذي يجد نفسه وحيداً بعد خروجه من السجن ، لا زوجه ولا بيت ولا مال أو أصدقاء ، لذلك يضطر إلى التواري والسكن في مكان ناءٍ بعيد عن المدينة ويعيش في غرفة وسخة حقيرة  توفر له الابتعاد عن أعين الرقباء، ولم تمضي فترة طويلة حتى يجد نفسه مضطراً للانتقال إلى غرفة يشغلها صديق له لأنه لم يستطع توفير أجرة غرفته تلك ، ، ويتطور الموقف عندما يزوره البقال وصاحب المقهى طالبين منه البقاء في الحي ، وهما يعرضان عليه المساعدة المادية فيفرح بتلك النوايا الإنسانية ويشعر بأن زمن وحدته القاتلة بدأ يتلاشي ، كما يدرك أن الناس أخذوا يفهمون دوره في الكفاح السياسي من أجلهم ، ولكنه يكتشف أنهم يعرضون عليه البقاء في الحي ليس تقديراً لنضاله السياسي وإنما طمعاً في استمرار سبل عيشهم لأن المخبرين يترددون على المقهى لمرات وحضورهم ساعد على نشاط البيع والشراء في الحي .

 

طابق للإيجار

 

قصة أخرى بطلها سجين سياسي ومضمونها وأحداثها مختلفة ولكنها تسعى إلى ذات الهدف الكشف والإدانة، حيث يجد السجين نفسه وحيداً في زنزانته وقد أخذ منه كل شيء ، قلم الرصاص وبطاقة الهوية والقداحة ورباط الحذاء ، وللإفلات من حالة الملل يشغل نفسه بعد حجارة الزنزانة وكذلك الشقوق الموجودة في جدرانها والخطوط ويقوده ذلك للعثور على قصاصة ورق متبقية من جريدة قديمة ، يقرأها ويعيد قرأتها ثم يحفظ كلماتها كلمة كلمة ويرددها ولا يجد لديه ما يردده سواها ثم يستدعى للتحقيق وأمام المدعي العام كان يجيب على الأسئلة كلها بما حفظ مما هو مكتوب في القصاصة ، كان يردد الآتي " طابق معروض للإيجار ببدل بخس يحتوي على ست غرف يقع في النقطة المركزية في نيسان طاش ويطل على الشارع الرئيسي " يغلق المدعي العام الأوراق ويؤمر بإطلاق سراح السجين الذي يمضي خارج السجن وهو يردد بشكل ميكانيكي ذات العبارة ويجد المدعي العام ساعياً في أثره ، ثم يستوقفه معتذراً ليسأله عن عنوان البيت المعروض للإيجار ، فهو لم يطلقه إلا لحاجته لمثل ذلك البيت .

 

كلمة في حفلة افتتاح

 

يستخدم عزيز نسين في قصصه التي يهاجم فيها المد " الديماغوغي " مستخدماً الأسلوب المؤثر لدى المتلقي ، في فاصل زمني هو عمر القصة القصيرة يشحن  المقدمة المباشرة عن طريق الراوي أو أية  شخصية أخرى ، ومعه القارئ المشدود لمعرفة التفاصيل والانفراج في المواجه لا يهم  لديه إذا كان الموقف نمطي أو درامي أو بوليسي أو حتى تقريري ، حالات مختلفة ينسج في أجوائها العقدة التي  تمسك ذهن القارئ ، كحالة اجتماع أو تفاصيل مباحثات أو مشهد من احتفالات تظاهرية أو مأدبة فخمة تجدها قد أقيمت لمناسبة تبدو غير مهمة وقد وظفها لخدمة الحدث والمضمون، في قصة كلمة في حفلة افتتاح ، يصور إفراط الضيوف في تناول المأكولات الشهية الفخمة ، ويكشف عن حالة التملق في تلك الأحاديث التي تدور لتسد حالة من السوقية والتفاهة وتتضح في ذلك المشهد الساخر حالة الفضح والكشف لتلك النماذج بما فيه الكفاية.

