حوار الثقافات وحقوق الإنسان في زمن العولمة
 الدكتور علي القاسمي - مستشار مكتب تنسيق التعريب بالرباط


ليس الكتاب الجيد هو الذي يزيدك علماً ويُكسبك معرفة فحسب وإنما كذلك هو الذي يخالف أفق انتظارك (توقعاتك) ويغيّر من اقتناعاتك. وقراءة كتاب " حوار الثقافات وحقوق الإنسان في زمن العولمة " للدكتور محمد مصطفى القباج حققت الأمرين لي، فقد أفدت معلومات جديدة، كما تمكّن المؤلِّف من تغيير بعض اقتناعاتي في عدد من القضايا الراهنة.

لا يعود الفضل في ذلك إلى موضوع الكتاب فحسب وإنما إلى المؤلف كذلك. فالكتاب يتناول قضيتين مصيريتين هما قضية الحوار بين ثقافات تبدو في عصرنا الحاضر في تصادم وصراع، وقضية حقوق الإنسان التي تفهمها كل دولة بطريقتها الخاصة. ويستمد عرضُ هاتين القضيتين قيمتَه من تمكّن المؤلف من موضوعه ومن إيمانه العميق بالحوار وممارسته له أكاديمياً وعملياً في العلاقات الدولية. فالدكتور القباج أستاذ باحث في الفلسفة والتربية، وهو الأمين العام لمنتدى 21 للحوار والتنمية، وعضو منتدى شمال/جنوب(جنيف، سويسرا)، والأمين العام لفرع المغرب للجمعية العالمية للكتّاب، وعضو المكتب التنفيذي لمركز دراسات الإندلس وحوار الحضارات، وله دراسات فكرية جادة ذات صلة بالموضوع مثل كتابه " مقاربات فكرية وسياسية في الشأن العربي الراهن" (1999)، وكتابه " التربية والثقافة في زمن العولمة " (2002)، وكتابه " عمّ يتحدثون: نظرات في فكر أعلام المغرب المعاصر" (2004 ( .

يتألف كتاب "حوار الثقافات وحقوق الإنسان في زمن العولمة" الذي صدر في سلسلة (المعرفة للجميع) من قسمين:

القسم الأول، عن حوار الثقافات في زمن العولمة، ويضم أربعة فصول هي: حوار الثقافات بين الإمكان والاستحالة، أخلاقيات الحوار مع الآخر المختلف في الفكر العربي الإسلامي، إلهامات التصوف العرفاني حول وحدة الأديان الإبراهيمية، حوار حول الحوار.

القسم الثاني، عن حقوق الإنسان في زمن العولمة، ويضم ثلاثة فصول هي: تأملات حول السياق النظري لحقوق الإنسان، محاولة في تجديد النظر لمفهوم حقوق الإنسان، حقوق الطفل المغربي في مدونة الأسرة.

وفصول الكتاب، في الأصل، عبارة عن دراسات جادة مكثّفة أسهم ببعضها المؤلِّف في ندوات وطنية ودولية، ونشر بعضها الآخر في عدد من الدوريات الوطنية. ومن يتأمل مضمون هذه الدراسات يدرك أن جدية الدكتور القباج تمنعه من الكتابة في موضوع ما لم يأتِ بالرأي السديد الجديد القائم على بحث معمق في التراث العربي الإسلامي والفكر الغربي المعاصر على حد سواء.

يربط المؤلف موضوعي الكتاب بزمن العولمه، لأنه يرى أنه على الرغم من سلبيات العولمة، فإنها أوجدت مناخاً معرفياً جديداً فعّل التأمل، وحرّك الأفكار، وأثار المقاربات المختلفة. وإذا كانت العولمة تتجه إلى فرض الديمقراطية داخل كل قطر، فلا بد أن تنتهي بفرض الديمقراطية بين الأقطار، من أجل مستقبل أفضل للإنسانية تتحقق فيه العدالة ويعم السلام.

الحوار نقيض الحرب

فالنخب الثقافية في العالم تجد نفسها اليوم أمام خيارين: إما الحوار الذي ييسر ويحسّن التواصل وتبادل المعلومات والمعارف وتدبير الاختلاف والوصول إلى توافقات وضوابط للعلاقات البشرية، وإما انقطاع التواصل والحوار بين الثقافات بحيث تتمسك كل ثقافة بمواقفها وتنظر إلى مصالحها الذاتية، ما يؤدي إلى تصادم بين الثقافات وحروب حضارية ودينية، كما هو الحال في نظرية صموئيل هنتنغتون، أحد منظري المحافظين الجدد في معهد المشروع الأمريكي بواشنطن.