 

 ولكن نسين يظل غير قابلاً بتلك النتائج من حالات التعرية  وهو يحاول أن يجسد الحكمة الحياتية الشعبية التي تقول" الأقوال الفارغة الفخمة تغطي العمل السيئ " هو يكشف عن الكلمة الجوفاء لخطيب ما في افتتاح مصنع بحيث هو لا يعرف حقيقة  الذي حصل  الزمن الذي أنفق على البناء والمال الذي رصد له لقد تعاون أصحاب الأمر في تدفئة أيديهم في هذا البناء ، لقد أرادوا كسب الوقت والمال ويتضح في اللحظة الأخيرة أن الاستعداد لهذه الدرجة من الاحتفال بالمصنع المفتتح ليس كاملاً ، للنجاح في رسم هذه الصورة يستخدم عزيز نسين سرده القصصي ممسكاً بكفاءة عالية لتجسيد الفعل المادي وفق الحالة المجازية ، أنه يعمل بتواصل وفق حالة كبيرة من الوعي لترجمة القوانين الاقتصادية وتبيان الخلل الموجود في العالم الرأسمالي تاركاً هامشا بسيطاً للمقارنة مع الحالة الاشتراكية المفقودة ، يرى الناقد التركي" ديمرتاس جيبهون " أن عزيز نسين يؤلف أحد العبقريات العظيمة في القصة القصيرة الواقعية في تركيا حيث وصلت ذروة ليس في النقد الاجتماعي الساخر وإنما في الكتابة الساخرة العالمية .

 

أذناب الكلاب ألا يوجد حمير

 

في قصة أذناب الكلاب يطلب مدير الناحية من أهل القرية أن يحضر كل فرد منهم عشرة من أذناب الخنازير وبعد أيام يزور وفد من أهالي القرية مدير الناحية يتزعمهم شيخ وقور يؤكد لمدير الناحية أن القرية لا خنازير فيها بل أن المنطقة كلها تسمع بالخنازير ولكنها لا تعرفها فيغضب المدير ويرد بأن المنطقة ملأى بالخنازير وأن الفلاحين جهلة لا يعرفون مصلحتهم ولابد أن يحضر كل فرد منهم عشرة أذناب من أذناب الخنازير لإنقاذ محصول الذرة ويرد الشيخ بأن المنطقة لا تعرف الذرة ولا تزرعها فيستشيط المدير غضباً ويؤكد أنه تلقى  أمراً من حاكم المنطقة بجمع أذناب الخنازير وأن حاكم المنطقة تلقى أمراً بذلك من وزير الزراعة وأن وزير الزراعة أستند في أمره ذلك إلى تقارير العلماء الذين درسوا في الجامعات الأوروبية والذين ينظرون إلى الخرائط و يدققونها كما يطالعون الكتب قبل أن يتوصلوا إلى معرفة حقيقة أن هناك خنازير فهل يصدق فلاحاً جاهلاً ويكذب العلماء ؟

 

 وفي نهاية المطاف هل يمكنه رد القرار أو رفض الأمر، أن الأمر أمر ولابد من تنفيذه ، وعند ذلك يضطر الشيخ للذهاب مع رجال القرية إلى منطقة أخرى بعيدة كان قد حارب فيها عندما كان شاباً فهو يعلم أن فيها خنازير ليشتري منها الأذناب وحين يصل الشيخ إلى تلك المنطقة يجد فيها ازدحاماً شديداً فقد أقبل عليها الناس من كل صوب لشراء الأذناب فكان الاتجار بها وكانت مغالاة في الأسعار ودفع الشيخ والرجال أضعاف ما كانوا يتوقعون ، ثم رجعوا بالقطار وطال بهم الطريق فأصاب الأذناب العفن وفاح ريحها الكريه وضج الركاب ورآها أحدهم فأخبر الشيخ والرجال قائلاً ، أنها أذناب كلاب وليست أذناب خنازير ثم دخلوا القرية وهم يكتمون الأمر وسلموا بعض الأذناب إلى مدير الناحية وباعوا بعضها إلى من جاء يشتريها من القرى المجاورة ولا أحد يعلم بها ثم أخذ الناس ينفضون عن الشيخ حتى انهم أخذوا يرفضون مصافحته لأنه أمسك بيده أذناب الخنازير وصارح الشيخ أحد الرجال بالأمر ثم أضطر إلى إعلانه ولكن ذلك لم يجده شيئاً وأخذ المحتالين بالإغارة على كلاب القرية وقطع أذيالها حتى أصبح جميع كلاب القرية بلا أذناب .

 

ألا يوجد حمير في بلادك

 

في هذه القصة يضعنا عزيز نسين في أجواء أشد سخرية فقد زار تركيا أستاذ جامعي كبير قادماً من أمريكا في زيارة للشرق بحثاً عن الآثار القديمة ولاسيما قطع السجاد الشرقي، ونزل ضيفاً عند أستاذ آخر ثم خرجا يوماً إلى القرية التي تتواجد فيها بعثتان للتنقيب عن الآثار، وفي الطريق كان الضيف يحدث مضيفه عن اهتمام الفلاحين في كل البلاد التي زارها ببيع الآثار المزيفة للسائحين وحذلقته في خداعهم وأكد له انه عرف ذلك وخبره في بلدان كثيرة في الشرق ثم حدثه عن اهتمامه بالسجاد الشرقي القديم وعن شرائه عدة قطع بثمن بخس جداً في حين تساوي عند العارفين بها مبالغ ضخمة، ثم يشاهدان عجوزاً نائماً في ظل شجرة والى جانبه حمار قميء هزيل وعلى ظهر الحمار بساط عتيق مهتريء ، رآه السائح فذهل وطلب من مضيفه أن يوقظ الفلاح وأن يساومه في بيع الحمار من غير أن ينبهه للبساط ويطلب العجوز ثمناً لحماره عشرة آلاف ليرة تركية وبعد طول عناء وذكاء من السائح في التحايل والمساومة يقبض العجوز 2500 ليرة ويرفع قطعة السجاد عن ظهر الحمار ويقدم عنانه للسائح ويحاول السائح خداع العجوز فيستعطفه على الحمار ويتوسل أليه أن يترك له البساط كي يغطي ظهره ويقيه من البرد ولكن العجوز لا ينصاع فيمضي السائح ومضيفه يجران الحمار جراً ويلحق بهما العجوز ينادي وهو يقدم لهما شيئاً فيفرح السائح وإذا العجوز يقدم له الوتد معتذراً عن نسيانه مؤكداً بأنه سيحتاج أليه لربط الحمار به.

 

الحمد لله، لماذا فزعت القطة

 

 تقول الناقدة الروسية " ل . أو . الكايفا ": تبدو قصص الكاتب التركي عزيز نسين للوهلة الأولى ساذجة وهي تصور بشكل مضحك دائماً حياة وعادات تركيا في أيامنا هذه، أن هذه البساطة الخارجية تفسر في جوانب عديدة النبرة المؤتمنة للقاص وكأنه لم يرتفع فوق مستوى الشخصيات الأخرى وتكمن في ذلك خاصية الأسلوب الإبداعي للكاتب" وتعتبر قصص عزيز نسين كوميديا إنسانية فريدة لتركيا المعاصرة وهي كذلك تشكل أداة مدهشة للتحليل الإبداعي حيث يسلك فعل المبضع الحاد للدراسة الاجتماعية الاقتصادية العميقة للحياة وما يحدث فيها ، أن القراءة المتبحرة لنتاجه تكشف عن حرفية خاصة به ، غالباً ما تكون نقطة انطلاق العمل الأدبي لديه واضحة غير أن الجزيئات المهمة لا تجسد الإدراك الفكري الذي يتمتع به ، قد تبدأ أقوى واجمل قصصه من دفتر مذكرات يخص العمل اليومي أو علبة سجائر يجدها في الطريق أو خبر في جريدة يتحدث عن حادث غير مهم ، وهكذا نجده في قصة " لو كنت امرأة " يبسط أمام أعيننا التاريخ التراجيدي الكوميدي للحارس المعدم الذي يوافق لقاء اجر زهيد على أداء واجبات جميع مستخدمي المصنع مسروراً بدءاً بالبواب وانتهاء بالمدير ، هنا يعرض الكاتب الشرف الأبدي عند الأغنياء وطريقة امتصاص الأرباح ، يحقق المؤلف التأثير الكوميدي بإظهار الاستغلال المتصاعد كنتيجة لتوجه الضحية ذاتها، إذ ينقبض الحارس " سلامه " لوجود شخص آخر يعمل معه ولا يقدر أن يحل محله تلك هي كاتبة الطابعة عشيقة رب العمل .