وهكذا يصبح الحوار نقيضاً للحرب. والحرب ظاهرة اجتماعية نفسية إنسانية قديمة قدم الإنسان، بل تشمل مملكة الحيوان برمتها، وسببها تعارض المصالح والمطامح بين الأفراد أو الجماعات. ويعرّف الدكتور القباج الحرب بأنها مواجهة مسلحة بين طرفين أو أكثر، أو بين دولتين أو أكثر في إقليم واحد، أو بين مجموعتين من الدول موزعة على أكثر من إقليم واحد. وبعبارة أخرى، فأن الحرب تصنّف إلى ثلاثة أنواع: حرب محلية أو أهلية، وحرب إقليمية، وحرب عالمية. وتشير الدراسات الإحصائية التي تناولت الحروب خلال خمسة قرون، أي بين عامي 1470 و 1974، إلى حدوث 336 نزاعاً مسلحاً، منها 174 حرباً أهلية و 114 حرباً بين دولتين أو أكثر، و36 حرباً إقليمية، بالإضافة إلى حربين عالميتين.

ويعني هذا أن أكثر النزاعات المسلحة تحصل ضمن دولة واحدة، ما يشير إلى الحاجة الملحة إلى الحوار الداخلي بين الجماعات المختلفة ضمن الدولة الواحدة، من أجل اقتلاع جذور الإحساس بالتهميش والظلم والاضطهاد، فالحوار صمام أمان ينفّس من الضغط ويتفادى الانفجار.

ولهذا تشتد الحاجة إلى الحوار أبان فترات الأزمات والمواجهات بين الثقافات أو المصالح السياسية والاقتصادية. في هذه الفترات المتأزمة، يرمي الحوار إلى تحويل التفاعل السلبي بين الثقافات أو الجماعات إلى تفاعل إيجابي يخدم الجميع. ويضطلع بالحوار أشخاص عينيون هم نتاج تلك الثقافات أو المصالح المتصارعة، لأن الحوار بين الثقافات هو مستحيل إلا على سبيل المجاز، لأن الثقافات مجردات لا وجود مادياً أو عينياً لها.

قواعد الحوار وشروطه ووسائله

ولكن، لكي ينبغي أن يكون الحوار فاعلاً ومؤثراً ومحققاً للنتيجة المتوخاة، ينبغي أن ينطلق من مسلمات، ويستند إلى قواعد، وتحكمه أخلاقيات، ويتناول قضايا محددة، ويستخدم وسائل معينة، ويرمي إلى أهداف معلومة.

فأول مسلمات الحوار هو أن الآخر مختلف عن الذات. وهذا يقتضي اعتمادَ قاعدة احترام الآخر والاعتراف بأن الحقيقة الفكرية ليست مطلقة وإنما نسبية وأن لا أحد يملك الحقيقة كاملة. وينبغي أن تؤطر الحوار قيم أخلاقية وفكرية وروحية، فالحوار إنساني والصراع حيواني. وأهم ضوابط الحوار هو تحديد القضية أو القضايا موضوع الحوار، والانطلاق مما هو مشترك بين المتحاورين، وتجاوز أحقاد الماضي وسلبياته. أما هدف الحوار هو الوصول إلى توافق يؤدي إلى التعايش والتعاون لإيجاد عالم أفضل يليق بكرامة الإنسان كائناً من كان وحيثما كان.

وسيلة الحوار هي اللغة، بطبيعة الحال، أو الترجمة الظاهرة أو الكامنة التي تستخدم اللغة. ولهذا اشترطوا أن تكون لغة الحوار أقرب إلى اللغة العلمية بمواصفاتها المعروفة: الوضوح والبساطة والإيجاز في مفرداتها وتراكيبها ودلالاتها، وتحاشي الغموض، والخلو من حوشي الكلام، وتفادي التكرار والحشو والمحسنات البديعية.

الحوار في الثقافة الإسلامية

اهتمت الثقافة العربية الإسلامية بالآخر والحوار معه، ووضعت منهجاً ثراً للحوار الذي اسمته بالمناظرة، بيّنت فيه أصول الحوار وقواعده وشروطه وضوابطه. ونظرت إلى الحوار بوصفه معرفة ويؤدي إلى معرفة. وسيلته الأساسية السؤال الهادف إلى الحصول على المعرفة الموضوعية. فالسؤال ابن المعرفة والسؤال مسئولية.

وقد نصح الجاحظ في رسائله بعدم تعصب الإنسان لرأيه إذا تبين خطله، ونهى عن " العصبية التي هلك بها عالِم بعد عالِم، والحمية التي لا تبقي ديناً إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكتها." وتطرق أبو حيان التوحيدي في كتابه " الإمتاع والمؤانسة" إلى أهمية الحوار وشروطه، فبين أن الهدف من المناظرة هو معرفة الحقائق التي عند كل طرف من أطرافها، لأن " لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلها وعقدها كمال وتقصير."

وتناول ابن حزم موضوع الحوار في كتابه " الفصل في الملل والأهواء والنحل"، فأكد أن الهدف منه هو حصول الفهم أو اكتساب المعرفة والوقوف على الحقائق. وتناول أصول الحوار في رسالتين من رسائله هما " مراتب العلوم" و " التقريب لحد المنطق"، فاشترط الاستماع للرأي الآخر لأن الحقيقة ليست وقفاً على أحد، فقال في رسالته الثانية: "اعلم أنه لا يوصل إلى معرفة الحقيقة بالاستدلال إلا البحث، والبحث يكون عن فكر واحد، ويكون عن تذاكر إما من معلم أو متعلم، وإما من متناظرين مختلفين متباحثين.."