 

 يعمد الكاتب عزيز نسين إلى أسلوبه الساخر  الذي درج عليه في الكثير من قصصه القصيرة ، أن التفاصيل الواقعية الحياتية الملموسة تعينه على أن يظهر بمزيد من الجلاء جوهر العلاقات الإنسانية في المجتمع وهكذا نجد الكاتب يستخدم الأفكار الصغيرة بشكل مؤثر وفريد في المعالجة والتناول يضيف أليها الأساطير والأشعار الفكاهية والطرائف ويخلق التباين الواضح في العلاقات المتبادلة وكذلك في التفاصيل البيئية .

 

وعندما يتابع كتابة تفاصيل قصة" لماذا أفزعت القطة " هو في حقيقة الأمر يتابع مصائب وزير يقع على ما يبدو نتيجة لسوء أفعاله تحت مرمى ضربات الصحافة ، يصب الوزير أحقاده على المستشار وذاك على الأتباع الذين يخدمونه وينهر أصغر موظف جابي التراموي ويضرب الجابي زوجته وتبدو الضحية الأخيرة في هذه السلسلة من تفاصيل الأحداث هي القطة البائسة ، وفي قصة " كانوا جميعاً بنائين " يتبدل مدير معهد البناء الكبير مثل حكام المدينة في مدينة الحمقى واحداً بعد أخر ويلقي كل واحد منهم كلمة حول ضرورة صيانة الجمال وحول تتابع الروائع ويهدم كل ما بناه سلفه وعلى هذه الصورة يبدل المسبح  بساحة لعب وساحة اللعب بحديقة عامة والحديقة العامة بمنزلق وتنتهي إعادة البناء وقتياً بوضع تمثال نصفي مقابل المعهد لجميع البناة .

 

 أن الكاتب يلاحظ ويشير في هذه القصة إلى قضية الخطوات البطيئة للسلطة في مجال إنجاز التحولات التي تنشدها الجماهير وهو يرصد تلك البلاغات الكاذبة من قبل السلطات المتنفذة وبين فعلها في التطبيق ، كما يسعى إلى تصوير رد الفعل على من يقع عليهم مظالم ذلك التناقض ، وفي قصة أخرى تحمل عنوان " الحمد لله " يدخل الناس قطار النقل ، وقفوا وتحدثوا وتجادلوا ثم انفصلوا غير أن أحاديثهم ترسم صورة لتركيا المعاصرة في تناقضاتها حيث تتصاعد أكثر فأكثر شكاوى الركاب حول الحياة والغلاء وتصبح تلك اللازمة تتردد بمناسبة أو بغير مناسبة .

 

المصباح وحينّا والواجب

 

ينتظر الناس المسحوقون والأميون من سكان أحد أحياء استنبول الذين لم يهتموا قط بالسياسة فجأة انتخابات النواب فرحين ، بل يصرون على الذهاب إلى تلك الانتخابات ويؤكدون أن تلك المصابيح تشتعل في شوارع هذا الحي أيام الانتخابات فقط ، ولعل أشد القصص سخرية في مجموعة قصص عزيز نسين هي قصة بعنوان " واجب وطني " تلك القصة تصور سجناً قد دخله سارق كان قد أقلع عن السرقة وتاب ، فيرحب به أصحابه من السجناء القدامى ممن حكم عليهم بالمؤبد وينكرون عليه عودته إلى السرقة فينكر بدوره ذلك ويؤكد لهم براءته ، ثم يقعد ليحكي لكبير السجناء قصته وهو يحتسي الشاي ويقسم الأيمان المغلظة أنه بريء  .