وبحث ابن رشد في كتابه "تهافت التهافت" في شروط الحوار، فأكد ضرورة رسم الحدود للحوار والتزام المحاورين بهذه الحدود، لأن القصد من الحوار "طلب الحق لا إيقاع الشكوك"، ولهذا " لا بد أن يسمع الإنسان أقاويل في كل شيء يفحص عنه، إن كان يحب أن يكون من أهل الحق."

وأدرك علماء المسلمين وفلاسفتهم أن الإنسان لا يمكن أن يملك الحقيقة كاملة، فأكد الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" أن الحق والحقيقة منبثان في كل ملة ونحلة، ولا بد من ضوابط وقواعد للحوار لئلا يمسي جدلاً وعناداً.

الحوار الحضاري من أجل المستقبل

كيف يرى الدكتور القباج مستقبل العلاقات بين الثقافات؟ وهل يتحول تعارض المصالح الاقتصادية والسياسية إلى مجابهة فنزاع فحرب؟ للإجابة على هذا السؤال ينطلق المؤلف من اعتقاده الذي استخلصه من دروس التاريخ، ومفاده أن التعايش بين البشر هو الحالة الطبيعية أما الصراع فهو الاستثناء. ففترات السلم هي أطول وأكثر امتدادا في الزمان والمكان من فترات الحرب. وأن قوة العقل والقيم الأخلاقية لدى الإنسان ينبغي أن تتحكم في نزعاته العدوانية. ولهذا يجب أن نعلّم أبناءنا لغة الحوار لا قرع طبول الحرب. ولكي تتحقق هذه الغاية، يلزم أن يتولى النظامان التربوي والإعلامي في جميع الدول شحذ العقل التواصلي للإنسان بالمعرفة الواسعة العميقة عن الآخر، للتخلص من الجهل المتبادل الذي هو السبب الحقيقي لتأزُّم العلاقات بين المجتمعات. ومن الضروري القضاء على الجهل الثقافي لدى النخب السياسية الموجِّهة لأحداث العالم، وتسليحها بقيم الحوار الحضاري.

يجب الإشارة إلى أن هذه القراءة المختصرة لم تتطرق إلى جميع محتويات هذا الكتاب الذي يستحق قراءات تفصيلية عديدة ومناقشات ثرّة للإحاطة بالأفكار القيمة التي ضمّها واستيعاب القضايا الهامة التي طرحها، والإفادة منها .

 

 

 

اهداف

المركز الاكاديمي للدراسات الاعلامية وتواصل الثقافات

مركز للدراسات والبحوث العلمية في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية والتوثيق والمعلومات، ومنبر إعلامي لإقامة الندوات وإلقاء المحاضرات وإجراء الحوار البناء في إطار تواصل الثقافات. ولترجمة النصوص الثقافية بين العريية واللغات الاوروبية من اجل التثاقف و لتعريف الشعوب ببعضهما البعض ولتحسين صورتهما من خلال الحوار والتفاهم والعمل المشترك . وذلك انطلاقا من مسؤوليتنا الفكرية والاجتماعية لتوفير فرص الحراك الديمقراطي، ودور أفعل لمؤسسات المجتمع المدني والإعلام الحر، ليكون الشاهد والرقيب على الاستبداد والطغيان والفساد.. ومن خلال شعورنا بضرورة وضع حد للصراعات اللامجدية النابعة عن سوء الفهم وقلة المعرفة بالآخرين. لأننا نؤمن أن مفهوم الصراع، الذي يدعو إليه المتطرفون وأصحاب سياسات الاستقواء أو الاستعلاء الفكري أو الحضاري أو العنصري- وبغض النظر عن انتماءاتهم- لا يصلح أساسأ لاقامة العلاقات السليمة والمتوازنة بين البشر في عصر العولمة، من أجل إعلاء كلمة التسامح والقيم المشتركة بين الأديان والحضارات والشعوب، وللابتعاد عن الغلو والعنف والإرهاب والأحكام المسبقة عن الآخر. لأننا ندافع عن الإنسان وحريته وحقوقه واختياراته، أين ما كان، ومن كان... تحقيقا لهدفنا في رصد الحقيقة وتوظيفها لإنارة دروب الحرية والديموقراطية في إطار الأخوة الإنسانية والكرامة والإحترام المتبادل، بعيدأ عن الاستبداد بالرأي أو القهر أو الهيمنة، من جهة . ولخدمة أبناء جلدتنا، وإعلامهم بما يدور حولهم هنا، أو هناك في وطن الأجداد والأحباب الذي تتعلق به عواطفنا بعد أن تحول العالم إلى كرة بلورية لا تستطيع ان تستر ما بداخلها، وأصبحنا- كلنا- راعين لها ومسؤولين عن رعايتها.

العودة الى الفهرست