 

ويروي لهم كيف استدعاه مدير المخفر ليقوم بالواجب الوطني فلا يفهم قصد مدير المخفر ثم يتبين له أن واجبه هو القيام بعمليات سطو متتابعة على أعضاء فريق قادم من ألمانيا وأمريكا لزيارة البلاد ثم الإسراع إلى المخفر ليسلم مديره ما سرقه من أعضاء الوفد، ويعتذر السارق القديم عن القيام بهذا الواجب ويؤكد إقلاعه عن القيام بمثل هذه الأعمال ولكن المدير يضغط عليه ويهدده إذا رفض تنفيذ المهمة وسيعمل على إلصاق مئات التهم ويؤكد له أن الغاية هي إظهار رجال الشرطة بمظهر القوي القادر على تتبع المجرمين وإلقاء القبض عليهم وإعادة المسروقات في وقت سريع .

 

 ويضطر السارق تحت التهديد إلى الموافقة على القيام بعدة عمليات يسطو فيها على ثياب أعضاء الوفد وعلى أموالهم وممتلكاتهم ويسرع بها مرة تلو الأخرى إلى المخفر ليقوم رجال الشرطة بتسليمها إلى أعضاء الوفد فور سؤالهم عنها وفي المرة الأخيرة يقوم رجال الشرطة بأخبار أعضاء الوفد عن المسروقات قبل أن يعلم هؤلاء بها ، وفي الختام يلتقي الصحفيون برئيس الوفد في المطار ليسألوه عن انطباعه فيضطر رئيس الوفد إلى التصريح بأن الشرطة قوية، ولكن أيضا اللصوص أقوى من الشرطة، وتنشر الصحف نص التصريح فيغضب مدير المخفر ويزج بالسارق في السجن .

أن عزيز نسين في قصصه القصيرة المتنوعة الأجواء والتي تناقش مضامين وأفكار متنوعة أيضاً ، يبدو في كل ذلك كاتباً إنسانياً كبيراً يهاجم حالات انعدام القانون ويرصد حالة الفوضى ويبحث عن تأكيد القيم الإنسانية ويطالب برفع الظلم عن الناس أينما كانوا ولعل أبلغ تعبير عن جهد الكاتب ذلك الحوار الذي يرد على لسان بطل إحدى قصصه عندما يقول" لقد جهدت في أن يبتسم الناس وانتقمت من الناس إذ جعلتهم يضحكون بأنفسهم على عيوبهم " أن عزيز نسين يؤمن بدور الكاتب المتميز والمتقدم في الدفاع عن الشعب ومواجهة الظلم والطغيان والتردي الحزبي .

 

 لقد أعطت الآداب التركية في السنوات العشرين أو الثلاثين الأخيرة نتاجاً مهماً عملت من خلاله على خلخلة التركيبة الاجتماعية وتغييرها وعلى توعية الشعب ، لذا فأن القوى الحاكمة والمتعاقبة على الحكم ليست راضية عن الأدباء الذين يمارسون دورهم الفعال منذ ناظم حكمت وحتى الآن، يقول عزيز نسين " كان حلمي أن أرى العدل والحريات موزعة بالقسطاس على الناس لذلك رفعت صوتي احتجاجا، فسجنت وعرفت الكثير من السجون في بلادي كما التقيت بنماذج إنسانية كثيرة في تلك السجون " ورغم الاتهامات التي تعرض لها نسين في حياته من خصومه السياسيين وأتباعهم ، إلا انهم جميعاً يتفقون على انه كان كاتباً وطنياً ذو نزعة إنسانية .

 وقد عمل عزيز نسين ، طيلة حياته لمد الجسور مع كافة الأقوام والأجناس واحترم جميع الآراء والاتجاهات والميول ، وظل دائماً يحترم الإنسان ويحبه ويتعاطف معه ويقف إلى جانب المظلوم ويرفع صرخته المدوية بوجه الظالم مؤكداً ذلك بقوة في كتاباته الإبداعية وفي مذكراته الشخصية التي يقول في جانب منها" موضوعاتي التي أنشأت عليها أعمالي الأدبية كلها استقيتها من الحياة التي عشتها وأعيشها هناك أوضاع إنسانية لا يمكنك المرور عليها مرور الكرام .

 

الهوامش والمصادر :

 

1-        راجع مجلة لوتس - مجلة اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا - العدد  70 ديسمبر 1989 " ص 170 "دراسة بعنوان مسرح عزيز نسين وهموم الإنسان المعاصر ..  شاكر الحاج مخلف .

 

2-        عزيز نيسين " مختارات قصصية "    ترجمة  فاضل جتكر  وزارة الثقافة سوريا

3-  المسائل النظرية في الآداب الشرقية - مجموعة من الباحثين السوفييت

4-  الأستاذ إبراهيم الداقوقي :  دراسة عن الأدب التركي المعاصر  - مجلة عالم الفكر - الكويت / المجلد الثالث عشر / العدد الأول 11982 /

5-   د . محمد نور الدين  :   الأدب التركي الحديث

6-        تعريف بالمسرح التركي  - مجلة الموقف الأدبي العدد 134 / سوريا

7-        نظرية الأدب  - عدد من الباحثين السوفييت _ ترجمة د. نصيف جميل التكريتي .

8-  د . شاكر الحاج مخلف     الأعمدة والفضاء   - دار علاء الدين – سوريا - 1996

 

               ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

عزيز نسين ... في سطور

 

* ولد عزيز نسين في اسطنبول عام 1915.

* انهى الثانوية الحربية في قولالي عام 1937 .

* بدأ حياته الادبية عام 1944 بنشر الاشعار وكتابة القصص القصيرة الواقعية ، في صحيفة ( مليّت ) التركية الواسعة الانتشار .  

* وفي عام 1944 انتقل الى الصحافة ’ حيث شارك الاديب التقدمي المعروف ( صباح الدين علي - الذي اغتيل عام 1948 ) في اصدار العديد من الصحف : ماركو ، ماركو باشا ، الباشا المعروف ، الباشا المرحوم ، وعلي بابا خلال عوام 1946 - 1947 .

* اصدر اول مجموعة قصصية عام 1948 بعنوان ( الثمالة ) تاتي ترجمت الى 12 لغة حتى اليوم .

* اصدر روايته الاولى المعنونة ( الرجل الذي تحول الى امرأة ) عام 1955 .

* اسس عام 1956 دار نشر الفكر .

* اصدر عام 1962 صحيفة زبوق ( الاحمق المغرور ) الفكاهية ودخل السجن بسبب افكاره التحررية ودفاعه عن المسحوقين في الحياة - مرارا - بتهمة الشيوعية .

 * نال عزيز نسين شهرته العالمية بروايته ( هكذا كان ولكنه لن يكون كذلك ) الصادرة جزؤها  الاول عام 1966 .  و العنوان تحوير للمثل التركي المعروف ( هكذا كان وسيستمر كذلك ) للتعبير عن اليأس وعدم تغير الاحوال . وعندما صدر جزؤها الثاني عام 1976كانت طبعات الجزء الاول قد تجاوزت العشرن وترجمت الى 40 لغة في العالم

* باع جميع املاكه عام 1982 وانشأ مبرّة لاطفال العالم اليتامى والمشردين في ضواحي اسطنبول . وعندما توفي عام 2001 كان قد اوصى بجميع اعضائه للمستشفيات وبالدفن في مكان مجهول من غابة المبرّة .

العودة الى الفهرست